ارشيف من :أخبار لبنانية

رام الله هي فلسطين

رام الله هي فلسطين
أوكتافيا نصر - صحيفة النهار


ما من مدينة توحي إليّ بفلسطين أكثر من رام الله. عند حاجز قلنديا، تحذّر لافتة إسرائيلية كبيرة الزوّار من أنهم على وشك دخول أراضٍ فلسطينية، وبناءً عليه، سلامتهم وأمنهم مهدّدان. جدار الفصل الذي بنته إسرائيل يُقذي العين، ويولّد لدى الناظر على الفور شعوراً باليأس والعزلة. فالجدار الإسمنتي الضخم الذي تسمّيه إسرائيل "السياج الأمني" شاهق العلو ولا حياة فيه. إنه يفصل سكّان الضفة الغربية عن مدارسهم وأعمالهم. ويكفي أن ننظر إليه لندرك أن الحياة خلفه حافلة بالصعوبات والتحدّيات.

بعد عبور الحاجز، تستقبلك رسوم وكتابات محمَّلة بالرموز على الجدار، تعبّر عن الجانب الفلسطيني من الرواية. ففي البداية تستوقفك صورة كبيرة لياسر عرفات، قرب صورة لمروان البرغوثي وسط الكثير من مشاعر الاستياء التي تراود الفلسطينيين من جراء العيش تحت الاحتلال والقمع الإسرائيليين.

بعد عبور المناطق الصناعية والأسواق المليئة بورش اصلاح السيارات، والمطاعم المتواضعة والباعة المتجوّلين، تفتح لك رام الله ذراعَيها مع مبانيها وأعمالها التجارية الكثيرة، والملصقات الإعلانية الأكبر حجماً من الطرق واللوحات التي عُلِّقت عليها. في الواقع، منظر اللوحات الإعلانية قبيح، ويحوّل الأنظار عن مدينة جميلة لا تزال تنمو وتكافح من أجل الازدهار والمضي قدماً في ظل ظروف اقتصادية وسياسية صعبة جداً.
كلما توغّلت أكثر في رام الله، يصير المنظر أكثر سلمية وسكوناً. ويولّد لديك شعوراً أكثر طمأنينة بأنك في حضرة شعب نابض بالحياة تحرّكه رغبة حقيقية في الازدهار والنجاح. المباني في تلك المناطق حديثة وفي حال جيّدة، وتطل على بعض أروع المناظر في المدينة. الشوارع نظيفة وترحّب بالزوار. فكّرتُ في نفسي، هذه هي فلسطين. مقرّ السلطة الوطنية الفلسطينية، مبنى المحكمة، المتاجر، المطاعم، المدارس، الجامعات والمنازل، كلها تقف شاهدةً على الاعتزاز والأمل والضيافة الفلسطينية.

عند زيارة ضريح ومتحف محمود درويش، تشعر كأنك في عالم آخر. حضور درويش في الغياب في هذا المكان الفريد يضاهي بقوّته حضوره عندما كان على قيد الحياة. يرقد على تلة جميلة تطلّ على القدس، ويملأ صوته المتحف ويلامس أعماق روحك فيما تنظر إلى إنجازاته ومقتنياته الشخصية. يشعر الزائر بأن هناك سحراً يطغى على أجواء المتحف، عندما ينظر إلى مستنداته الشخصية، وأقلامه، ومكتبه، وملابسه وحتى سلسلة مفاتيحه. تحدّق نظّاراته فيك بقوّة، على وقع كلماته وقصائده التي تصدح في المكان. مسحة الحزن الوحيدة هي الإدراك أنه لم يعد موجوداً بيننا في الجسد؛ وفنجانه وركوة القهوة العربية موجودان هناك للذكرى التي يتعلّق بها محبّوه. رحت أحدّق فيهما وقد اجتاحتني مشاعر قويّة، فنجان وركوة فارغان من القهوة التي أحبّها كثيراً، وكم تمنّيت لو أنني أستطيع احتساء فنجان قهوة معه في تلك اللحظة لأسأله عن رأيه في ما يجري وفي ما ستؤول إليه الأمور.

أجريت، في إطار المهمة الصحافية التي أقوم بها، مقابلات مع بعض النساء المرموقات والنافذات في رام الله، وهن: الأيقونة الفلسطينية حنان عشراوي، والقاضية إيمان ناصر الدين، والموسيقية ريما ناصر ترزي. كل واحدة منهنّ قدوةٌ تحتذى، وقويّة كالجبال. يسري في عروقهن تاريخ نضال يطبع الفلسطينيين، والأهم من ذلك، يرسم مستقبلاً لامعاً ما دامت هؤلاء السيدات يتسلّمن الدفة ويعملن بلا كلل.

خاطبتني شوارع رام الله بطرق لا تجيدها أية مدينة أخرى. قالت لي "هذه فلسطين، مفعمة بالحياة والأمل بمستقبل أكثر إِشراقاً". في وجوه الباعة المتجوّلين والمارة العاديين، قرأت رسالة الحب وكرم الضيافة التي لا نجدها إلا عند الفلسطينيين. بعيداً من السياسة والمشكلات اليومية، هناك رغبة عميقة في الوجود، وإثبات أنفسهم كشعب شرط أن تُتاح لهم الفرصة!
2013-03-05