ارشيف من :أخبار لبنانية
من يغيِّر وجه المنطقة؟
صحيفة "السفير" - بقلم صادق النابلسي
يختلي حزب الله منذ انتهاء حرب تموز 2006 بنفسه, يضبط الإيقاع لهياكله المؤسسية التي تخوض «تجريبياً» رهان معادلة تتقاطع أبعادها على صورة حرب قادمة. قلقٌ ضروس في جسدٍ ممسوس باحتمالات مجهولة الحدود, لا يسمح ببعثرة الكلام وبوح الأسرار البريئة التي من الممكن أن تأخذ أيّاً كان خارج حدود الوظيفة والأمانة.
بطبيعة الحال هذا كلام يقود إلى البحث عن خفي الدور الذي يضطلع به حزب الله, ومدياته وأبعاده, وعلاقاته التي ابتنت على وقع ظروف وسياقات داخلية وإقليمية ودولية وتاريخية راكمت من بنائه التنظيمي وقدراته العسكرية. وعلى هذا الأساس تأتي محاكمته، أو بالحد الأدنى اختلاف المقاربات حول ناتج تجربته، ابتداءً من ذلك التضارب والتنازع بين ما يُعتبر بنظر البعض مقبولاً وواقعياً في دوره, وبين حجمه وقوته بما لا يتسق وطبيعة مهامه المحددة بتحرير الأرض اللبنانية حصراً, وصولاً إلى ما يُعتقد أنه أجرأ مهمة يتحمل مسؤوليتها وأعباءَها حين أعلن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بأن بمقدور الحزب في حال نشوب حرب جديدة مع العدو الإسرائيلي أن يغير وجه المنطقة, بما يعني ذلك من نتائج وإفرازات ووقائع يجعل الوقوف عندها من القضايا البحثية الهامة.
وقد جاءت بعض التقارير الأمنية بعد عدوان تموز 2006 والتي تحدثت عن ان قوة حزب الله العسكرية تضاهي قوة ثلاثة جيوش إقليمية مجتمعة لتؤكد هذا المعنى, فينشغل مؤيدوها ـ أي القوة ـ بالدفاع عنها باعتبارها طوق نجاة في بحرٍ متلاطم بالأمواج السياسية والتهديدات الوجودية, أو هي بتعبير آخر السيف القاطع الذي يستطيع أن يحبط المشروع الصهيوني بكل مفاعيله. فيما يتجه المناوئون لهذه القوة إلى إبداء المخاوف وإظهار الهواجس وإطلاق المواقف المعارضة لبقاء هذه القوة، فضلاً عن القبول بنموها وتعاظمها.
وبالنظر إلى ما يقوله مناهضو حزب الله من العرب واللبنانيين بشكل خاص, وبعضه يحتاج إلى قراءة وإلى إعادة قراءة, من موقع احترام الرأي الآخر, فإنه في تقديري منزوع من مجراه التاريخي ومن مجراه الجيو ـ سياسي والجيو ـ استراتيجي.
معظم القوى اللبنانية تبني رؤيتها وخطابها السياسي على قاعدة منقرضة اسمها «الحياد» منطلقة من اعتبارين أساسيين الأول: من ضعف الإمكانيات اللبنانية أمام الترسانة العسكرية الإسرائيلية الضخمة حيث انتهى هذا الاعتبار إلى شعار «قوة لبنان في ضعفه»، والثاني: عدم القدرة على مجابهة المجتمع الدولي الذي يدعم الكيان الصهيوني فيفترض لنفسه التزام الواقعية السياسية, أما ترجمتها الحرفية فهي دونية وانهزام وخضوع. كما وحين لا ندرك الأهداف القريبة والبعيدة التي يحرص قادة العدو الإسرائيلي على تحقيقها داخل المجالين العربي والإسلامي, وأية تطلعات يفصحون عنها عبر نصوصهم المكتوبة أو من خلال نزعة التعالي والسيطرة التي يحاول أغلب زعمائنا تجاهلها وتغطيتها بقطعة من قماش شفاف.
ليس يخفى أنه لن نستطيع أن نعلل تعليلاً مستوفياً لظاهرة حزب الله إلا في إطار من الاعتبارات المشار إليها آنفاً, وأن يكون لنا استعداد واعٍ لفهم التاريخ والجغرافيا اللذين تعرضا منذ ما قبل القرن الماضي لعملية تفكيك قاسية مهدت لأعتى مشروع استعماري في العصر الحديث.
فأرضية حزب الله العسكرية المقاوِمة استندت في مشروعيتها إلى واقع الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان, وهي مشروعية لا منازعة فيها من جهة الوضعيتين القانونية والأخلاقية. وقراءة نص الوثيقة التأسيسية التي على مرتكزها برز حزب الله كحركة جهادية مقاوِمة, يعتبر نموذجاً دالاً على أولوية الصراع مع العدو الإسرائيلي وفق منطلقات دينية وتاريخية ووطنية آمنة من الذرائعية السياسية وتطلعات الوصول إلى الحكم. من دون أن ننفي أن عوامل مختلفة انبثقت من داخل المعاناة الذاتية للشريحة الحاضنة للحزب هي من جملة الأسباب التي دفعت حزب الله إلى توسل السلاح كحتمية وظيفية أو كمعادل قوة ضروري لمواجهة المشروع الإسرائيلي برمته. وقد تمكن حزب الله بجهدٍ ممتد ومتواصل من تخطي صعوبات النشأة والتكوين من خلال التزام قواعد منهجية صارمة حكمت بنيته الداخلية وخطه السياسي وأفعاله الميدانية ضمن رؤيةٍ تتماشى مع الأولويات الزمانية والحاجات الموضوعية ونماء الأحداث, ولكنها تركن إلى المستلزمات والتسويغات الدينية والوطنية. وقد تكون هذه اللحاظات الآنفة, مضافاً إلىها قدرة الحزب المرنة على المواءمة بين ما هو ثابت وما هو متحرك, وبين ما هو مطلق وما هو ظرفي, وبين ما يرتبط بالمنهج الإيماني وما يخضع للتقدير البشري, هي من المؤشرات والدلائل على نجاح تجربة حزب الله.
عرف كيف يواجه المهام التي فرضتها عليه التطورات بالتعويل على ما يُعرف بفقه المصالح, لا المصالح الخاصة به كحزب, بل المصالح كمفهوم تتطور وتنمو إمكانيات تفسيره على معطيات وقوانين حركة المجتمع والإنسان. وهذه نقطة اختلاف وتمايز عن العديد من الحركات والتيارات الإسلامية التي وجدت صعوبة في إيجاد أسس مقنعة للكثير من أفعالها التي ساهمت في تطويقها وزجّها في تناقضات حادة مع فكرها ذاته ومع مجتمعها. أما سمات هذا التمايز فيتبدى في ثبات البوصلة الجهادية نحو العدو الإسرائيلي, وفي أساليب عمل الحزب وعلاقاته الداخلية مع القوى الاجتماعية والسياسية التي تتم على أكثر من مستوى, ما يعني أن الحزب لا يعاني أزمة انبتات عن محيطه المجتمعي, بل هو مندك في بيئته المحلية بعلاقات تفاعلية وتبادلية منوعة. وهو أمر نجده أيضاً في الصلات التي ينسجها مع الخارج في إطار الهموم السياسية والنضالية المشتركة أو على أساس الجوامع الإنسانية الواحدة.
بالإمكان القول إن حزب الله لم يعش بأفكار مغلقة وإن كان حبيس إيديولوجيا إيمانية. فالإيمان لم يُعق حركة تطوره السياسي والثقافي والاجتماعي بل زوده بوعي داخلي, وقوة تسري في جميع جنباته, وجعله فاعلاً داخل فضاءات تتشابك فيها الإيديولوجيات, وداخل مجتمع يجد صعوبة في التعريف عن هويته, وفي منطقة تمور بالصراعات والحروب. واستطاع أن يكتشف المزيد من الأدوات الإيديولوجية التي مكنته من أن يصبح حزباً قائداً هو الأقدر على التعامل مع قضايا مرتبطة بالمتغيرات المحلية والإقليمية, وهو الأقدر على التجديد والتأطير الأيديولوجي, والتعبئة السياسية والعاطفية والجهادية, وخلق الإمكانات الضرورية داخل بيئته التي تنام بعيون مفتوحة, والدائمة الاستعداد للمكابدة والمواجهة. والأجدر على صنع الانتصارات العسكرية ضد العدو الإسرائيلي اعتماداً على قوة الإيمان والإرادة والصدق والبصيرة, خصوصاً أن هذه الانتصارات جاءت في غفلة عن العرب الذين يولدون في الموت ويعيشون في مقابر مقفلة.
وطبيعي أن لا يكون للعرب بين قيدي الموت والمقابر «قدرة على الإنشاء لنص سياسي قابل للتنفيذ».
بهذا المحتوى عرفنا حزب الله لا كإطار جهادي مجرد, ولا كمكون تنظيمي شديد الثورية فحسب, بل كقيمة حضارية وإنسانية وإيمانية, بدأت تبث الحياة والحركة في بنية هذه الأمة الساكنة. وعليه فإنه لا يمكن قياس نمو ونجاح حزب الله كظاهرة اجتماعية وسياسية بازدياد عديده وتضخم إمكانياته المادية أو بعمق عمليات التحديث داخل هياكله المؤسسية بل بمستوى ما أضافه لهذه الأمة من قيم وكشف عن معايير نهضوية شكلت بديلاً عن الاستلاب الثقافي والانسداد السياسي, والإحباط النفسي الذي وسّع من قابليات الأمة للانهزام والانكشاف أمام المشاريع الاستعمارية، وأخطرها ما تمثله إسرائيل.
وبهذا المعنى أيضاً فإن حزب الله ليس سلاحاً، ولا كياناً تنظيمياً عرف كيف يرتب الأولويات ويوظفها بطريقة واضحة ومدروسة, وإنما هو رؤيا تضخ وعياً وإيماناً والتزاماً بقضايا الانسان, هذه القضايا بوصفها أحلامنا وغدنا وحداثتنا وطريقنا إلى نور المعرفة، وحضارتنا التي طمرناها بخوفنا وتكلُسنا وسقوطنا في وهم العدو الإسرائيلي.
اليوم يظهر حزب الله, الذي لا يفتأ يخرج من مرحلة عسيرة ليجد نفسه في مرحلة أعسر, أمام الناس بأشكال تنظيمية تتسع دوائرها, وبمنظومة من الأجهزة المعقدة التي تتفاعل وتتكيف تبعاً لمستويات التحدي التي يفرضها العدو الإسرائيلي, وطبيعة المتغيرات التي تشهدها البيئة التي يعيش ضمن جغرافيتها. وهذا وضع يجعله أمام إشكالية حرجة داخلياً، ولكنه لا يستطيع إلا أن يحتكم لميزان الصراع وآلياته التي نؤكد مرة أخرى أنها تطورت عبر مسار تاريخي معقد. ولهذا لا يجوز أن يُنظر إليه مبتسراً بمنظار لبناني داخلي، يكتشف متأخراً المتضررون، من تصاعد وتنامي قوته، أن هناك شيئاً اسمه سيادة واستقلال, وشيئاً آخر اسمه «إسرائيل» يحتل جزءاً من لبنان. أما المرحلة الآتية فهي مرحلة يحسب كل مراقب ومتابع لدينامية الصراع مع العدو الإسرائيلي أن الآزفة قد أزفت, وأننا بلغنا مرحلة الحسم. ماذا سيفعل حزب الله الذي يحمل بيديه آلة قياس دقيقة؟. فلننتظر ما يستحق أن يكون فجراً من نوع آخر!.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018