ارشيف من :أخبار لبنانية

أول غيث سفراء الغرب: لا تستنتجوا خطأ

أول غيث سفراء الغرب: لا تستنتجوا خطأ
نقولا ناصيف ـ صحيفة الاخبار

لم يكن موقف السفيرة الأميركية مورا كونيللي، الإثنين الماضي، من انتخابات 2013 والإصرار على إجرائها في مواعيدها، الأول لممثل دولة كبرى والأول لممثل دولة غربية. لثلاثة أشهر خلت، في حمأة الخلاف على قانون جديد للانتخاب، سمع المسؤولون الرسميون من سفراء غربيين، وأخصّهم سفراء الاتحاد الأوروبي إلى ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان، كلاماً متقدّماً في الحضّ على إجراء الانتخابات في مواعيدها المقرّرة. بعض تلك المواقف ظهر إلى العلن والبعض الآخر اقتصر على الاجتماعات، بيد أن ضجة من حول هؤلاء لم تُثر على غرار ما تلا أول تعليق عال النبرة في بيان مكتوب لكونيللي.
كان وزير أوروبي بارز زار بيروت قبل أسابيع قال للمسؤولين إنه يخشى من أن يخدش عدم إجراء الانتخابات النيابية شرعية النظام اللبناني الموصوف بمحافظته على التقاليد الديموقراطية، ويعرّضها للتساؤل حيال المجتمع الغربي. كانت تلك الإشارة الأولى الجادة وجرس إنذار إلى موقف غربي قد يربط شرعية النظام والمؤسسات اللبنانية ـــ أو بعضها بحسب الوزير الأوروبي الزائر ـــ بعدم إجراء الانتخابات. في الساعات الماضية تحدّث سفير أوروبي إلى مسؤول رسمي، مكمّلا ما أدلت به السفيرة الأميركية، قائلاً لمحدثه إن ليس لحكومته وللاتحاد الأوروبي موقفا مباشرا من قانون 2008 وهي لا تدعو إليه ولا تطلب مقاطعته، بل تحرص على المسار الديموقراطي وتداول السلطة في لبنان.
قال له أيضاً: لا تستنتجوا خطأ، ولا تفسرّوا مواقفنا خلافاً لما تتوخاه. لسنا مع هذا القانون أو مع سواه. جرّبونا. أنجزوا قانوناً آخر وراقبوا موقفنا. لن نكون معنيين به. لن ننتقده ولن نرحب به. هدفنا إجراء الانتخابات ودعمها، وليس سوى ذلك.
لكن تصاعد النبرة حيال موقف كونيللي يشير إلى بضعة معطيات:
أولها، أنه الأول للإدارة الأميركية حيال استحقاق لبناني تفاقم الجدل الداخلي والإنقسام من حوله، وبات تحت وطأتهما يُنظر إلى تأجيل الانتخابات على أنه حقيقية واقعة. في الشهرين المنصرمين وُجّهت مآخذ إلى السفيرة الأميركية على أنها أقل نشاطاً من زملائها في مقاربة انتخابات 2013، رغم زياراتها وتحركها لدى المسؤولين والوزراء والقيادات السياسية، في السلطة وفي المعارضة، من غير أن تخوض معهم في مصير الانتخابات واتخاذ موقف مباشر منها على نحو ما حدث الإثنين. في المقابل، ملأ السفراء الأوروبيون الشاشات يتحدّثون في الأمر.
في جانب من التبرير الذي قدّمه الأميركيون لهذا الترّيث، انتظار انتهاء الإنتقال من ولاية إلى أخرى وانتظام عمل الإدارة الأميركية الجديدة، ناهيك بغياب السفيرة عن لبنان بعض الوقت، ثم رغبتها بعد عودتها إلى بيروت ـــ وكذلك واشنطن ـــ في عدم استعجال الخوض في انتخابات 2013 كي لا يُستشم تدخلاً في شأن داخلي لبناني. كان في جانب آخر من التريث عدم وجود تعليمات مبكرة من الإدارة بإزاء هذا الموضوع.
ثانيها، بعد ردود الفعل الأخيرة على موقف كونيللي، أبرَزَ ديبلوماسيون أوروبيون للمسؤولين شكواهم من أن الأفرقاء اللبنانيين، في المعسكرين المتنافسين، لم يتلقفوا رسالتهم بالإصرار على إجراء الانتخابات في موعدها، بل تجاهلوها وحالوا دون التفاهم على قانون جديد للانتخاب. ساء هؤلاء أن الرسالة لم تصل إلى أصحابها. غير أن انطباعات المسؤولين اللبنانيين تشير إلى توقّع تصاعد نبرة المواقف الغربية، وأخصّها الأوروبية، من انتخابات 2013، كان بيان السفيرة الأميركية من عين التينة في صلبها، كي تتخذ في الأيام المقبلة لهجة الضغط والتشديد على احترام المسار الديموقراطي، بعدما اكتفى السفراء حتى هذا الوقت بإبداء الإهتمام ليس إلا.
ثالثها، في تشاورها المباشر مع قيادات مسيحية، بعضها كان معلناً والبعض الآخر بقي طيّ الكتمان، ركزت كونيللي على ملاحظات منها:
ـــ لم ترَ بعد أسباباً وجيهة لتأجيل الانتخابات بما فيها الدوافع الأمنية، وهي لا تجد مبرّراً للجدل الدائر حول تأجيل مؤقت من غير أن يكون ثمّة سبب حقيقي له. أصرّت على إجراء الانتخابات في موعدها سواء بالقانون النافذ أو بقانون آخر يُتفق عليه. لكن الأصل في الموقف عدم إهدار تداول السلطة. قالت السفيرة لبعض مَن حدّثتهم إن واشنطن لا يسعها ـــ وهي تؤكد دعمها استقلال لبنان وسيادته وحريته ـــ إلا أن تصر على إجراء الانتخابات في موعدها، وهو يمثل جزءاً لا يتجزأ من موقف الإدارة حيال هذا البلد.
ـــ إصرار الولايات المتحدة على إجراء الانتخابات يضاهيه تحفظها عن تأجيل إداري لها وإن لوقت قصير، وهي تخشى من أن يفتح احتمال تمديد ولاية مجلس النواب الباب على تعميمه في استحقاقات وطنية ودستورية أخرى، لا يسع واشنطن إلا اتخاذ موقف موحّد ومتطابق منها لا يستثني مؤسسة من سواها، وهو تداول السلطة بغية المحافظة على المسار الديموقراطي وتفادياً لإعطاب المؤسسات الدستورية الأخرى.
يتقاطع هذا الموقف مع ما سمعه رئيس حزب مسيحي من ديبلوماسي أميركي رفيع في مكالمة هاتفية أواخر الشهر الماضي، لفته فيها إلى أن الإدارة لا تريد أن يشهد لبنان في انتخابات الرئاسة المقبلة تداعيات مشابهة لما أدى إليه آخر تمديد لرئيس لبناني عام 2004 ، والإنقسام الذي تسبّب به، ثم في ما بعد تداعيات ما حدث عند انتهاء تلك الولاية، والفوضى التي تلتها وأوجبت تدخلات خارجية متشعبة عام 2008.
ـــ لم تكن واشنطن بعيدة، ولا سفراء أوروبيين آخرين، عن الترحيب بتوقيع رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي مرسوم دعوة الهيئات الناخبة في خطوة أولى عبّرت عن تمسكهما بإجراء الانتخابات في موعدها، بعد أكثر من اتصال، في أوقات متفاوتة، أجروه بالرئيسين لحضهما على الإصرار على موقفيهما المعلنين من الانتخابات، وكذلك تجنباً لتداعيات سياسية وأمنية واقتصادية. أوجدوا أكثر من رابط بين الإستقرار وإجراء الانتخابات. كلاهما يكمّل الآخر ولا يتعارض معه.
ـــ ترمي الاتصالات التي يجريها الديبلوماسيون الغربيون بالمراجع والقيادات اللبنانية إلى استعجالهم الاتفاق على قانون جديد للانتخاب ما داموا اجتمعوا على رفض قانون 2008. إلا أن عدم توافقهم عليه وإهدار الوقت حتى الوصول إلى موعد الانتخابات ينبغي أن لا يؤول إلى تأجيلها أو التمديد للمجلس، بل إلى إخضاعها لأحكام القانون النافذ.
2013-03-07