ارشيف من :أخبار عالمية

عامان على «14 فبراير»: البحرين تزداد ثورة

عامان على «14 فبراير»: البحرين تزداد ثورة
شهيرة سلّوم - صحيفة الاخبار

ليس في البحرين انتفاضة اللؤلؤة أو «14 فبراير»، بل هي ثورة دائمة، كان الربيع العربي فصلاً من حكايتها. يطوي البحارنة غداً العام الثاني على انتفاضتهم الأخيرة. لم ينالوا مطالبهم بعد. حوصروا من الداخل والخارج، ضُربوا وأهينوا وقُتلوا وهُجروا، خلال هذين العامين، لكن لا يئسوا ولا استكانوا. وكأنّه كلما اشتد عليهم الخناق، ازدادوا ثورة. يُقبل شعب البحرين على الحياة بلهفة قلّ مثيلها رغم معاناتاه. وكي تعلم سرّ هذه اللهفة، عليك أن تبحث عن تاريخه. هو من أرقى الشعوب العربية وأشدّها حضارة وسلمية، وليس في ذلك مبالغة. من يره شيعياً، فإنما يرى مرضاً في نفسه. تعرض «الأخبار» شهادات (المزيد منها على الموقع الإلكتروني) تُطلق كل منها صرخة، وتبين أن هذا الشعب لن يقف إلا عندما ينال ما يريد؛ فهو شعب «يقتل الظلم ويغتال التعاسة» كما وصفته ابنته العشرينية الثائرة آيات قرمزي مرّة في اللؤلؤة.
انتفاضة دائمة سبقت «الربيع» بسنوات


يُحيي البحرينيون غداً، الذكرى الثانية للانتفاضة، شأنهم بذلك شأن دول ما بات يعرف بالربيع العربي. لكن لهذا الشعب حكايته مع الثورة، وليس المقصود هنا أنها لم تُثمر بعد، لأنّها تُركت وحيدة ونسي العالم، أو تناسى، صرخات أبنائها على مدى أشهر متواصلة من القمع، لأسباب طائفية وجيوبوليتيكية، بل لأنّ ما عاشوه في الرابع عشر من شباط 2011، لم يكن إلا فصلاً من فصول ثورتهم الدائمة.

البحارنة، كما يستحسنون تسميتهم في إشارة إلى أنّهم السكان العرب الأصليون وليسوا كآل خليفة (من العتوب) الذين غزوا الجزيرة في أواخر القرن الثامن عشر آتين من قطر ونصّبوا أنفسهم حكاماً عليها، كانوا ولا يزالون في حالة ثورة دائمة. عاشوا فصولاً منها في العقد الأخير من القرن الماضي. في بداية السبعينيات، حين انتفضوا على مطالب إيران، التي ادّعت مُلكاً بالأرخبيل بعد اكتشاف النفط، وذلك من خلال التصويت بنسبة 98 في المئة على استقلال إمارتهم في استفتاء أجرته الأمم المتحدة بعد خروج المستعمر البريطاني. انتفضوا في أواخر السبعينيات والثمانينيات، وطالبوا بإعادة العمل بدستور 1973، الذي عطّله الأمير، وبالعدالة والمساواة بعدما احتكر آل خليفة السلطة السياسية والثروات، ووزّعوا ما بقي من فُتات على أتباعهم من القبائل والطائفة السنّية، وهو ما لوّن الأزمة بصبغة طائفية.

لقي المنتفضون الحصار والمنفى والاعتقال. مع ذلك واصلوا الانتفاضة، فلا يئسوا ولا استكانوا، وكانت فترة التسعينيات مليئة بالاحتجاجات التي تطورت إلى أحداث العنف. والحراك الذي شهدته وتشهده المملكة حالياً لا يكاد يرقى إلى ما عاشته في تلك الفترة، وقمعته السلطة بقيادة الأمير عيسى بن سلمان، الذي يروي العالمون بالأمور أنّه كان أميراً «مغيّباً عن الوعي» ينام في النهار ويصحو في الليل، ويظنّ أن حال الرعيّة بخير وتعيش في عزّ ووئام، وكان القابض على الأمور شقيقه رئيس الوزراء الحالي خليفة بن سلمان آل خليفة.

النضال لم يذهب سُدى هذه المرّة. وحصد البحارنة ثمار انتفاضتهم التسعينية في بداية الألفية الثالثة بعدما جاء إلى الحكم الأمير حمد بن عيسى، الذي عاد ونصّب نفسه ملكاً على جزيرة لا يتعدى عدد سكانها الأصليين 600 ألف نسمة، ولا تتجاوز مساحتها 750 كيلومتراً مربعاً، وأطلق إصلاحات تاريخية؛ أفرج عن المعتقلين السياسيين، وسمح للمعارضين في الخارج بالعودة إلى البلاد، وبتأسيس الجمعيات السياسية. كذلك جرى تضمين مبادئ التغيير السياسي التي أطلقت في ميثاق العمل الوطني (تناول المقومات الأساسية، نظام الحكم، الأسس الاقتصادية للمجتمع، الأمن الوطني، الحياة النيابية، العلاقات الخليجية، العلاقات الخارجية) الذي صوّت عليه البحرينيون في استفتاء عام بنسبة 98 في المئة.

وقد سمحت هذه الإصلاحات للأحزاب المعارضة بالعمل في الضوء، وكفلت هامشاً من حرية التجمع والتعبير. تأسست بعدها العديد من الجمعيات. دخلت هذه الأحزاب بقوة إلى الحياة السياسية عبر الانتخابات المتتالية. لكن كان لدى المعارضة العديد من المآخذ على دستور 2002، الذي صدر في إطار الإصلاحات؛ فهو افتقر إلى الشفافية منذ البداية؛ إذ لم تشارك في كتابته الشخصيات المعارضة كما ينبغي. كذلك فإنه أنشأ مجلسين في إطار المجلس الوطني: النواب المنتخب والشورى المعين، وأعطى سلطة ترجيح للشورى على النواب المنتخب.

ذلك لم يمنعهم من المشاركة في حكومة 2006، حيث مُثِّل الشيعة لأوّل مرّة بأربعة مناصب وزارية، وكانت المرّة الأولى التي يشغل فيها منصب نائب رئيس الوزراء شيعي، ودخل بموجب هذه الإصلاحات أول وزير بحريني من أصل إيراني. لكن الأفضلية في المناصب الحكومية الحساسة بقيت للسُّنة (الداخلية والدفاع)، وقضية المساواة والعدالة الاجتماعية، لم تُحلّ، وبقي احتكار آل خليفة للسلطة والثروات. افتقار هذه الإصلاحات إلى المضامين الفعلية للعدالة والمساواة دفعت بنشوء تيارات معارضة، رفضت المشاركة في الحكومة والانتخابات ونشطت في الداخل والمنفى لتحقيق إصلاحات حقيقية شاملة.
مع هبّات الربيع العربي انتفض البحارنة من جديد، بما أنّ أرضيتهم خصبة. وكانت بوادر هذه الانتفاضة قد بدأت بالظهور قُبيل الربيع بأشهر، حين ضيقت السلطات على المعارضين، وأعادت معزوفة الخلايا الانقلابية المدعومة من إيران. قُمعت انتفاضة اللؤلؤ بعد تدخل عسكري خليجي، وخصوصاً سعودي، الذي وجد في الحراك تهديداً لعروشه، وثغرة لولوج «العدوة اللدودة»، إيران إلى ربوعه، بما أن غالبية المنتفضين شيعة.

تواصلت الحملة الأمنية شهراً تلو شهر، استُخدمت أبشع أنواع الانتهاكات، من القتل والاعتقال والإهانة والتضييق والفصل من الوظائف والتعذيب، واستخدمت الورقة الطائفية بفنّ وبراعة لخلق الشرخ الأهلي، ثم بث الفرقة بين الجمعيات السياسية المعارضة لوهلة. لكن المسيرات تواصلت، وانتشر أبناء البحرين في مختلف أرجاء المعمورة لإيصال أصوات أقرانهم في ظل حصار أمني وإعلامي ودولي. نجحوا في إجبار النظام على تشكيل لجنة تحقيق مستقلة وبيّنوا الظلم الذي لحق بهم، وعرّوا النظام وصمت المجتمع العربي والدولي، الذي رفض انتفاضتهم من منطلق طائفي.

انتفاضة التسعينيات أثمرت إصلاحات تاريخية وملكاً، لكن لم تُستكمل ولم تحقق العدالة المفقودة. انتفاضة اللؤلؤ، لم تُثمر بعد، وإن لم يكن الملك الحالي قادراً على دخول التاريخ كما حاول قرع بابه من قبل، ربما عليه أن يتنحى ويفسح المجال لمن هو أقدر.

لا مصالحة دون إشراك الجميع

وصلت الأزمة في البحرين اليوم الى حالة من المراوحة. النظام لم يُقدّم بعد أي تنازلات بخصوص المطالب، التي سبق أن أجمع عليها كل أبناء البحرين عشية اندلاع الانتفاضة، لولا استخدام الورقة الطائفية. لكن المعارضة أيضاً، لم تسحب ورقة الشارع، بل نجحت في إعادة رصّ صفوفها بعد الصدع الذي أصابها، ووسّعت نشاطها الى الخارج، حيث نجحت في استقطاب المجتمع الدولي الى جانبها، ودفعته بالتالي الى الضغط على النظام كي يجري حواراً، مرّة أولى وثانية.

وهذه المراوحة لا ترتبط فقط بنقاط قوة كل من المعارضة والنظام، وإنما أيضاً بما يجري في المنطقة من متغيرات، ولا سيما في الملفين السوري والإيراني، حيث ستعمل الدول الفاعلة على زجّ الملف البحريني في حزمة أي تسوية إقليمية.

الجولة الثانية من الحوار الذي يجري اليوم هو مرحلة تقطيع للوقت، وتخدير للأزمة. إذ لا يمكن أن يكون هناك حلّ جذري، من دون مصالحة وطنية شاملة؛ ومصالحة تشمل المعارضين في السجن والمنفى، الذين يخوّنهم النظام، وتستحي منهم المعارضة، وإن لم تقلها جهارة. هؤلاء هم المحرّك الأساسي لائتلاف شباب 14 فبراير، «دينامو» الانتفاضة ووقود استمرارها. ورغم قدرة الانتفاضة، الى حدّ ما، على المحافظة على سلمية تحركها، لكن من يُلقي «المولوتوف» على عناصر الشرطة ودورياتها، ومن يحاصر الطرقات، ومن يخرج ملثّماً في الشوارع ويُلاعب عناصر مكافحة الشغب لعبة القط والفأر بين أزقة القرى، ليسوا من المعارضة الوسطية؛ هؤلاء ينتمون الى التيار «المرفوض» من قبل الجالسين على طاولة الحوار اليوم. لذلك، لا يمكن الحديث عن حوار وطني، ومصالحة شاملة، إن لم تشمل هؤلاء، وإن لم تحمل هواجسهم وتأخذ بمطالبهم.

تقول المعارضة، وتحديداً «الوفاق»، إنّها تمثل الغالبية بفعل انتخابات 2010. لكن هذه الانتخابات جرت في ظل مقاطعة التيارات المحظورة، وبالتالي لو أُتيح للناخب الاختيار اليوم، لربما تبدّلت المقاييس، وأصبحت التيارات المحظورة رقماً صعباً في المعادلة.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة الى أنّ هذه التيارات وجماهيرها رفعت مطلب إسقاط النظام، لكن ذلك ما كان لولا تلكؤ النظام وصدّه جميع أبواب الحوار. وفي حديث مع «الأخبار»، يروي المعارض البارز، الأمين العام لحركة «الأحرار»، سعيد الشهابي، الذي يقيم في لندن، كيف أنّ الملك حمد حاول أن يتواصل مع معارضي المنفى، ووعدهم بالإصلاحات وبالتجاوب مع مطالبهم. كان جدّ مستمعاً. وطلب منهم تحضير ورقة للتحاور، على أن يتواصل معهم لاحقاً لهذا الغرض سفير البحرين في لندن؛ فجاء ردّهم إيجابياً، لكن «هناك حفرنا وهناك طمرنا»، غادر الملك وغاب عن الوعي، وكأنّه لم يعد بشيء.
حديث الشهابي كان في معرض ردّه على الذين يصفونهم بالرافضين والمعرقلين، فيما أنّ الملك يظهر كشخص منفتح. شخصية الملك هذه هي من انبهر بها شريف بسيوني، لذلك كان يقول لكل من يحدّثه عن ظلم تعرّض له، بوجه تلبسه ملامح المفاجأة، إن «الملك لا يعلم، ولن يسمح به إن علم» كما يروي من لقيه.

إضافة الى تغييب هذه التيارات، فانّه لا يمكن الحديث عن مصالحة وطنية شاملة من دون انخراط الملك فيها شخصياً، كما لا يمكن أن تكون مصالحة شاملة من دون محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات بحق الجميع.
2013-02-14