ارشيف من :أخبار لبنانية

قهقهات الدم في سوريا التي نذرف من اجلها الدم!

قهقهات الدم في سوريا التي نذرف من اجلها الدم!

صحيفة الديار اللبنانية ـ نبيه البرجي

لا ريب ان السيد احمد معاذ الخطيب اكثر واقعية بكثير من ان يدّعي انه اكثر اهمية من ابي العلاء المعري، ولا ندري ما كان تعليقه حين شاهد رأس رهين المحبسين الذي حوكم بمفعول رجعي لا يقل عن الف عام، وهو يتدحرج بين الاقدام الهمجية إياها التي لا يعنيها اي رأس آخر، وسواء كان رأس جورج صبرا( الذي يكفي اسمه لكي يقطع رأسه)، او رأس برهان غليون ( الذي يكفي افتتانه بأندريه مالرو لكي يقطع رأسه) او رأس عبد الباسط سيدا (الذي يكفي انه لا يبدأ حديثه بالبسملة لكي يقطع رأسه)...

ونحن بدورنا لا ندّعي ان المعري قد اوحى، بـ «رسالة الغفران» لدانتي كي يكتب الكوميديا الالهية، لكننا نتصور ان من نعتبره لا يقل اهمية قطعاً عن كبار الفلاسفة الاغريق، قد استشعر منذ ذلك الحين، وقد افتقد البصر لا البصيرة، ان هذه امة، ان صحّت فيها مقولة الامة، ذاهبة حتماً الى تلك الكوميديا البشرية، وحيث الروؤس تقطع لانها فقط روؤس بشرية، فيما لا تبقى على الاكتاف سوى الروؤس التي لا تختلف في مواصفاتها عن رأس وحيد القرن..

قهقهات الدم في سوريا التي نذرف من اجلها الدم!

الآن بدأ عرّابو الثورة في سوريا، واي ثورة تلك التي تحتاج الى عرّابين في الخارج، يكتشفون ان رؤوسهم قد تتدحرج ذات يوم مثلما تدحرج رأس ابي العلاء المعري، حتى ان وليام هيغ وضع القفازات الديبلوماسية جانباً، ولاحظ ان الاصوليين منهمكون الآن في سوريا، وبالطبع في صناعة الديمقراطية والحداثة. هذا يدعو الى الارتياح. ولكن ما يدعو الى القلق ان وزير الخارجية البريطاني الذي لا بد انه يدرك دور بلاده في انتاج ذلك الاسلام الظلامي البعيد كل البعد عن الاسلام التنويري، يرى ان الاصوليين إياهم وبعد ان يقيموا مستوطناتهم الافغانية في سوريا سيعودون الى اوروبا وقد اشتد ساعدهم اكثر فأكثر، واضافوا خبرة الى خبراتهم في اعمال التفجير والارهاب...

ولا ندري ما اذا كان تناهى الى المستر هيغ ما قاله احد تلامذة ابي قتادة، وهو ابو القعقاع، فقد بشّر مريديه بالاقامة وشيكاً في قصر بكنغهام، ليس كمستشار لصاحبة الجلالة، وانما كحاكم بأمر الله في بلاد الانكليز...

والاميركيون الذين حنثوا بكل العهود التي اغدقوها على رجب طيب اردوغان الذي كم اوحى بأنه يستطيع برفة جفن ادارة الاوضاع في الشرق الاوسط، بدأوا الآن يلقون عليه باللائمة،حتى داخل البنتاغون الشديد الحساسية حيال المشهد الافغاني وامتداداته ( ومشتقاته)، لانه فتح المعسكرات، وشق الطرقات، امام جبهة النصرة من اجل اضفاء ديناميكية عقائدية وعملانية على الثورة التي بدأت ضائعة ويبدو انها ستنتهي ضائعة...

انقرة مربكة جداً بعدما تبين ان الريح الاصولية بدأت تهب على تركيا ايضاً. بالطبع هي ظاهرة يمكن احتواؤها بسهولة. لكن ما يتسرب من معلومات يؤكد ان دولة عربية موّلت الجهود التركية واكثر( ولعل ميشيل كيلو الذي وقع فجأة في غرام النير العثماني لمن قرأ مقالته الاخيرة لا يدري بذلك والا لما كان كتب ما كتب عن الاريحية التركية)، ما زالت تدافع عن «جبهة النصرة» وترفض تقوية الفئات او الفصائل الاخرى لاستيعاب هذه الجهة.

الدولة إياها تعتبر ان مناخ الثورة بات مناخاً اسلامياً، او اسلاموياً، والا لما كان تحقق ما تحقق على الارض، وان نصف مقاتلي» جبهة النصرة» على الاقل هم غير سوريين، اي انهم لن يبقوا على الارض السورية لدى زوال نظام الرئيس بشار الاسد، وحتى إن مكثوا مؤقتاً او بصورة دائمة بسبب ظروفهم الخاصة او القاهرة، فلن يكون لهم اي دور لا في تشكيل السلطة البديلة ولا في ادارتها( هل يلجأون الى التكايا والزوايا ويتصوفون ام يقطنون في المغاور؟). والدليل هو حركة «طالبان»، فالقيادة الافغانية، هي التي تضع استراتيجية الحركة وهي التي ترسم خارطة الطريق على الارض...

وتبعاً لما قاله لنا ديبلوماسي عربي ترفض بلاده، وان بخفر شديد، استشراء المد الاسلامي في المنطقة، فإن الدولة المذكورة تلاحظ ان الاميركيين، وببراغمتيتهم الشهيرة، والذين سبقوا لهم وتفاوضوا مع الفيتكونغ، ابدوا الاستعداد للتفاوض مع «طالبان» من اجل تشكيل ائتلاف حاكم لدى خروج القوات الاميركية، ومعها الاطلسية، من افغانستان.

لا مشكلة ابداً في الجلوس الى ابو محمد الجولاني. والدولة إياها قدمت لاكثر من جهة عربية صورة زاهية عن الرجل، فهو لا يشبه الغول ابداً، وهو لا يأمر بذبح الضحايا( ودائما من الوريد الى الوريد) الا اذ ثبت تورطهم، ولو عاطفيا، مع النظام، او اذا كانوا من الطوائف الاخرى، والى ذلك فإن الرجل وان كان اسمه ابو محمد الجولاني فهذا لا يعني قطعاً ارتباطه السيكولوجي او الاستراتيجي بمرتفعات الجولان، بل ان كل ما يبتغيه هو ان يحفر بيديه قبورا لاهل النظام، وبعد ذلك يتخذ زاوية له في الجامع الاموي في دمشق، وبالطبع بعد ان يأمر بتدمير ضريح محيي الدين بن عربي باعتباره لا يقل زندقة عن الحلاج وابي حيان التوحيدي...

وللعلم فقط، فإن الجولاني هو من عشاق الشعوذة، والذين يعرفونه يقولون انه كان يفاخر بعلاقاته بـ «بنات الجن»، قبل ان ينفذ رغبة الله في القضاء على آل الاسد بعدما كان قد بشر، منذ ثلاث سنوات او اكثر، كما يقول باندلاع الثورة في سوريا وتحقيقها النصر المبين...

الجولاني الذي يردد طيف اسامة بن لادن يزوره كل ليلة ويدله الى السبيل، يهاجم اميركا برقة متناهية، وربما بتعليمات من الدولة إياها، ولا خوف، والحالة هذه من ان يصيب رأس ابي العلاء الاميركي ما اصاب رأس ابي العلاء المعري...

كوميديا بشرية بكل ما تعنيه الكلمة. لكنها قهقهات الدم في سوريا العزيزة التي نذرف من اجلها الدم!
2013-02-20