ارشيف من :أخبار لبنانية
ماذا عن يحيى سكاف والرهائن الإيرانيين
صحيفة الأخبار اللبنانية ـ يحيى دبوق:
فتحت قضية السجين اليهودي الأوسترالي السري مستر إكس، بن زيغير، والذي قضى انتحاراً في السجون الإسرائيلية قبل عامين، الباب على تساؤلات ترتبط بما كانت تل أبيب تحاول الابتعاد عنه، وترفضه الى حدود السخرية، من إمكان وجود معتقلين ومخطوفين في المعتقلات والسجون الإسرائيلية، من دون الإعلان عنهم، أو الاعتراف بوجودهم.
يمكن الإشارة الى ما كتب عن الدبلوماسيين الإيرانيين الثلاثة الذين خطفتهم القوات اللبنانية خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، ونقلتهم الى معتقلات فلسطين المحتلة. كما كتب الكثير عن الأسير اللبناني يحيى سكاف، وعن شهادات لمعتقلين آخرين، تجزم بأنه ما زال حياً، وموجود في معتقل إسرائيلي، بينما تقول تل أبيب إن جثته ضاعت لديها. وفي الإطار نفسه، يمكن الحديث عن تقارير متعددة ومختلفة المصادر، عن أن الجنرال الإيراني محمد رضا عسكري، الذي خطف في تركيا عام 2007، موجود في السجون الإسرائيلية... وغير هذه الحالات الكثير الكثير.
مع ذلك، كانت الرواية الإسرائيلية هي السائدة لدى كل مقاربة غربية لهذه الملفات. وأيضاً، للأسف، جرى تبني الرواية الإسرائيلية في عدد من التقارير العربية. التشكيك بكل ما يتعلق بـ«ديموقراطية» إسرائيل وجهازها القضائي «النزيه» واعتبارها «دولة قانون» لا تخفي معتقليها، كانت هي السائدة حتى الأمس، ويعدّ أي تقرير أو بحث يخالف ذلك وجهاً من وجوه التحامل على إسرائيل، بل وأيضاً نوعاً من أنواع اللاسامية، السيف المصلت في الغرب، على أي تعرض، وإن كان محقاً، لإسرائيل.
ومن باب التساؤل لا أكثر، إذا كانت تل أبيب قادرة على إخفاء معتقل لديها، طوال هذه المدة، بل وأيضاً إخفاء حقيقة انتحاره، لمدة قد تزيد على العامين، فبإمكانها أيضاً، وهي نتيجة طبيعية، إخفاء أي من معتقليها الآخرين، ومن بينهم الحالات المذكورة هنا، وفي مقدمهم، يحيى سكاف والدبلوماسيون الإيرانيون الثلاثة والجنرال عسكري.
تقدم إسرائيل على فعل ذلك؟ باتت الإجابة واضحة، وأقيم الدليل عليها. ليست قادرة وحسب، بل تملك إرادة الفعل. لا إشكال لديها في فعل ذلك تجاه اليهود من جنسيات تعدّ ذات فاعلية وتأثير، وتستوجب الوقوف عندها كثيراً، قبل اتخاذ قرار كهذا. وإن كانت كذلك، فهي قادرة، بل وتندفع لفعل ذلك، في حال كان المختطف أو المعتقل «إرهابياً» بحسب التعبيرات الإسرائيلية، وتابعاً لدولة «إرهابية»، ويتعلق «جرمه» بفعل «إرهابي».
في محاكاة لواقع خطف مستر إكس الأوسترالي واعتقاله وانتحاره، مع تغيير في جنسية المعتقل ودولته، كان المشهد الإعلامي والمواقف السياسية والقضائية، الغربية تحديداً، مغايرة للغاية. هذا ما حصل مع لبنان، وأيضاً مع إيران، وتحديداً مع الدبلوماسيين الإيرانيين الثلاثة، وأيضاً مع الجنرال عسكري. أعلنت إيران وجود أدلة لديها، وكتب الإعلام الإيراني كثيراً عن الموضوعين، لكن كان كافياً لدحض الرواية الإيرانية، التي لم ترق الى حد مناقشتها في الغرب وإسرائيل، الاكتفاء بالإنكار والرفض الإسرائيليين، إذ إن المسألة كانت ما بين رواية دولة «إرهابية»، تتعلق بـ«إرهابيين»، وبين رواية إسرائيل، الدولة الديموقراطية ودولة القانون، وبالتالي النتيجة كانت واضحة مسبقاً: الإيرانيون غير موجودين في إسرائيل، وإلا لكانت إسرائيل أعلنت عنهم، كما ينص قانونها.
للمفارقة، لم تكتف التقارير الغربية، والإسرائيلية، عند حدود رفض «الادعاء» الإيراني، بل جرى التعرض لإيران، كمصدر لأخبار ملفقة، بما يشمل مستويات من السخرية والاستهجان لما وصلت إليه المخيلة الإيرانية.
الأمر نفسه ينطبق على الحالة اللبنانية، وفي قضية الأسير سكاف، على سبيل المثال. لا يمكن إسرائيل أن تنكر حقيقة وجوده لديها وأنه دخل فلسطين المحتلة. لكن ما ترويه تل أبيب بشأن سكاف يجافي العقل: كان موجوداً لدينا، لكن الجثة ضاعت! لو كان سكاف أوسترالياً، أو شبه أوسترالي، كما هي حال مستر إكس، لكانت الإجابة مغايرة. أو في أقل تقدير، ما كانت لتبقى الجثة، أساساً، طوال هذه المدة لكي يصبح بمقدور إسرائيل أن تتذرع بضياعها.
والحديث الإسرائيلي عن أن تل أبيب أعلمت الحكومة الأوسترالية بموضوع مستر إكس يزيد من تداعيات المسألة ولا يقلصها. ليست تل أبيب بقادرة على إخفاء الحقائق والمعتقلين لديها، بل وواقعة انتحارهم أيضاً، بل هي قادرة كذلك على إشراك حكومات غربية في إخفاء الحقائق. وعلى ذلك يمكن القياس.
من شأن الفضيحة الإسرائيلية الأخيرة أن تفتح النقاش من جديد إزاء أكثر من ملف شبيه يتعلق بمعتقلين ومخطوفين، ورد اسم إسرائيل كجهة مسؤولة عن خطفهم أو اعتقالهم، من دون الإعلان والإقرار عنهم. لا يقتصر ذلك على ملفات لبنانية وإيرانية، بل يشمل الكثير من الملفات والأشخاص الفلسطينيين والعرب، بل وأيضاً، كسابقة بن زيغير، رجالاً «بيض».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018