ارشيف من :أخبار لبنانية

«الأرثوذكسي»: ما خفي أعظم 

«الأرثوذكسي»: ما خفي أعظم 

&#65279

غسان سعود - صحيفة "الاخبار"


 
قانون «الستين» والقوانين السابقة هي التي هددت السلم الأهلي وألحقت غبناً تمثيلياً بمجموعات كثيرة من اللبنانيين، لا اقتراح اللقاء الأرثوذكسي. قانون «الستين» والقوانين التي سبقته أججت الطائفية وأنتجت هذه الطبقة السياسية وأتاحت لتيار المستقبل التفلت من كل حسيب ورقيب، لا اقتراح اللقاء الأرثوذكسي. المآخذ الجدية على اقتراح إيلي الفرزلي في مكان آخر.


بين إصرار الأحزاب المسيحيّة على إيصال من يمثلها نيابياً في النظام الطائفي القائم، والحرص الحريري على العيش المشترك ممثلاً بكتلته النيابية كما هي، والتصويب الأعمى على العماد ميشال عون، واستياء النائب وليد جنبلاط نفسه من «الانعزالية»، يتمهزل النقاش بشأن اقتراح قانون اللقاء الأرثوذكسي الانتخابي. ولا يلتفت كثيرون إلى إهمال هذا الاقتراح جوانب تمثيلية كثيرة، رغم تصحيحه التمثيل المسيحي المزعوم في النظام الطائفيّ القائم.

 عملياً يضرب هذا الاقتراح مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات؛ لأن المواطن اللبناني من الطائفة الأرثوذكسية يتساوى والمواطن المارونيّ والسنيّ والشيعيّ في دفع الضرائب والقيام بواجباته، لكن لأنه أرثوذكسي يمكنه أن ينتخب أربعة عشر نائباً فقط، فيما يمكن الماروني أن ينتخبا 34 نائباً والسني والشيعي 27. وسيكتشف ذلك المواطن الذي يفلح أرضه في عاليه ويزرعها بعرق جبينه أنه ينتخب ثمانية نواب، فيما جاره في القماطية ينتخب 27 نائباً. «قناص» جبل محسن ينتخب نائبين و«المندس» في باب التبانة 27. الشيعي ينتخب ثلاثة أضعاف عدد الذين يحق للدرزي أن ينتخبهم وثلاث حبات مسك. ميشال بيك فرعون، بكل أمجاد أسرته ينتخب ثماني نواب والماروني الذي ألحقه به في الأشرفية في العقدين الماضيين ينتخب 34. حين يلتقي المرء بلبناني أرمني من الآن وصاعداً، عليه أن يسأله إن كان أرمنياً أرثوذكسياً أو أرمنياً كاثوليكياً، فأحدهما أهم شأناً وبخمسة أضعاف من الآخر؛ أحدهما ينتخب خمسة نواب، والأخر يقترع لنائب واحد. أنت سرياني، إذاً تنتخب نائباً واحداً، وأنا ماروني فأنتخب ٣٤ نائباً. أين العدالة التمثيلية هنا؟ لا بدّ أن يسأل المواطن السنيّ والشيعيّ عمّا يجبرهما على دفع الضرائب والالتزام كالمواطن الماروني في قوانين هذه الدولة التي تعطيه الحق بانتخاب 27 نائباً فقط، فيما ينتخب الماروني 34. ولا بدّ أن يسأل الماروني نفسه عمّا يميزه عن السرياني مثلاً أو الكاثوليكي والأرثوذكسي وسائر الآخرين، حتى ينتخب هو 34 نائباً، فيما الآخرون أقل منه.

 وكان الفرقاء السياسيون، وخصوصاً المسيحيين، قد توقفوا عند اقتراح قانون اللقاء الأرثوذكسي في سياق بحثهم عن قانون جديد يحقق هدفين: أولاً، تصحيح التمثيل السياسي لشرائح لم تنصفها القوانين الانتخابية السابقة. وثانياً، تصحيح التمثيل الطائفي ليس المسيحي فحسب، بل السنيّ والشيعي والعلوي، وحتى الدرزي. فالغبن المسيحيّ المفترض في بعض الأقضية يوازيه غبن تمثيلي لمعارضي تيار المستقبل الذين يفوزون في عكار والمنية وطرابلس والبقاع الغربي بتأييد نحو ثلاثين بالمئة من أصوات الناخبين السنّة، لكن نظام الانتخاب الأكثريّ يقصيهم. إلا أن الاقتراح الأرثوذكسيّ الذي قدم إلى المجلس النيابيّ بوصفه اقتراحاً عونياً يحقق الهدف الثانيّ ويتجاهل الهدف الأول. فأصوات القوى العلمانية كالحزب الشيوعي والحزب السوري القومي الاجتماعي تتشتت بين الطوائف وفقاً لهذا القانون، وتتحول إلى مجموعة أقليات لا يمكن أن تحظى في أية دائرة طائفية بحاصل انتخابيّ يربّحها مقعداً نيابياً واحداً. أما الأحزاب التي تفترض أنها عابرة للطوائف فتتقوقع بطوائف محددة: يقول التيار الوطني الحر عبر القانون الأرثوذكسي لناشط مثل رمزي كنج عد إلى طائفتك، إذهب وتصالح مع حركة أمل، هنا لا خبز لك إلا في حال تغييرك مذهبك لتغدو مارونيّاً أو أرمن كاثوليك. أحد أبرز الناشطين في هيئة طرابلس في التيار الوطني الحر علويّ. عليه، إن كان يطمح إلى النيابة، أن يستقيل ويتقدم بطلب انتساب إلى الحزب العربي الديموقراطي. مسؤول تيار المردة في البترون كاثوليكي، عليه أن يغدو كتلوياً شعبياً من الآن وصاعداً. يقتل هذا المشروع طموح كثيرين. أول الأسماء في قائمة «شهداء الكتائب»: محمد طراف. وأحد أبرز الشهداء الكتائبيين في الجبل عضو مكتب الكتائب السياسي حكمت حمدان الذي اغتاله الجنبلاطيون بوصفه «درزياً مرتداً». وسيدفع هذا القانون في حال اعتماده باتجاه إنشاء أحزاب مذهبية، آجلاً أو عاجلاً، فبدل تشتت أعضاء اللقاء الأرثوذكسي مثلاً بين عدة قوى سياسية كحالهم اليوم، أحدهم قريب من التيار الوطني الحر والآخر من تيار المستقبل وثالث من الرئيس نجيب ميقاتي ورابع من القوات اللبنانية، سيُشغَلون عن هذه القوى بتحويل لقائهم إلى حزب أرثوذكسي خاص، له ماكينته الانتخابية ومشروعه المذهبيّ. وسينشأ في الطائفة الكاثوليكية حزب يضم الفاعليات الحزبية غير المنضوية كاملاً في التيار الوطني الحر والكتائب وغيرهما. وسيقتنع حزب الله بأن ما يهمه هو ثقة الناخبين الشيعة به أولاً وأخيراً، فلا يعود مضطراً إلى مراعاة الهواجس المسيحية هنا والقلق السنيّ هناك.

 وإلى جانب عدم تصحيحه التمثيل السياسيّ وتمييزه بين المواطنين، ثمة طوائف، مثل الموارنة والشيعة والسنّة والأرثوذكس والكاثوليك والدروز والأرمن الأرثوذكس والعلويين، تستفيد من النسبية فيتمثل معظم الناخبين، فيما طوائف أخرى، مثل الأرمن الكاثوليك والأقليات والإنجيليين، تُحرَم النسبية لأنها دوائر فردية يفوز بمقاعدها من يجمع أكبر عدد أصوات.

 وفي حساب أحد المتابعين، أن الكاثوليكي المقيم في عكار مثلاً وفي الكورة وزغرتا والبترون سينقل عاجلاً أو آجلاً مكان إقامته إلى المتن الشمالي أو الأشرفية أو زحلة ليكون قريباً من ممثل طائفته في المجلس النيابي، فلا يمكن كلما احتاج هؤلاء إلى ممثلهم أن يقودوا ساعتين ليبحثوا عن بلدته بداية ومكان سكنه ثانياً. في وقت تدافع فيه القوى السياسية المسيحية عن قانونها، مشيرة إلى أن الناخب إنما سينتخب لائحة حزبية، وحين يحتاج خدمة من ممثله في المجلس النيابي يمكن أن يطرق باب حزبه. فيما يرى كثيرون أن الأحزاب التي تتحدث بهذا المنطق لا تملك شيئاًَ بعد من المقومات الحزبية، بدليل تمثل نوابها بالنائب السابق منصور البون في دوائر وبالنائب ميشال المر في دوائر أخرى.

 ولم تفهم غاية المشرع بعد من تمييز المواطنين المنتمين إلى الطائفة الإسماعيلية واليهودية عن سائر المواطنين، بحيث ينتخب اليهودي من يشاء والإسماعيلي حيث يشاء في الدوائر الإسلامية الأربعة. ويرى أحد الخبثاء أن ارتياح حزب الله وحركة أمل إلى نفوذهما وسط الناخبين الشيعة، يسهل تغييرهما نفوس بضعة آلاف من ناخبيهم – ورقياً طبعاً – من شيعة إلى إسماعيليين ليجيّروا أصواتهم لحلفاء الحزب في الدائرة السنية، ويسهموا في تعديل النتيجة قليلاً.

2013-03-02