ارشيف من :أخبار لبنانية
أسئلة قانونية عن ديمقراطية ورقية
جان عزيز ـ "الاخبار"
بالمفهوم التقني البحت، بات محسوماً أن لا انتخابات نيابية قبل 9 حزيران المقبل، وفق الآليات القانونية الحالية. أي أن التأجيل بات مؤكداً، أو التعديل في بعض نصوص القوانين الحالية، لجهة تقصير المهل على الأقل. غير أن هذا المؤكد يحتمل تساؤلات كثيرة، بعضها غير مسبوق في تاريخ برلمانيتنا الهشة.
فالوقائع القانونية الجامدة، حتى اللحظة، تجزم بأن وحده قانون الستين، أو قانون الدوحة أو قانون 2008، يسمح حتى الآن بإجراء الانتخابات في مواعيدها. على أن تصدر الدعوة إلى ذلك قبل 11 آذار المقبل. لكن القانون المذكور، هو نفسه الذي تشكل إجماع لبناني على رفضه، صدقاً أو مضضاً أو تقية. أي صيغة أخرى من الصيغ المطروحة لقانون الانتخابات، تقتضي مزيداً من الوقت، وتأكل بالتالي المهل القانونية، وتفرض، إذاً، بعض التأجيل الزمني. قانون «الأرثوذكسي»، مثلاً، يحتاج إلى سلسلة طويلة من التحضيرات التقنية. أولها إعداد القسائم المطبوعة سلفاً، وثانيها ربما اللجوء إلى بطاقة انتخابية، إذا ما تبين قصور بطاقة الهوية أو جواز السفر عن تحقيق هذا الفرز المذهبي المطلوب أمام صناديق الاقتراع. نظراً لأن أياً منهما لا يحمل ذكر المذهب. وقد يقتضي «الأرثوذكسي» تعديل توزيع الصناديق والأقلام، فضلاً ربما عن إعادة تنقيح لوائح القيد بالكامل، وفرزها مذهبياً، مع ما قد تحمله تلك العملية من مفاجآت، كالتي حصلت عند توحيد «داتا» اللوائح عشية انتخابات العام 2009. هذا فضلاً عن التحضيرات التقنية المطلوبة، للناخبين والمرشحين والمشرفين على الانتخابات، كل ذلك مما لا يمكن أن يتحقق في المهل القانونية الراهنة.
علماً أن كل الصيغ الأخرى المطروحة للقانون العتيد، تشتمل على التعديلات نفسها، وبالتالي ورشة التحضيرات ذاتها. لأنها كلها قائمة على نسبة معينة من النسبية. هذا إذا سلّمنا جدلاً بأن الهيئة العامة للمجلس النيابي ستقر القانون، بعد غد الاثنين، ما يبقي أقل من أسبوعين لإنجاز كل ذلك وإصدار مرسوم دعوة الهيئات الناخبة.
غير أن سؤالاً آخر يظل مطروحاً بجدية: ماذا إذا أقر «الأرثوذكسي» ــــ أو غيره ــــ واستخدم رئيس الجمهورية صلاحيته المزدوجة، بردّه إلى المجلس النيابي أولاً، ومن ثم في حال إقراره مجدداً بالأكثرية النيابية الموصوفة دستورياً بـ 65 صوتاً، بالطعن أمام المجلس الدستوري؟ ماذا لو اعتمد ميشال سليمان هذا التكتيك، وأزف الاستحقاق النيابي وفق القانون النافذ، أي قانون الستين نفسه، ماذا يحصل؟ من يمنع إجراء الانتخابات؟ رغم المعلومات المتناقلة عن تطمين أعطته بعبدا لبكركي بأنها لن تلجأ إلى تضييع الوقت. وأنها في حال قررت الاعتراض، ستلجأ إليه فوراً عبر المجلس الدستوري، وبأسرع وقت ممكن، لضمان عدم فوات المهل. لكن السؤال يظل قائماً: ماذا لو قبل الدستوري الطعن، وعدنا إلى نفاذ قانون الستين، لحظة استحقاق المهل؟ ماذا يحصل؟ رئيس الحكومة يؤكد أن الدعوة إلى الانتخابات وفق القانون النافذ ستصدر حتماً. لأن أي مخالفة لذلك تعرّضه كما تعرّض المسؤولين الحكوميين المعنيين للملاحقة أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، بتهمة عدم القيام بواجب قانوني ودستوري. عندها، كيف يمكن لرافضي قانون الستين تعطيل الانتخابات؟ بالقوة؟ بفرض واقع أمني يحول دون إجراء الاستحقاق؟ تكون كارثة لا يحتملها أي فريق، خصوصاً من أصحاب «الصوفة الحمراء»، هذا التعبير الذي يقال ان ميشال سليمان بات يستعمله تكراراً في مجلس الوزراء ...
تظل وسيلة قانونية أخرى ممكنة للتعطيل، عبر التأجيل، اي قانوناً عبر تعديل ولاية المجلس النيابي الحالي، كما نص عليها قانون العام 2008. فتضاف إلى الأربع سنوات بضعة أشهر، او بضعة فصول. لكن ماذا لو تم الطعن مجدداً بقانون التمديد هذا؟ لا بد للدستوري أن يقبله، فلا ظروف استثنائية تبرره، بمعنى الفقه القانوني لنظرية تلك الظروف، فضلاً عن الاجتهاد القائل بأن مدة السنوات الأربع هي نص دستوري لا قانوني وحسب، بموجب تلك القراءة الخاصة للمادة 44 من الدستور.
وأخيراً، ماذا إذا لم تحصل الانتخابات، ولم يحصل التمديد؟ فرضية لم يعرفها لبنان في تاريخه البرلماني المستقل قط. البعض قال بإعطاء صلاحية التشريع للحكومة، على قاعدة انبثاقها من إرادة آخر تمثيل شعبي. نبيه بري هاله الطرح طبعاً. فيما البعض الآخر يقول باستمرارٍ ما للمجلس النيابي المنتهية صلاحيته، وفق مبدأ استمرار المؤسسات وعدم جواز الفراغ. بعض ثالث يقول بحصول الفراغ التشريعي بكل بساطة. فلا يستمر المجلس ولا تشرع الحكومة، حتى تجرى الانتخابات...
كلها أسئلة، ولو نظرية، تؤكد أن سيف الوقت والقانون مسلط على الجميع، وأن الموضوع المطروح أكبر بكثير من مسألة انتخابات. إنه اكتشاف طفولي مستدام، لهشاشة ديمقراطيتنا وورقيتها.
بالمفهوم التقني البحت، بات محسوماً أن لا انتخابات نيابية قبل 9 حزيران المقبل، وفق الآليات القانونية الحالية. أي أن التأجيل بات مؤكداً، أو التعديل في بعض نصوص القوانين الحالية، لجهة تقصير المهل على الأقل. غير أن هذا المؤكد يحتمل تساؤلات كثيرة، بعضها غير مسبوق في تاريخ برلمانيتنا الهشة.
فالوقائع القانونية الجامدة، حتى اللحظة، تجزم بأن وحده قانون الستين، أو قانون الدوحة أو قانون 2008، يسمح حتى الآن بإجراء الانتخابات في مواعيدها. على أن تصدر الدعوة إلى ذلك قبل 11 آذار المقبل. لكن القانون المذكور، هو نفسه الذي تشكل إجماع لبناني على رفضه، صدقاً أو مضضاً أو تقية. أي صيغة أخرى من الصيغ المطروحة لقانون الانتخابات، تقتضي مزيداً من الوقت، وتأكل بالتالي المهل القانونية، وتفرض، إذاً، بعض التأجيل الزمني. قانون «الأرثوذكسي»، مثلاً، يحتاج إلى سلسلة طويلة من التحضيرات التقنية. أولها إعداد القسائم المطبوعة سلفاً، وثانيها ربما اللجوء إلى بطاقة انتخابية، إذا ما تبين قصور بطاقة الهوية أو جواز السفر عن تحقيق هذا الفرز المذهبي المطلوب أمام صناديق الاقتراع. نظراً لأن أياً منهما لا يحمل ذكر المذهب. وقد يقتضي «الأرثوذكسي» تعديل توزيع الصناديق والأقلام، فضلاً ربما عن إعادة تنقيح لوائح القيد بالكامل، وفرزها مذهبياً، مع ما قد تحمله تلك العملية من مفاجآت، كالتي حصلت عند توحيد «داتا» اللوائح عشية انتخابات العام 2009. هذا فضلاً عن التحضيرات التقنية المطلوبة، للناخبين والمرشحين والمشرفين على الانتخابات، كل ذلك مما لا يمكن أن يتحقق في المهل القانونية الراهنة.
علماً أن كل الصيغ الأخرى المطروحة للقانون العتيد، تشتمل على التعديلات نفسها، وبالتالي ورشة التحضيرات ذاتها. لأنها كلها قائمة على نسبة معينة من النسبية. هذا إذا سلّمنا جدلاً بأن الهيئة العامة للمجلس النيابي ستقر القانون، بعد غد الاثنين، ما يبقي أقل من أسبوعين لإنجاز كل ذلك وإصدار مرسوم دعوة الهيئات الناخبة.
غير أن سؤالاً آخر يظل مطروحاً بجدية: ماذا إذا أقر «الأرثوذكسي» ــــ أو غيره ــــ واستخدم رئيس الجمهورية صلاحيته المزدوجة، بردّه إلى المجلس النيابي أولاً، ومن ثم في حال إقراره مجدداً بالأكثرية النيابية الموصوفة دستورياً بـ 65 صوتاً، بالطعن أمام المجلس الدستوري؟ ماذا لو اعتمد ميشال سليمان هذا التكتيك، وأزف الاستحقاق النيابي وفق القانون النافذ، أي قانون الستين نفسه، ماذا يحصل؟ من يمنع إجراء الانتخابات؟ رغم المعلومات المتناقلة عن تطمين أعطته بعبدا لبكركي بأنها لن تلجأ إلى تضييع الوقت. وأنها في حال قررت الاعتراض، ستلجأ إليه فوراً عبر المجلس الدستوري، وبأسرع وقت ممكن، لضمان عدم فوات المهل. لكن السؤال يظل قائماً: ماذا لو قبل الدستوري الطعن، وعدنا إلى نفاذ قانون الستين، لحظة استحقاق المهل؟ ماذا يحصل؟ رئيس الحكومة يؤكد أن الدعوة إلى الانتخابات وفق القانون النافذ ستصدر حتماً. لأن أي مخالفة لذلك تعرّضه كما تعرّض المسؤولين الحكوميين المعنيين للملاحقة أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، بتهمة عدم القيام بواجب قانوني ودستوري. عندها، كيف يمكن لرافضي قانون الستين تعطيل الانتخابات؟ بالقوة؟ بفرض واقع أمني يحول دون إجراء الاستحقاق؟ تكون كارثة لا يحتملها أي فريق، خصوصاً من أصحاب «الصوفة الحمراء»، هذا التعبير الذي يقال ان ميشال سليمان بات يستعمله تكراراً في مجلس الوزراء ...
تظل وسيلة قانونية أخرى ممكنة للتعطيل، عبر التأجيل، اي قانوناً عبر تعديل ولاية المجلس النيابي الحالي، كما نص عليها قانون العام 2008. فتضاف إلى الأربع سنوات بضعة أشهر، او بضعة فصول. لكن ماذا لو تم الطعن مجدداً بقانون التمديد هذا؟ لا بد للدستوري أن يقبله، فلا ظروف استثنائية تبرره، بمعنى الفقه القانوني لنظرية تلك الظروف، فضلاً عن الاجتهاد القائل بأن مدة السنوات الأربع هي نص دستوري لا قانوني وحسب، بموجب تلك القراءة الخاصة للمادة 44 من الدستور.
وأخيراً، ماذا إذا لم تحصل الانتخابات، ولم يحصل التمديد؟ فرضية لم يعرفها لبنان في تاريخه البرلماني المستقل قط. البعض قال بإعطاء صلاحية التشريع للحكومة، على قاعدة انبثاقها من إرادة آخر تمثيل شعبي. نبيه بري هاله الطرح طبعاً. فيما البعض الآخر يقول باستمرارٍ ما للمجلس النيابي المنتهية صلاحيته، وفق مبدأ استمرار المؤسسات وعدم جواز الفراغ. بعض ثالث يقول بحصول الفراغ التشريعي بكل بساطة. فلا يستمر المجلس ولا تشرع الحكومة، حتى تجرى الانتخابات...
كلها أسئلة، ولو نظرية، تؤكد أن سيف الوقت والقانون مسلط على الجميع، وأن الموضوع المطروح أكبر بكثير من مسألة انتخابات. إنه اكتشاف طفولي مستدام، لهشاشة ديمقراطيتنا وورقيتها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018