ارشيف من :أخبار لبنانية
قواعد «القوات» تتحدث اللغة «العونيّة»
أحمد محسن - صحيفة الاخبار
هل تغيّرت رؤيّة القواتيين ـ على مستوى القواعد ـ إلى الواقع اللبناني بعد «التحالف الكبير» المسمى «14 آذار»؟ ليس بالضرورة؛ ففي محطات كثيرة، تظهر نزعات «عونيّة» واضحة، في آراء الشارع المؤيد للقوات اللبنانيّة
لا يعاني العونيّون من «إسلاموفوبيا» طارئة. صحيح ان مقاربات التيار الوطني الحرّ، الداخليّة والخارجيّة، أثارت سجالاً في كثير من الأحيان، وصلت حد اتهامه بالعنصريّة أحياناً، لكن هذا ليس طارئاً. قد تكون هذه ثقافة التيار التي تبلورت تراكمياً، منذ أن خدم الجنود تحت إمرة الضابط ميشال عون، المقرّب من بشير الجميّل، مروراً بالحقبة الفرنسيّة للجنرال، وما تخللها من تعبئة ضدّ الوصاية التي تعد في القراءة الواقعيّة للحرب انتصاراً للفريق المعادي لليمين المسيحي، وصولاً إلى «الصدام المفيد» مع التحالف الرباعي في 2005. جاءت نتائج التحالف المذكور على مقاس الثقافة العونيّة تماماً، بينما وجد الخصم، وهو القوات اللبنانيّة، نفسه خارج الثقافة المسيحيّة المتوارثة. وجد القواتيّون أنفسهم في حلف مع وارثي عرّاب الطائف، الراحل رفيق الحريري. حلفٌ يوضح حزبيّون انه «اتفاق سياسي صرف لا يعني ذوبان القوات في المستقبل».
ولكن، شيئاً فشيئاً، بدأت الفجوة تتسع بين أدبيّات القوات، وإرثها الحربي المعزز بحنين خطابي يطغى على احتفالاتها، وبين سلوكها السياسي الواقعي، المرتبط بالتحالف الكبير. قبل الحديث عن «القوانين الانتخابيّة»، يجب الإشارة إلى نقطة مهمة. في صالونات القوات رغبة عارمة باستعادة النواب المسيحيين من تيار المستقبل، كي تستمر مقولة «أجيال تسلّم أجيال» ولا يبقى النواب أنفسهم إلى ما شاء الله. هذا «تحت الطاولة». إعلاميّاً، يبدو تحالف 14 آذار تحالفاً أبديّاً لا يمس. وبعد تفكيك العناصر المشكل منها، يبدو تفاهماً (آخر) بلا ورقة، ومن دون الجلوس في كنيسة.
ماذا عن «الغرباء»؟
هذا التحالف ينعكس على القواعد الطالبيّة للفريقين، الأكثر حماسة للأيديولوجيا والمقدّس فيها عادةً. ولكنه (التحالف) يأخذ هناك طابعاً فرضيّاً. القوات هي القوات بصليبها المشطوب و«صدمها» وإرثها الحربي. في الجامعات، كالأميركيّة واللبنانيّة الأميركيّة، ثمة تململ، بدأ يظهر أخيراً، على مستوى القواعد من «سطوة» تيار المستقبل واستخدامه خطاباً حريريّاً، لا يحفز «العصب المسيحي». العونيّون مرتاحون في حلفهم مع القطب الإسلامي الأكبر، ويقولون ما يشاؤون عن الفلسطينيين والسوريين، «الغرباء»، في القاموس اليميني المسيحي. حتى أن مسؤولاً طالبيّاً عونيّاً يقول: «لا أتخيّل نائباً عونيّاً في غزة، لا نثق بالفلسطينيين». ولكنه يتخيّل عون في صالون الرئيس السوري بشار الأسد، فالقوات: «شاركت في اعتصام رفعت فيه أعلام الثورة السوريّة». وهذا «الخطأ» استدركه النائب سامي الجميّل سريعاً، قائلاً إن «العلم السوري مرفوض في ساحة الشهداء وقرب السرايا الحكوميّة». القوات ابتلعت موسى «ثورة الأرز» قرب السرايا. ولكن محازبيها ساخطون حتى اليوم من ظهور علم «الثورة السوريّة» في وسط بيروت، وإن كان بينهم من يسوغ هذا بزيارة عون إلى قصر المهاجرين.
اقتراح قانون اللقاء الأرثوذكسي، ليس إلا وصولاً قواتياً متأخراً. إنه بمثابة العودة إلى الجذور التي توحّدت في رحابها البندقيّة المسيحيّة خلال سنوات القتال الأهلي. رئيس الهيئة التنفيذيّة في القوات اللبنانيّة أخذ القرار بالتماهي مع رغبة القواعد، لكنه حاول التنصل منه بالعودة إلى القانون المختلط. لكن انسحاب القوات من «الأرثوذكسي» على نحوٍ علني، سيعني شيئاً واحداً للقواعد القواتيّة: «التخلي عن مقاعد المسيحيين للسيد سعد الحريري المقيم في باريس»، كما يقول قواتيّون من الجبل «لم يهضموا وليد جنبلاط في حياتهم». لم يفت الوقت على القوات، وقد قدمت اقتراح قانون بدورها، لكن الشارع المسيحي عموماً، يفضل أن يختار نوابه بنفسه. يفضّل الانعزال، وإن كانت المفردة الأخيرة أغرقت اللبنانيين في حرب شعواء، وهذا واقع تطبقه «القوات» في الانتخابات الطالبيّة في الجامعات، وتعجز عن تطبيقه في الأماكن الأخرى. الوزير بطرس حرب تنبه إلى هذه العوامل «الانعزاليّة»، ودورها في «شحذ» الهمم الكامنة داخل الجماهير. سبق حرب العونيين في موضوع بيع الأراضي لغير المسيحيين، لكن الردّ العوني جاء سريعاً، من بلديّة الحدت، ولم يسع القواتيون مجدداً، إلا التصديق على الخيار العوني كي لا تثير حفيظة جماهيرها، كما فعلت في ذلك اليوم المشؤوم، 5 شباط 2006.
يومذاك، اقترب «الحكيم» من الصورة حتى صار الخروج منها مستحيلاً. دخل الإطار وأدخل معه الشق الشوفيني من التاريخ المسيحي، الملتصق باسم «القوات اللبنانيّة» وعلاقتها العضويّة بالأشرفيّة تحديداً، زاجّاً به للدفاع عن «غزوة الحلفاء». الأشرفيّة تعني الكثير للمسيحيين المعاصرين ثقافيّاً. إنها «أشرفيّة بشير» و«حرب المئة يوم». الأشرفيّة التي لم يدخلها الجيش السوري بعد حصار طويل. أشرفيّة الطبقتين الوسطى والسفلى مسيحيّاً، وينفلش أهلها على محيط «الغزوة» الراقي في «حي السراسقة» البورجوازي، وصولاً إلى مرتع الفقر القديم في كرم الزيتون.
انقطعت القوات يومذاك عن قواعدها الشعبيّة، وتردد كلام كثير بين مناصريها، يناقض ما قاله «القائد» عبر شاشات التلفزيون، ففيما كان السيد جعجع يحاول «تلطيف المشهد» كان محازبو القوات ومناصروها يرتعدون في منازلهم من رايات «لا إله إلا الله»، وهي تجوب المنطقة بدءاً بإشارة برج الغزال، مروراً (لرفع العتب) بالسفارة الدنماركيّة، وصولاً إلى ما بعد بعد التباريس. قيل يومها إن ذلك كان تمسكاً من القوات العائدة حديثاً إلى الضوء بالحليف المستقبلي. كانت 14 آذار في شبابها، ولكن التداعيات نامت في الشارع القواتي، وانفجرت خلال التظاهرة التي انطلقت للمطالبة بطرد السفير السوري، بعد 5 اعوام تماماً. رفض القواتيّون والكتائبيّون، تحديداً على مستوى الطلاب، أن ترفرف هذه الرايات مجدداً في سماء الأشرفيّة، خلال التظاهرة المطالبة بطرد السفير السوري. عندما شعر الطلاب بانجراف القيادة خلف خطاب سياسي أكثر منه عقائدياً، تدخلوا بحزم. خرجوا في الجامعة اليسوعيّة قائلين: نحن الصوت المسيحي. في مصلحة طلاب القوات اللبنانيّة، ستجد صقوراً يتحدثون لغة بشير الجميّل وحده. ستجد هؤلاء في التيار الوطني الحرّ أيضاً، بلا صعوبة تذكر، فالخطاب العوني، في ظاهره وفي باطنه، بات بشيريّاً أكثر من بشير نفسه. في 6 شباط 2006، أسّس العونيّون لنعمة التفاهم مع «الحزب الشيعي المعتدل»، والتصويب على التطرف الإسلامي المضاد. ويقول المتابعون إن فوز 14 في دائرة بيروت الثالثة سببه خدمات النائب ميشال فرعون، والوارث اللطيف نديم الجميّل، إضافة إلى ابنة الشهيد جبران تويني الودودة بدورها. في السياسة، المرشح على لائحة عون، مسعود الأشقر، أقرب إلى يوميات أهلها بكثير. في الأساس، كان فرعون حليف الحريريّة وما زال. ليست ثقافة المصوتين المنتصرة في الانتخابات دائماً. زيارة واحدة إلى ساحة ساسين تدل إلى هويّة عونيّة ــ قواتيّة يستحيل أن تكون قواتيّة ــ حريريّة أو فرعونيّة.
«أجانب» بطشيه والنازحون السوريون
وعلى مستوى القواعد الطالبيّة في القوات، أيضاً، يمكنك أن تلمس جواً معاديّاً للحريريّة تحت الطاولة. كثيرون من القواتيين راقهم تصريح النائب العوني جداً نبيل نقولا، عن يوم العطلة في 14 شباط. لم يجد نقولاً حرجاً في السأم من احتلال ذكرى الحريري للبلاد. يسأل قواتيّون: «لماذا لا تعترف الحريريّة ببشير الجميّل على ذات المستوى الإعلامي؟». والجميع يعلم أن مؤسس القوات، الكاريزماتي في عصره، لا يحظى بالقبول على مستوى الجماعة في الشارع السني. وهذا يغيظ القواتيين، تحت الطاولة دائماً. أعجب قواتيّون بخطاب نقولا، الرافض لتنصيب الحريري شهيداً مقدّساً، وهذا التباين بين القوات وشعبها، إن نام، فإنه يستيقظ فجأة. استيقظ في فرن الشباك، يوم اكتشف ما قيل إنه رسم لصليب على أحذية، داخل أحد المخازن، وهبّت فعاليّات فرن الشباك لنصرة الكنيسة. ولكن نقولا نفسه لم يفوّتها آنذاك، وزايد في مسيحيّته على القوات، موجهاً التحيات إلى مدير الأمن العام، عباس إبراهيم، لتجاوبه مع طلبات الأهالي. ويوم خرج الوزير جبران باسيل، في تصريحاته المعادية للنازحين السوريين، محرجاً حزب الله، أحرجت القوات مجدداً، خصوصاً أن من بين مناصريها من يدعو دائماً إلى «تطهير» مناطقها من «الاجانب» كما يحدث في برج حمود، وأخيراً في وادي شحرور، وبطشيه. لم ينطل الخطاب الإنساني على «القواعد»، ولم يظهر تصريح واحد قواتي يندد بخطاب باسيل، الذي بدوره لم يكترث لدعوة الأمين العام لحزب الله إلى استقبال النازحين السوريين، وأعاد تصريحاته المحذرة من النازحين. ندّد تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي بتصريحات باسيل، ولكن لماذا لم تندد القوات بعنصريّة الوزير؟ الجميع يعلم الإجابة. القوات تبتلع الموسى.
هل تغيّرت رؤيّة القواتيين ـ على مستوى القواعد ـ إلى الواقع اللبناني بعد «التحالف الكبير» المسمى «14 آذار»؟ ليس بالضرورة؛ ففي محطات كثيرة، تظهر نزعات «عونيّة» واضحة، في آراء الشارع المؤيد للقوات اللبنانيّة
لا يعاني العونيّون من «إسلاموفوبيا» طارئة. صحيح ان مقاربات التيار الوطني الحرّ، الداخليّة والخارجيّة، أثارت سجالاً في كثير من الأحيان، وصلت حد اتهامه بالعنصريّة أحياناً، لكن هذا ليس طارئاً. قد تكون هذه ثقافة التيار التي تبلورت تراكمياً، منذ أن خدم الجنود تحت إمرة الضابط ميشال عون، المقرّب من بشير الجميّل، مروراً بالحقبة الفرنسيّة للجنرال، وما تخللها من تعبئة ضدّ الوصاية التي تعد في القراءة الواقعيّة للحرب انتصاراً للفريق المعادي لليمين المسيحي، وصولاً إلى «الصدام المفيد» مع التحالف الرباعي في 2005. جاءت نتائج التحالف المذكور على مقاس الثقافة العونيّة تماماً، بينما وجد الخصم، وهو القوات اللبنانيّة، نفسه خارج الثقافة المسيحيّة المتوارثة. وجد القواتيّون أنفسهم في حلف مع وارثي عرّاب الطائف، الراحل رفيق الحريري. حلفٌ يوضح حزبيّون انه «اتفاق سياسي صرف لا يعني ذوبان القوات في المستقبل».
ولكن، شيئاً فشيئاً، بدأت الفجوة تتسع بين أدبيّات القوات، وإرثها الحربي المعزز بحنين خطابي يطغى على احتفالاتها، وبين سلوكها السياسي الواقعي، المرتبط بالتحالف الكبير. قبل الحديث عن «القوانين الانتخابيّة»، يجب الإشارة إلى نقطة مهمة. في صالونات القوات رغبة عارمة باستعادة النواب المسيحيين من تيار المستقبل، كي تستمر مقولة «أجيال تسلّم أجيال» ولا يبقى النواب أنفسهم إلى ما شاء الله. هذا «تحت الطاولة». إعلاميّاً، يبدو تحالف 14 آذار تحالفاً أبديّاً لا يمس. وبعد تفكيك العناصر المشكل منها، يبدو تفاهماً (آخر) بلا ورقة، ومن دون الجلوس في كنيسة.
ماذا عن «الغرباء»؟
هذا التحالف ينعكس على القواعد الطالبيّة للفريقين، الأكثر حماسة للأيديولوجيا والمقدّس فيها عادةً. ولكنه (التحالف) يأخذ هناك طابعاً فرضيّاً. القوات هي القوات بصليبها المشطوب و«صدمها» وإرثها الحربي. في الجامعات، كالأميركيّة واللبنانيّة الأميركيّة، ثمة تململ، بدأ يظهر أخيراً، على مستوى القواعد من «سطوة» تيار المستقبل واستخدامه خطاباً حريريّاً، لا يحفز «العصب المسيحي». العونيّون مرتاحون في حلفهم مع القطب الإسلامي الأكبر، ويقولون ما يشاؤون عن الفلسطينيين والسوريين، «الغرباء»، في القاموس اليميني المسيحي. حتى أن مسؤولاً طالبيّاً عونيّاً يقول: «لا أتخيّل نائباً عونيّاً في غزة، لا نثق بالفلسطينيين». ولكنه يتخيّل عون في صالون الرئيس السوري بشار الأسد، فالقوات: «شاركت في اعتصام رفعت فيه أعلام الثورة السوريّة». وهذا «الخطأ» استدركه النائب سامي الجميّل سريعاً، قائلاً إن «العلم السوري مرفوض في ساحة الشهداء وقرب السرايا الحكوميّة». القوات ابتلعت موسى «ثورة الأرز» قرب السرايا. ولكن محازبيها ساخطون حتى اليوم من ظهور علم «الثورة السوريّة» في وسط بيروت، وإن كان بينهم من يسوغ هذا بزيارة عون إلى قصر المهاجرين.
اقتراح قانون اللقاء الأرثوذكسي، ليس إلا وصولاً قواتياً متأخراً. إنه بمثابة العودة إلى الجذور التي توحّدت في رحابها البندقيّة المسيحيّة خلال سنوات القتال الأهلي. رئيس الهيئة التنفيذيّة في القوات اللبنانيّة أخذ القرار بالتماهي مع رغبة القواعد، لكنه حاول التنصل منه بالعودة إلى القانون المختلط. لكن انسحاب القوات من «الأرثوذكسي» على نحوٍ علني، سيعني شيئاً واحداً للقواعد القواتيّة: «التخلي عن مقاعد المسيحيين للسيد سعد الحريري المقيم في باريس»، كما يقول قواتيّون من الجبل «لم يهضموا وليد جنبلاط في حياتهم». لم يفت الوقت على القوات، وقد قدمت اقتراح قانون بدورها، لكن الشارع المسيحي عموماً، يفضل أن يختار نوابه بنفسه. يفضّل الانعزال، وإن كانت المفردة الأخيرة أغرقت اللبنانيين في حرب شعواء، وهذا واقع تطبقه «القوات» في الانتخابات الطالبيّة في الجامعات، وتعجز عن تطبيقه في الأماكن الأخرى. الوزير بطرس حرب تنبه إلى هذه العوامل «الانعزاليّة»، ودورها في «شحذ» الهمم الكامنة داخل الجماهير. سبق حرب العونيين في موضوع بيع الأراضي لغير المسيحيين، لكن الردّ العوني جاء سريعاً، من بلديّة الحدت، ولم يسع القواتيون مجدداً، إلا التصديق على الخيار العوني كي لا تثير حفيظة جماهيرها، كما فعلت في ذلك اليوم المشؤوم، 5 شباط 2006.
يومذاك، اقترب «الحكيم» من الصورة حتى صار الخروج منها مستحيلاً. دخل الإطار وأدخل معه الشق الشوفيني من التاريخ المسيحي، الملتصق باسم «القوات اللبنانيّة» وعلاقتها العضويّة بالأشرفيّة تحديداً، زاجّاً به للدفاع عن «غزوة الحلفاء». الأشرفيّة تعني الكثير للمسيحيين المعاصرين ثقافيّاً. إنها «أشرفيّة بشير» و«حرب المئة يوم». الأشرفيّة التي لم يدخلها الجيش السوري بعد حصار طويل. أشرفيّة الطبقتين الوسطى والسفلى مسيحيّاً، وينفلش أهلها على محيط «الغزوة» الراقي في «حي السراسقة» البورجوازي، وصولاً إلى مرتع الفقر القديم في كرم الزيتون.
انقطعت القوات يومذاك عن قواعدها الشعبيّة، وتردد كلام كثير بين مناصريها، يناقض ما قاله «القائد» عبر شاشات التلفزيون، ففيما كان السيد جعجع يحاول «تلطيف المشهد» كان محازبو القوات ومناصروها يرتعدون في منازلهم من رايات «لا إله إلا الله»، وهي تجوب المنطقة بدءاً بإشارة برج الغزال، مروراً (لرفع العتب) بالسفارة الدنماركيّة، وصولاً إلى ما بعد بعد التباريس. قيل يومها إن ذلك كان تمسكاً من القوات العائدة حديثاً إلى الضوء بالحليف المستقبلي. كانت 14 آذار في شبابها، ولكن التداعيات نامت في الشارع القواتي، وانفجرت خلال التظاهرة التي انطلقت للمطالبة بطرد السفير السوري، بعد 5 اعوام تماماً. رفض القواتيّون والكتائبيّون، تحديداً على مستوى الطلاب، أن ترفرف هذه الرايات مجدداً في سماء الأشرفيّة، خلال التظاهرة المطالبة بطرد السفير السوري. عندما شعر الطلاب بانجراف القيادة خلف خطاب سياسي أكثر منه عقائدياً، تدخلوا بحزم. خرجوا في الجامعة اليسوعيّة قائلين: نحن الصوت المسيحي. في مصلحة طلاب القوات اللبنانيّة، ستجد صقوراً يتحدثون لغة بشير الجميّل وحده. ستجد هؤلاء في التيار الوطني الحرّ أيضاً، بلا صعوبة تذكر، فالخطاب العوني، في ظاهره وفي باطنه، بات بشيريّاً أكثر من بشير نفسه. في 6 شباط 2006، أسّس العونيّون لنعمة التفاهم مع «الحزب الشيعي المعتدل»، والتصويب على التطرف الإسلامي المضاد. ويقول المتابعون إن فوز 14 في دائرة بيروت الثالثة سببه خدمات النائب ميشال فرعون، والوارث اللطيف نديم الجميّل، إضافة إلى ابنة الشهيد جبران تويني الودودة بدورها. في السياسة، المرشح على لائحة عون، مسعود الأشقر، أقرب إلى يوميات أهلها بكثير. في الأساس، كان فرعون حليف الحريريّة وما زال. ليست ثقافة المصوتين المنتصرة في الانتخابات دائماً. زيارة واحدة إلى ساحة ساسين تدل إلى هويّة عونيّة ــ قواتيّة يستحيل أن تكون قواتيّة ــ حريريّة أو فرعونيّة.
«أجانب» بطشيه والنازحون السوريون
وعلى مستوى القواعد الطالبيّة في القوات، أيضاً، يمكنك أن تلمس جواً معاديّاً للحريريّة تحت الطاولة. كثيرون من القواتيين راقهم تصريح النائب العوني جداً نبيل نقولا، عن يوم العطلة في 14 شباط. لم يجد نقولاً حرجاً في السأم من احتلال ذكرى الحريري للبلاد. يسأل قواتيّون: «لماذا لا تعترف الحريريّة ببشير الجميّل على ذات المستوى الإعلامي؟». والجميع يعلم أن مؤسس القوات، الكاريزماتي في عصره، لا يحظى بالقبول على مستوى الجماعة في الشارع السني. وهذا يغيظ القواتيين، تحت الطاولة دائماً. أعجب قواتيّون بخطاب نقولا، الرافض لتنصيب الحريري شهيداً مقدّساً، وهذا التباين بين القوات وشعبها، إن نام، فإنه يستيقظ فجأة. استيقظ في فرن الشباك، يوم اكتشف ما قيل إنه رسم لصليب على أحذية، داخل أحد المخازن، وهبّت فعاليّات فرن الشباك لنصرة الكنيسة. ولكن نقولا نفسه لم يفوّتها آنذاك، وزايد في مسيحيّته على القوات، موجهاً التحيات إلى مدير الأمن العام، عباس إبراهيم، لتجاوبه مع طلبات الأهالي. ويوم خرج الوزير جبران باسيل، في تصريحاته المعادية للنازحين السوريين، محرجاً حزب الله، أحرجت القوات مجدداً، خصوصاً أن من بين مناصريها من يدعو دائماً إلى «تطهير» مناطقها من «الاجانب» كما يحدث في برج حمود، وأخيراً في وادي شحرور، وبطشيه. لم ينطل الخطاب الإنساني على «القواعد»، ولم يظهر تصريح واحد قواتي يندد بخطاب باسيل، الذي بدوره لم يكترث لدعوة الأمين العام لحزب الله إلى استقبال النازحين السوريين، وأعاد تصريحاته المحذرة من النازحين. ندّد تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي بتصريحات باسيل، ولكن لماذا لم تندد القوات بعنصريّة الوزير؟ الجميع يعلم الإجابة. القوات تبتلع الموسى.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018