ارشيف من :أخبار لبنانية
صـراع الأرض فـي فـلـسـطـيـن
الياس سحاب - صحيفة السفير
منذ خبر إنشاء الفلسطينيين لقرية «باب الشمس» في أرض عربية مخصصة للانتزاع من اجل توسيع المستعمرات الاحتلالية الاسرائيلية، وقيام إسرائيل بهدم هذه القرية المقاومة، تسارعت الأخبار في أسابيع قليلة، عن إنشاء ثلاث قرى مماثلة، كانت آخرها قرية «كنعان»، في ظاهرة تؤكد، على تواضعها حتى الآن، ومع النجاح الاسرائيلي المستمر في هدم كل قرية عربية مقاومة يتم استحداثها، تؤكد على تجدد الجوهر الاصلي للصراع في فلسطين، وهو قد كان منذ بدايته، وطوال استمراره حتى يومنا هذا صراعا على الارض: ملكيتها وهويتها. الامر الذي يسمح بالتكهن، بأن يكون هذا هو جوهر الانتفاضة الثالثة، عندما تنطلق بزخم، كما يتوقع حتى المراقبون الإسرائيليون.
لقد صدر مؤخراً كتاب هام للدكتورة نائلة الوعري (مواليد القدس) عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر»، حمل العنوان التالي: «موقف الولاة والعلماء والأعيان والإقطاعيين في فلسطين من المشروع الصهيوني (1856-1914).
تروي مؤلفة هذا المجلد القيم في 567 صفحة، القصة الكاملة للحرب الحقيقية التي أدارتها الحركة الصهيونية على مدى السنوات الستين الاخيرة من عمر الامبراطورية العثمانية، وقبل قرن كامل من إنشاء دولة اسرائيل، لشراء تدريجي طويل النفس لتملك مساحات استراتيجية من ارض فلسطين، وهي عمليات كانت تتم دائماً بغطاء إنساني، لتحسين الأحوال المعيشية لآلاف المهاجرين اليهود الى فلسطين، لكنها سرعان ما تكشفت عن كونها أحجار الأساس الاولى في مشروع الاستيلاء الصهيوني على فلسطين.
ومع أن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني كان بشكل عام يمارس معارضة علنية للمشروع الصهيوني، رغم الإغراءات اليهودية المالية، فقد نجحت الحركة الصهيونية، على ما يروي الكتاب بالوثائق، وعلى امتداد السنوات الستين الأخيرة من عمر الامبراطورية العثمانية، في شراء مساحات واسعة لتدشين المشاريع الاولى للحركة الصهيونية، من شراء ارض لبناء مستشفى هداسا، في منطقة القدس، الى شراء قطع واسعة من الأرض لإنشاء مزارع نموذجية، يتم فيها تدريب المهاجرين اليهود على استصلاح الاراضي، مثل مستعمرة «ريشون ليتسيون» جنوب يافا، وذلك بالتحايل والإغراء في التعامل مع الولاة السياسيين والأعيان والإقطاعيين، من اصحاب المساحات الواسعة من الارض.
غير أن كتباً أخرى تروي قصة استكمال هذا المشروع الاستعماري الصهيوني، بشراء مزيد من اراضي فلسطين الخصبة والحساسة، طوال السنوات الثلاثين التي تولى فيها الحكم الاستعماري البريطاني (الذي تم تزوير اسمه الى انتداب)، بعد انهيار الامبراطورية العثمانية.
ومع ان هاتين الفترتين قد قاربتا القرن الكامل من شراء الاراضي بالتحايل والخديعة والإغراء، فإن الوثائق تؤكد انه عندما منح قرار التقسيم الدولة اليهودية 56% من المساحة الإجمالية لأرض فلسطين التاريخية، فإن ما كان يملكه اليهود حتى ذلك التاريخ لم يكن يتجاوز 6% من أرض فلسطين.
غير ان ذلك لم يمنع ان يبقى الصراع على الارض، هو جوهر الصراع في القضية الفلسطينية، حيث عمدت اسرائيل في سنواتها الاولى، وفور استقرارها، كما يروي المجلد القيم الذي اصدره وليد الخالدي عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية («كي لا ننسى») الى تدمير ما يقارب الخمسمئة قرية عربية في فلسطين، وإقامة قرى جديدة في موقع بعضها، للمهاجرين اليهود الجدد.
غير ان ما ارتكبته اسرائيل في هذا المجال منذ تأسيسها، وحتى يومنا هذا، كان هو الأفظع والأعمق أثراً، اولا في عملية استكمال تهويد كل ما وقع تحت يدها من ارض في حرب 1948، ثم في تهويد القدس والضفة الغربية، عندما استكملت احتلالها في العام 1967، وذلك عبر عملية هدم ما يمكن هدمه، وإقامة كيانات جديدة بديلة، مع إلغاء الأسماء العربية الاصلية للأماكن، وإحلال اسماء عبرية جديدة محلها. إضافة الى جدار الفصل العنصري الذي مسح الطبيعة الجغرافية لشرق فلسطين (الضفة الغربية) ومسح قرى كاملة من الوجود، وشوه طبيعة ما تبقى من القرى.
إنه إذن صراع على الارض، بدأ قبل عشرات السنين من إقامة دولة اسرائيل، وما زال مستمراً لعشرات السنين بعد ذلك، الامر الذي يدفع الى ان نشتم في معركة إقامة القرى الاربع العربية المقاومة، عودة بالصراع الى جوهره، بعدما طالت عملية طمس هذا الجوهر تحت التفاصيل الهامشية التي اطلقها التنفيذ الفاشل «لاتفاقيات اوسلو» الفاشلة.
وعندما يُقدّر للانتفاضة الشعبية الثالثة أن تقوم، فإن العودة بالصراع الى جوهره هذا، ستكون على الأرجح عنوانا لها.
منذ خبر إنشاء الفلسطينيين لقرية «باب الشمس» في أرض عربية مخصصة للانتزاع من اجل توسيع المستعمرات الاحتلالية الاسرائيلية، وقيام إسرائيل بهدم هذه القرية المقاومة، تسارعت الأخبار في أسابيع قليلة، عن إنشاء ثلاث قرى مماثلة، كانت آخرها قرية «كنعان»، في ظاهرة تؤكد، على تواضعها حتى الآن، ومع النجاح الاسرائيلي المستمر في هدم كل قرية عربية مقاومة يتم استحداثها، تؤكد على تجدد الجوهر الاصلي للصراع في فلسطين، وهو قد كان منذ بدايته، وطوال استمراره حتى يومنا هذا صراعا على الارض: ملكيتها وهويتها. الامر الذي يسمح بالتكهن، بأن يكون هذا هو جوهر الانتفاضة الثالثة، عندما تنطلق بزخم، كما يتوقع حتى المراقبون الإسرائيليون.
لقد صدر مؤخراً كتاب هام للدكتورة نائلة الوعري (مواليد القدس) عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر»، حمل العنوان التالي: «موقف الولاة والعلماء والأعيان والإقطاعيين في فلسطين من المشروع الصهيوني (1856-1914).
تروي مؤلفة هذا المجلد القيم في 567 صفحة، القصة الكاملة للحرب الحقيقية التي أدارتها الحركة الصهيونية على مدى السنوات الستين الاخيرة من عمر الامبراطورية العثمانية، وقبل قرن كامل من إنشاء دولة اسرائيل، لشراء تدريجي طويل النفس لتملك مساحات استراتيجية من ارض فلسطين، وهي عمليات كانت تتم دائماً بغطاء إنساني، لتحسين الأحوال المعيشية لآلاف المهاجرين اليهود الى فلسطين، لكنها سرعان ما تكشفت عن كونها أحجار الأساس الاولى في مشروع الاستيلاء الصهيوني على فلسطين.
ومع أن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني كان بشكل عام يمارس معارضة علنية للمشروع الصهيوني، رغم الإغراءات اليهودية المالية، فقد نجحت الحركة الصهيونية، على ما يروي الكتاب بالوثائق، وعلى امتداد السنوات الستين الأخيرة من عمر الامبراطورية العثمانية، في شراء مساحات واسعة لتدشين المشاريع الاولى للحركة الصهيونية، من شراء ارض لبناء مستشفى هداسا، في منطقة القدس، الى شراء قطع واسعة من الأرض لإنشاء مزارع نموذجية، يتم فيها تدريب المهاجرين اليهود على استصلاح الاراضي، مثل مستعمرة «ريشون ليتسيون» جنوب يافا، وذلك بالتحايل والإغراء في التعامل مع الولاة السياسيين والأعيان والإقطاعيين، من اصحاب المساحات الواسعة من الارض.
غير أن كتباً أخرى تروي قصة استكمال هذا المشروع الاستعماري الصهيوني، بشراء مزيد من اراضي فلسطين الخصبة والحساسة، طوال السنوات الثلاثين التي تولى فيها الحكم الاستعماري البريطاني (الذي تم تزوير اسمه الى انتداب)، بعد انهيار الامبراطورية العثمانية.
ومع ان هاتين الفترتين قد قاربتا القرن الكامل من شراء الاراضي بالتحايل والخديعة والإغراء، فإن الوثائق تؤكد انه عندما منح قرار التقسيم الدولة اليهودية 56% من المساحة الإجمالية لأرض فلسطين التاريخية، فإن ما كان يملكه اليهود حتى ذلك التاريخ لم يكن يتجاوز 6% من أرض فلسطين.
غير ان ذلك لم يمنع ان يبقى الصراع على الارض، هو جوهر الصراع في القضية الفلسطينية، حيث عمدت اسرائيل في سنواتها الاولى، وفور استقرارها، كما يروي المجلد القيم الذي اصدره وليد الخالدي عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية («كي لا ننسى») الى تدمير ما يقارب الخمسمئة قرية عربية في فلسطين، وإقامة قرى جديدة في موقع بعضها، للمهاجرين اليهود الجدد.
غير ان ما ارتكبته اسرائيل في هذا المجال منذ تأسيسها، وحتى يومنا هذا، كان هو الأفظع والأعمق أثراً، اولا في عملية استكمال تهويد كل ما وقع تحت يدها من ارض في حرب 1948، ثم في تهويد القدس والضفة الغربية، عندما استكملت احتلالها في العام 1967، وذلك عبر عملية هدم ما يمكن هدمه، وإقامة كيانات جديدة بديلة، مع إلغاء الأسماء العربية الاصلية للأماكن، وإحلال اسماء عبرية جديدة محلها. إضافة الى جدار الفصل العنصري الذي مسح الطبيعة الجغرافية لشرق فلسطين (الضفة الغربية) ومسح قرى كاملة من الوجود، وشوه طبيعة ما تبقى من القرى.
إنه إذن صراع على الارض، بدأ قبل عشرات السنين من إقامة دولة اسرائيل، وما زال مستمراً لعشرات السنين بعد ذلك، الامر الذي يدفع الى ان نشتم في معركة إقامة القرى الاربع العربية المقاومة، عودة بالصراع الى جوهره، بعدما طالت عملية طمس هذا الجوهر تحت التفاصيل الهامشية التي اطلقها التنفيذ الفاشل «لاتفاقيات اوسلو» الفاشلة.
وعندما يُقدّر للانتفاضة الشعبية الثالثة أن تقوم، فإن العودة بالصراع الى جوهره هذا، ستكون على الأرجح عنوانا لها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018