ارشيف من :أخبار لبنانية

8 آذار: المستفيدون من ظواهر التطرف بدأوا يخسرون ويعيدون الحسابات!

8 آذار: المستفيدون من ظواهر التطرف بدأوا يخسرون ويعيدون الحسابات!


ابراهيم بيرم - صحيفة "النهار"


يمكن الشيخ احمد الاسير ان يتباهى أنه نجح وجماعته، بعد ظهر الاحد الماضي، في أن يخترق "بحرفية" الاجراءات والتدابير الأمنية المكثفة التي أقامها الجيش من حوله، ووصل الى ساحة النجمة في صيدا ليضرب عصفورين بحجر واحد. الاول أن يأخذ من "وهج" التظاهرة الحاشدة التي نظمها "التنظيم الشعبي الناصري" ظهر اليوم نفسه، وان يبدّد الى حد بعيد التحفز الرسمي العالي الوتيرة والذي كانت ذروته اجتماع المجلس الأعلى للدفاع.

لكن واقع الحال هذا لا يعني اطلاقاً وفق قراءة قوى اساسية في 8 آذار ان الشيخ المثير للضجة قد ربح على المستوى البعيد وان الجهات المعروفة التي سارعت الى بسط غطائها السياسي عليه قد بلغت مبتغاها، لا بل ان الأحداث المتسارعة على الساحة السنّية خلال الايام القليلة الماضية حفلت بالعديد من المظاهر غير السليمة وغير الصحية خصوصاً على المدى البعيد.

في قراءة هذه القوى ان الفريق الذي أفرد جناحه طويلاً على الساحة السنية وهو تيار "المستقبل" غض الطرف عن ظاهرة الشيخ الاسير وسواها من مظاهر مماثلة في الشمال والبقاع الاوسط، بل رحّب بها ضمناً، انطلاقاً من حسابات عدة لديه:
- ان في امكان هذه الظواهر ان "تصدح" علانية بما لا يستطيع هو نطقه لاسيما بعدما قدم نفسه حالة سياسية مدنية عابرة للمشاعر الطائفية والمذهبية. وهذا الأمر يحقق له هدفين في آن، اولهما انه يقف في وجه خصومه ولا سيما الخصم الألد "حزب الله" عسكرة في الشارع.
- ان في امكان "المستقبل" ان يلوح بورقة هذه الظواهر السلفية النامية والتي لا تقف عند خطوط حمر في ممارساتها وفي خطابها، وبالتالي يقول بصراحة لمن يشكو ويتخوف "هذا بديلنا ما دمتم لا تقبلون بنا، وما دمتم انتزعتم منا الحكم فاحتملوه ان كنتم قادرين".
- ان هذه الظواهر ذات الخطاب المتطرف والتصرفات السلبية الرعناء في احيان كثيرة، هي ايضا جاهزة للاستخدام كفزاعة في وجه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وكل من هم خارج جاذبية تيار "المستقبل" في الساحة السنية، وحتى من قوى ورموز دينية، وابرز امثلة على ذلك الاعتداء على موكب الوزير فيصل كرامي في طرابلس، وعلى خطيب مسجد محمد الامين احد اركان دار الفتوى الجمعة الماضي.

وهكذا اقام "المستقبل" على اعتقاد واضح فحواه ان هذه الظواهر المتمددة والنابتة سريعاً ستكون عونه على خصومه وعصاه الغليظة في وجوههم لاشغالهم واستنزافهم دون ان يكون هو في الواجهة او يتحمل التبعات.
لكن السؤال المطروح: هل ما زالت "معادلة" الجني من دون زرع والربح من دون صرف قائمة وممكنة بعد التطورات والأحداث الاخيرة في عبرا وصيدا يومي السبت والاحد الماضيين وما تبعها وسبقها من تطورات دراماتيكية؟

في الأسابيع القليلة الماضية ولاسيما بعد التصدع الذي اصاب قوى 14 آذار، ثمة بين الظواهر السلفية الناشئة والمتنامية من بدأ يقارب الامور على اساس ان الساحة السنية تعاني من حال فراغ زعاماتي، لذا بدأ يرفع صوته بالحديث عن الطائفة المهمشة والمضطهدة.

وفي رأي المصادر نفسها ان هذا يعني ان "الاستفادة" من هذه الظواهر قد بدأ ينتهي، لأن هذه الظواهر بدأت تتصرف على اساس انها تسعى لملء فراغ حاصل.

وحيال ذلك بات تيار "المستقبل" امام خيارين احلاهما مر: اما المسارعة الى تغطية هذه الظواهر لنيل رضاها ورضى شارعها، واما الافتراق عنها وتركها في البداية وحيدة مع خطاب متشدد متفلت بلغ حد التهديد باطلاق فتاوى "جهادية" ضد الجيش وهو امر اعطى مفعولاً وتداعيات في امكنة لم تكن في الحسبان، خصوصاً لدى المسيحيين.
ولا ريب ان ثمة في اوساط قوى 8 و14 آذار على حد سواء من بات يربط بين سريان هذه المشاعر لدى المسيحيين وبين نتائج انتخابات المجلس البلدي في القبيات في عكار حيث كان السقوط مدوياً للنائب هادي حبيش ولتيار "المستقبل" لاعتبار اساسي هو ان هذه البلدة المعروفة تاريخياً بتماهيها مع المؤسسة العسكرية لا تقبل اطلاقا التهجم عليها.

وفوق ذلك كله، بدا واضحاً ان "حزب الله" والرئيس بري، رفعا في الايام القليلة الماضية من منسوب المخاوف في صيدا والجنوب والبلاد عموماً من خلال التحذير الذي أطلقاه من تحركات الاسير ومن تداعياتها السلبية المحتملة وذلك على نحو وضع الحكومة واجهزتها امام مسؤوليات جسام، ووضع الاستقرار في البلاد فوق صفيح ساخن زاد معه منسوب المخاوف من فتنة حقيقية.

هذا الواقع المستجد، ولاسيما بعدما كثّف الجيش اجراءاته في صيدا ومحيط مسجد الأسير في عبرا، وضع حركة الأسير امام مأزق صعب او امام حائط مسدود، ذلك ان مضيه قدماً سيفتح الأوضاع كلها على المجهول وسيجعله في مواجهة مباشرة مع الجيش وتراجعه يعني ضربة كبرى له ولمن غطّاه، الى درجة ان ثمة من بدأ يتحدث عن ضرورة ايجاد مخرج له ينزله عن شجرة التصعيد والتوتير التي ارتقى الى اعلاها. وثمة من يرى ان الرئيس بري اضطلع بدور رائد في وضع الجميع امام امر واقع صعب، عندما كبّر المخاوف الامنية وجعل الاستقرار مسألة لها الاولوية على ما عداها وحتى الانتخابات النيابية.

والذين هم على تواصل مع مناخات بري يعرفون ان الرجل المخضرم ما كان الا في موقع الهجوم على الآخرين والخصوم السياسيين في تيار "المستقبل" وعلى الرئاستين الاولى والثانية اللتين بدتا في بعض المحطات وكأنهما تديران الظهر عن قصد لساحة مأزومة. في كل الأحوال فان القوتين الشيعيتين الأساسيتين تعتبران انهما ردتا الصاع صاعين للذين سعدوا بظواهر التطرف تنمو وتأخذ "مجدها" في الساحات في صيدا وبيروت، وهما بانتظار المزيد لأنهما يعتبران ان المعركة لم تضع اوزارها بعد.

2013-03-06