ارشيف من :أخبار لبنانية
«الأرثوذكسي» رسـم خـط الخطـر!
ادمون صعب ـ "السفير"
فشل الرئيس نبيه بري في الوصول إلى تسوية مع «التيار الأزرق» تقضي بتبني مشروعه المختلط لانتخاب 64 نائباً بحسب النظام الأكثري و64 نائباً استناداً إلى النظام النسبي الذي تصر عليه الحكومة ومعها رئيس الجمهورية، وقد أحيل مشروع مفصل بشأنه على مجلس النواب.. إلا أنه لم يفلح، ولم يسمع رداً سوى من الرئيس سعد الحريري على «التويتر» من الرياض، بأن يوم إقرار «المشروع الأرثوذكسي» هو «يوم أسود» آخر في قافلة الأحزان اللبنانية المستمرة منذ 2005. وقابله العماد ميشال عون، «عراب» المشروع، بالقول انه «اليوم الأنصع بياضاً في تاريخ لبنان»، إذ انه يعيد، في نظره، «الحقوق إلى أصحابها، من دون المس بحقوق الآخرين»، علماً بانه يعيد لبنان إلى الوراء 171 سنة، أي منذ قرر قناصل الدول الكبرى الخمس (النمسا، وفرنسا، وانكلترا، وروسيا، وبروسيا) ومعهم تركيا نظام العزل أو الفصل العنصري بين الموارنة والدروز في الجبل اثر النزاعات والمذابح بين الطرفين أعوام 1842 و1860. وقد فشل هذا المشروع، لأن إرادة الحياة كانت أقوى من الانفصال، فحل محله نظام المتصرفية المستمر إلى الآن، بطريقة وأخرى، على رغم شوائبه الكثيرة بعد اتفاق الطائف واستئثار فئة من اللبنانيين بالسلطة وتحكّمها بحصة المسيحيين في مجلس النواب، إضافة إلى قفزها فوق الشراكة بين المسلمين والمسيحيين في إدارة الدولة انطلاقاً من السلطة الإجرائية المتمثلة في مجلس الوزراء.
وعلى رغم «العراضة»، خصوصاً من الجانب المسيحي، التي رافقت إقرار «المشروع الأرثوذكسي» في اللجان المشتركة، فإن أحداً من «العقلاء» المسيحيين لم ينظر بجدية إلى هذا «الانجاز»، لأنه يُصيب من المسيحيين مقتلا، من دون ان يؤذي المسلمين، وفي طليعة هؤلاء العقلاء رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان.
ذلك ان من مصلحة المسيحيين، كما المسلمون، ان يقدموا في الظروف الصعبة التي يجتازها العالم العربي، وبخاصة سوريا، نموذجاً متطوراً من الديموقراطية يعكس العيش المشترك، ووحدة الحياة، فضلاً عن الطموح إلى تطوير النظام التوافقي، في اتجاه الدولة المدنية القادرة.
فقد دعا سيد بكركي اللجنة في 7 كانون الثاني الماضي إلى «ضرورة الاتفاق، وأهمية التوصل إلى قانون جديد للانتخابات يعكس صحة التمثيل، ويشعر الجميع في تطبيقه بالشراكة الوطنية الفعلية، وبالاطمئنان إلى مستقبلهم ومستقبل أولادهم»، وقد حمّل النواب «مسؤولية خياراتهم ومواقفهم أمام التاريخ والوطن وناخبيهم». وُوجهت هذه الرسالة بالتجاهل من جانب «تيار المستقبل» الذي تعتبره بكركي مسؤولاً في الدرجة الأولى عن الخلل الذي أصاب التمثيل المسيحي.
ولم تنفع صيحات الحريريين اثر إقرار «الأرثوذكسي» في اللجان المشتركة، بأن هذا يعتبر «محاولة لتغيير النظام السياسي» وان «البلد سيذهب معه إلى المجهول، كما سيجري إعدام الاعتدال، ويرسل البلد في اتجاه التطرف بالخطاب السياسي»، علماً بان هذا الخطاب الانفعالي من جانب «المستقبل» لا يضيف شيئاً إلى المشهد الذي يقلق المسيحيين من عرسال إلى عكار وطرابلس وصيدا وبعض أنحاء بيروت، فضلاً عن بعض المخيمات الفلسطينية. وربما كان هذا الدافع الرئيسي لمؤيدي «المشروع الأرثوذكسي» إلى السير وراءه، بينما أنظارهم موجهة إلى وضع المسيحيين في سوريا ومصر وفلسطين والعراق وغيرها.
ويستعير بعض المسيحيين العقلاء عبارة للمفكر كاظم الصلح، قالها اثر اعتراضه على مقررات مؤتمر الساحل الذي دعا إلى الوحدة مع سوريا في آذار 1936، ان الرأي الصواب هو الذي يرسم «خطوط الخطر» مقدمة لخطوط الخلاص، وان هذا الرأي هو الذي يجب ان يوجّه الميول والأفكار، مشيراً إلى دور بكركي آنذاك، مع البطريرك انطون عريضة، في التشجيع على بلورة فكرة «الوطنية اللبنانية» التي يجب ان تسمو فوق العصبيات الطائفية وتكون القاسم المشترك بين اللبنانيين.
وأمس، عندما التقى الرئيس نبيه بري في عين التينة العماد ميشال عون، لا بد من ان يكون سأله عما يرى وراء الجبل «الأنصع بياضاً» في تاريخ لبنان، وعن السبيل لليقظة مما وصفه أحد المؤرخين اللبنانيين من «شخير النوم المطمئن». اليقظة المفضية إلى «طريق الحياة» التي يتعلق بها اللبنانيون، وإلى «الإرادة الجماعية والوعي» اللذين لا غنى لهم عنهما.
علماً بان لبنان هو، في نظر الواعين من أبنائه، بلد التوازنات التي تحتاج إلى تعديل وتصحيح دوريين، وان أي شعور بانتصار فريق طائفي على فريق آخر يدمّره. وان أخطر ما يواجهه مجتمع تعددي غير متجانس، مثل المجتمع اللبناني، هو احتكار السلطة والفساد السياسي، والقـــهر الاجتـــماعي. وان كسر التوازن من شأنه ان يضرب الديموقراطية في الصمـــيم، وهذا ما يؤمل ان يستهدي به الرئيس بري في مشـــروعه الإنقاذي على أساس ان «الأرثوذكسي» قد رســـم «خط الخطر»، وان «مختلط بري» سيرسم «خـــط الخـــلاص» وينشر الدخـــان الأبيض في فضاء الوطن.
فشل الرئيس نبيه بري في الوصول إلى تسوية مع «التيار الأزرق» تقضي بتبني مشروعه المختلط لانتخاب 64 نائباً بحسب النظام الأكثري و64 نائباً استناداً إلى النظام النسبي الذي تصر عليه الحكومة ومعها رئيس الجمهورية، وقد أحيل مشروع مفصل بشأنه على مجلس النواب.. إلا أنه لم يفلح، ولم يسمع رداً سوى من الرئيس سعد الحريري على «التويتر» من الرياض، بأن يوم إقرار «المشروع الأرثوذكسي» هو «يوم أسود» آخر في قافلة الأحزان اللبنانية المستمرة منذ 2005. وقابله العماد ميشال عون، «عراب» المشروع، بالقول انه «اليوم الأنصع بياضاً في تاريخ لبنان»، إذ انه يعيد، في نظره، «الحقوق إلى أصحابها، من دون المس بحقوق الآخرين»، علماً بانه يعيد لبنان إلى الوراء 171 سنة، أي منذ قرر قناصل الدول الكبرى الخمس (النمسا، وفرنسا، وانكلترا، وروسيا، وبروسيا) ومعهم تركيا نظام العزل أو الفصل العنصري بين الموارنة والدروز في الجبل اثر النزاعات والمذابح بين الطرفين أعوام 1842 و1860. وقد فشل هذا المشروع، لأن إرادة الحياة كانت أقوى من الانفصال، فحل محله نظام المتصرفية المستمر إلى الآن، بطريقة وأخرى، على رغم شوائبه الكثيرة بعد اتفاق الطائف واستئثار فئة من اللبنانيين بالسلطة وتحكّمها بحصة المسيحيين في مجلس النواب، إضافة إلى قفزها فوق الشراكة بين المسلمين والمسيحيين في إدارة الدولة انطلاقاً من السلطة الإجرائية المتمثلة في مجلس الوزراء.
وعلى رغم «العراضة»، خصوصاً من الجانب المسيحي، التي رافقت إقرار «المشروع الأرثوذكسي» في اللجان المشتركة، فإن أحداً من «العقلاء» المسيحيين لم ينظر بجدية إلى هذا «الانجاز»، لأنه يُصيب من المسيحيين مقتلا، من دون ان يؤذي المسلمين، وفي طليعة هؤلاء العقلاء رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان.
ذلك ان من مصلحة المسيحيين، كما المسلمون، ان يقدموا في الظروف الصعبة التي يجتازها العالم العربي، وبخاصة سوريا، نموذجاً متطوراً من الديموقراطية يعكس العيش المشترك، ووحدة الحياة، فضلاً عن الطموح إلى تطوير النظام التوافقي، في اتجاه الدولة المدنية القادرة.
فقد دعا سيد بكركي اللجنة في 7 كانون الثاني الماضي إلى «ضرورة الاتفاق، وأهمية التوصل إلى قانون جديد للانتخابات يعكس صحة التمثيل، ويشعر الجميع في تطبيقه بالشراكة الوطنية الفعلية، وبالاطمئنان إلى مستقبلهم ومستقبل أولادهم»، وقد حمّل النواب «مسؤولية خياراتهم ومواقفهم أمام التاريخ والوطن وناخبيهم». وُوجهت هذه الرسالة بالتجاهل من جانب «تيار المستقبل» الذي تعتبره بكركي مسؤولاً في الدرجة الأولى عن الخلل الذي أصاب التمثيل المسيحي.
ولم تنفع صيحات الحريريين اثر إقرار «الأرثوذكسي» في اللجان المشتركة، بأن هذا يعتبر «محاولة لتغيير النظام السياسي» وان «البلد سيذهب معه إلى المجهول، كما سيجري إعدام الاعتدال، ويرسل البلد في اتجاه التطرف بالخطاب السياسي»، علماً بان هذا الخطاب الانفعالي من جانب «المستقبل» لا يضيف شيئاً إلى المشهد الذي يقلق المسيحيين من عرسال إلى عكار وطرابلس وصيدا وبعض أنحاء بيروت، فضلاً عن بعض المخيمات الفلسطينية. وربما كان هذا الدافع الرئيسي لمؤيدي «المشروع الأرثوذكسي» إلى السير وراءه، بينما أنظارهم موجهة إلى وضع المسيحيين في سوريا ومصر وفلسطين والعراق وغيرها.
ويستعير بعض المسيحيين العقلاء عبارة للمفكر كاظم الصلح، قالها اثر اعتراضه على مقررات مؤتمر الساحل الذي دعا إلى الوحدة مع سوريا في آذار 1936، ان الرأي الصواب هو الذي يرسم «خطوط الخطر» مقدمة لخطوط الخلاص، وان هذا الرأي هو الذي يجب ان يوجّه الميول والأفكار، مشيراً إلى دور بكركي آنذاك، مع البطريرك انطون عريضة، في التشجيع على بلورة فكرة «الوطنية اللبنانية» التي يجب ان تسمو فوق العصبيات الطائفية وتكون القاسم المشترك بين اللبنانيين.
وأمس، عندما التقى الرئيس نبيه بري في عين التينة العماد ميشال عون، لا بد من ان يكون سأله عما يرى وراء الجبل «الأنصع بياضاً» في تاريخ لبنان، وعن السبيل لليقظة مما وصفه أحد المؤرخين اللبنانيين من «شخير النوم المطمئن». اليقظة المفضية إلى «طريق الحياة» التي يتعلق بها اللبنانيون، وإلى «الإرادة الجماعية والوعي» اللذين لا غنى لهم عنهما.
علماً بان لبنان هو، في نظر الواعين من أبنائه، بلد التوازنات التي تحتاج إلى تعديل وتصحيح دوريين، وان أي شعور بانتصار فريق طائفي على فريق آخر يدمّره. وان أخطر ما يواجهه مجتمع تعددي غير متجانس، مثل المجتمع اللبناني، هو احتكار السلطة والفساد السياسي، والقـــهر الاجتـــماعي. وان كسر التوازن من شأنه ان يضرب الديموقراطية في الصمـــيم، وهذا ما يؤمل ان يستهدي به الرئيس بري في مشـــروعه الإنقاذي على أساس ان «الأرثوذكسي» قد رســـم «خط الخطر»، وان «مختلط بري» سيرسم «خـــط الخـــلاص» وينشر الدخـــان الأبيض في فضاء الوطن.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018