ارشيف من :أخبار لبنانية
هل "خذل" بري فعلاً تيار "المستقبل"
ابراهيم بيرم - صحيفة "النهار"
هل "خذل" رئيس مجلس النواب نبيه بري تيار "المستقبل" فعلا وبادر الى تسهيل الطرق أمام اقرار مشروع "اللقاء الأرثوذكسي"، بعدما كان وعد اركانه ولو تلميحاً بعدم جعل هذا المشروع الذي يكرهه التيار من اعماقه، أمراً واقعاً ويقرب المسافات بينه وبين الهيئة العامة للمجلس؟
هذا ما بدأت ألسن اوساط "المستقبل" تلهج به أخيراً، في محاولة مكشوفة منها لتحميل رئيس المجلس مسؤولية كل الانقسامات والمحاصصة السياسية التي هبت على الساحة المحتقنة أصلاً بعيد الثلثاء الماضي.
مقربون من أجواء الرئيس بري، يؤكدون انه بدأ يتصرف منذ نحو عام تقريباً على أساس ان اقرار قانون انتخاب جديد وحل هذه المشكلة، سيوضع بين يديه، وبمعنى آخر ستأتي اللحظة التي يصير فيها في الواجهة، لا سيما ان الظروف الموضوعية وتقاطعات السياسة المحلية والاقليمية وحدة الانقسام الداخلي قد ساعدت ايضاً وايضاً على جعله نجم المرحلة بلا منازع.
ويساهم في ذلك 3 أسباب موضوعية أخرى هي:
- الموقع الدستوري لبري.
- الهوامش التي يتمتع بها في لعبة السياسة الداخلية وعلاقاته المعلنة والمضمرة مع كل الاطراف.
- قدرات الرجل ومهاراته السياسية التي لا يمكن احدا انكارها الى درجة ان ثمة من يتعامل معه كآخر سياسي، أو كآخر رجل يتقن فن السياسة بمواصفاتها التقليدية في لبنان.
يضاف الى ذلك، بحسب المقربين أنفسهم، مصادفة لم تكن في الحسبان، وهي انشقاق تحالف 14 آذار، خصوصاً بعدما انحاز أحد اركانه المسيحيين سمير جعجع الى مصالحه الانتخابية وحساباته المسيحية بدلاً من أن يكون منحازاً لحساباته الوطنية العامة.
لكل تلك العوامل مجتمعة ومنفردة صار بري قبلة الحدث، وجعل الجميع، حلفاء وخصوما، يشخصون بأنظارهم نحوه منتظرين أن يكون القابلة التي على يديها يولد الحل، أو التسوية على غرار مرتين سابقتين.
والمرجع نفسه يشهد ان بري أدرك من الاساس هذا الوضع، وأعد العدة له باكراً إذ وسع هوامش علاقته مع قوى اقليمية لها دالتها وتأثيرها على مكونات الساحة، يقيناً منه انه في ظل الاشتباك الحاد في الاقليم، وفي ظل الانعكاسات والتداعيات الثقيلة المباشرة للازمة في سوريا على الساحة اللبنانية الحبلى أصلاً بالتناقضات، فإنه لا بد من رافعة خارجية لإستيلاد التسوية المنشودة على مستوى قانون الانتخاب.
بري من الاساس كان يدرك صعوبة الامر ويعي ان المسألة تحتاج الى ما يشبه المعجزة، خصوصاً ان ثمة تجارب مشابهة يعي الرجل خفاياها واسرارها وتعقيداتها.
وفي انتظار ان تتوافر المظلة الاقليمية لانجاز القانون المشتهى أو التي من شأنها أن تدفع الافرقاء الى حظيرة التوافق، اضطر بري الى سلوك الآتي:
1- ان يمارس لعبة تجزئة الوقت وإمراره بحرفية عالية، حتى لا يسأم الناس ولا يقنط السياسيون، وتدرج الامر من اللجنة الفرعية الى المهلة الاضافية لهذه اللجنة الى القانون المختلط، الى اطلاق التصريحات شبه اليومية التي تنضح بأمرين: الاول ان لا قانون لا تسري عليه شروط التوافق انفاذاً لمقولته الشهيرة انه مع أسوأ قانون يحوز رضى الجميع. والثاني: ان الانتخابات حاصلة بالضرورة.
2- في مراحل لاحقة أخذ بري يستخدم اسلوب العصا والجزرة، أو الاغواء والترهيب، خصوصاً عندما أعلن صراحة أنه وراء اي قانون يتفق عليه الأطراف المسيحيون ما دامت الشكوى الدائمة هي الحقوق المهدورة للصوت المسيحي وغياب التمثيل الحقيقي.
وهذا الكلام اعتبر تيار "المستقبل" انه سهّل اندفاع "مشروع اللقاء الارثوذكسي" الى الواجهة، بعدما عدّه الكثر بأنه ولد ميتاً.
3- لاحقاً وفي سياق اللعبة عينها، أتت فكرة "القانون الهجين" اي المختلط بين نظامي النسبي والاكثري، انفاذاً عملياً لفكرة "الغموض البناء" التي شاءها بري من خلال هذا المشروع الجديد كل الجدة على المصطلحات السياسية والانتخابية في لبنان.
فبالنسبة اليه سيحقق اقرار كل المشروع ثلاث غايات في ضربة واحدة. فهو سيفتح اولاً الطريق امام النسبية التي لم تعد "تابو" كما في السابق لاسيما لدى الأطراف المسيحيين.
وثانياً سيجعل كل الحسابات والاستطلاعات عاجزة عن معرفة من الخاسر ومن الرابح اذا ما كانت فكرة القانون الهجين قاعدة الانتخابات المقبلة.
وثالثاً، ستترك الفكرة المجال للقوى الوسطية لتكون هي صاحبة الكلمة الوازنة في مرحلة ما بعد الانتخابات على حساب القوتين التقليديتين، وتحرر اللعبة السياسية من القواعد الصارمة التي عاشتها منذ اكثر من ثمانية اعوام.
وبالطبع كان في الغاية الثالثة نوع من الإرضاء لحليف بري اللدود النائب وليد جنبلاط اللذين كانا ينسقان معا في كثير من المراحل من غير الاعلان عن ذلك، وبمعنى آخر كان كل منهما يحمي ظهر الآخر من دون ان يظهر ذلك في الصورة.
ثم كانت "الضربة الذروة" التي بادر اليها الرئيس بري عشية مهرجان "البيال" الاخير (ذكرى 14 شباط) عندما أطلق دعوته الشهيرة الى الرئيس سعد الحريري للعودة الى البلاد والشروع بفتح صفحة جديدة وارساء أسس قواعد لعبة جديدة يكون الجميع موجودين فيها مما يساهم في تخفيف التشنج والاحتقان الحاصل.
لكن بري اصيب بما يشبه خيبة الأمل، اذ قال للذين كانوا ينقلون اليه فحوى خطاب الحريري تدريجاً ان الخطاب تصعيدي، وفيه مساحة كبيرة من التحريض السياسي.
ويبدو انه من ذلك الحين تكونت لدى بري قناعات جديدة مرتكزة على امر اساسي لن يفصح عنه وهو ان "كلمة السر" الخارجية التي تسمح باطلاق عجلة التسوية الداخلية لم تأت بعد، فكان للعبته توجهات اخرى تجلت في تعبيد الطريق امام اقرار "الارثوذكسي" في اللجان النيابية المشتركة.
هل هي الرد على مضامين خطاب "البيال" ام انها قاعدة من قواعد لعبة "العصا والجزرة"؟
لا يستطيع أحد ان يجيب اجابات حاسمة، لكن الثابت ان بري وإن كان قد اثبت ربما للمرة الألف انه من النوع الذي ينزعج جداً اذا ما وجد سلبية من شخص او جهة يهجم عليه بالايجابية لم يوصد باب التسوية نهائياً، وإن كان المقربون منه يذكرون أن توهج حماسته قد خف عن السابق.
ففي لقائه الأخير مع رئيس "تكتل الاصلاح والتغيير" العماد ميشال عون نقل زوار بري عنه اعجابه بمنطق عون وبنضجه السياسي وبانفتاحه على الحلول اذا كانت تصب في المقاصد والثوابت المعروفة لعون.
ويذكر هؤلاء ان قنوات التواصل بقيت تعمل بين بري والرئاسة الأولى وبينه وبين بكركي، وبهذا المعنى فالواضح ان بري يراهن على ربع الساعة الاخير وإن كان قد استنفد الخيارين معاً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018