ارشيف من :أخبار لبنانية
أميركـا والقـوى المتصارعـة فـي مصـر
سمير كرم - صحيفة "السفير"
إن الولايـات المتحـدة لا يعنيهـا إلا أن تصـون مصالحهـا في مصـر، بصـرف النظر عن القوة السياسية التي تتولى السلطة وتملك صنع القرار
عندما غادر جون كيري، وزير الخارجية الاميركي الجديد، مصر ترك وراءه شعوراً بعدم الارتياح لدى «الإخوان المسلمين». وترك شعوراً بعدم الارتياح لدى المعارضة المصرية المناهضة لـ«الإخوان المسلمين». وتدل تصريحاته وتصريحات السفارة الاميركية في القاهرة على ان وزير الخارجية الاميركي غادر القاهرة من دون شعور مماثل بعدم الارتياح في ما يتعلق بالمصالح الاميركية.
ترك كيري القاهرة لإكمال جولته في منطقة الشرق الاوسط، مطمئناً الى انه أتم مهمته الديبلوماسية ـ انما السياسية بالدرجة الاولى ـ، على النحو الذي يمكن ان يعود به الى واشنطن بما هو مطلوب منه من معلومات عن الوضع المضطرب الذي يدعو للتساؤل عن المستقبل القريب في مصر. بل الواقع ان كيري ترك القاهرة ولديه شعور قوي بأنه لا معنى لأي قلق اميركي اذا حلت قوى المعارضة السياسية او حل الجيش في مصر محل «الإخوان» في السلطة.
غادر كيري القاهرة مطمئناً الى ان مركز الولايات المتحدة في العلاقات مع مصر مركز ثابت، لا ينتظر ان يتغير أياً كانت السلطة التي يمكن ان تحل محل «الإخوان المسلمين»، اذا تحققت فرضية سقوط حكم «الإخوان»، سواء لتحل المعارضة محلهم في السلطة بقوة التظاهرات في الشارع المصري او تحت ضغط حركة العصيان المدني، التي تجد الأبواب مفـتوحة امامها كسبـيل الى الإطاحـة بحكـم «الإخـوان»، او لتحل قوة «الجيش» محلهم بدعـوة من الشـارع المـصري في حالة ثبت ان المعارضة غير قادرة على إزاحة «الإخوان المسلمين» من السلطة، وأن الجيش لم يعد قادراً على الوقوف جانباً في مركز المتفرج على الأحداث.
كيف يمكن الخروج بمثل هذه الا
ستنتاجات وقد رأينا بأعيننا التظاهرات المناهضة لجون كيري امام وزارة الخارجية المصرية؟ وكيف يمكن تأكيد أي من هذه الاستنتاجات وقد عرفنا ان المعارضة ـ المتمثلة في «جبهة الإنقاذ» ـ اعتبرت ان اتخاذ موقف اقرب الى جماهير الشارع المصري يقتضي منها اتخاذ موقف معارض لوزير الخارجية الاميركي فقاطعته، وهو الذي أبدى اهتماماً قوياً بأن يلتقي زعماء المعارضة السياسيين والشعبيين، والنتيجة انه لم يلتق إلا بواحد من قادتها الرئيسيين هو عمرو موسى، بالإضافة الى عدد آخر من القيادات من الصف الثاني؟
لقد اشعل شباب الحركة الثورية خلال تظاهراتهم امام الخارجية المصرية صور كيري وداسوها بأقدامهم، ورفعوا لافتات تعلن رفضهم زيارته لمصر. والأهم من تلك التظاهرات المناهضة لشخص الوزير الاميركي فإن الشبان الثوريين المصريين رددوا هتافات واضحة العداء للولايات المتحدة وإسرائيل. وقد جاءت هذه الهتافات مخالفة لقناعات الوفد المرافق لكيري بأن التظاهرات موجهة ضد زيارة الوزير وليس ضد الولايات المتحدة على وجه التحديد. فقد مالت تفسيرات الوفد الاميركي الى اعتبار ان التظاهرات الشبابية المصرية أرادت فقط إظهار اعتراضها على الزيارة، لأن الشباب الثوري اعتبر ان كيري انما جاء لإظهار تأييد اميركي لـ«الإخوان المسلمين» وسلطتهم وسياساتهم في مجموعها وباستثناءات محدودة. هذا في الوقت الذي دلت ردود الفعل الإخوانية على الزيارة على ان «الإخوان المسلمين» لم يرتاحوا اليها ولا الى حرص الوزير كيري على الالتقاء بممثلي المعارضة حتى بعد ان اعلنت المعارضة مقاطعتها له (...).
مصادر اميركية قريبة من كيري قالت إنه سعى الى إقناع الرئيس المصري محمد مرسي بضرورة الاستجابة لمطالب المعارضة وذلك بتشكيل «حكومة توافق وطني تضم القوى السياسية كافة»، الامر الذي يمكن ان يسهل الموافقة على قرض «صندوق النقد الدولي» الذي طلبته مصر. وقد لوحظ ان تصريحات كيري غلب عليها الاهتمام بالجانب الاقتصادي، ووصل الى نقطة دعا عندها حكومة «الإخوان المسلمين» والمعارضة الى «التوصل الى ارضية مشتركة من اجل العمل لدعم الاقتصاد المصري».
وعلى الصعيد السياسي فإن كيري اهتم بأن يوجه الشكر الى الحكومة المصرية (الإخوان) والى الرئيس الإخواني مرسي على الجهد الذي بذل من اجل التوصل الى هدنة ووقف لإطلاق النار بين اسرائيل وحماس في غزة. وأشار الى استمرار جهود مرسي وحكومة الإخوان من اجل استمرار هذا الوضع.
فإذا عدنا الى التساؤل بعد هذا عن السبب الذي يجعل حكومة «الإخوان» قلقة والمعارضة المصرية قلقة، وكذلك الأسباب التي تجعل كيري يغادر مصر من دون ان يستبد به أي قلق من هذا القبيل، فإننا نجد التفسير الصريح لذلك في اقوال عضو في الوفد الاميركي - خارج اطار التصريحات الرسمية انما في حدود شخـصية بحتة -، فلقد اوضح هذا العضو ان الولايات المتحدة لا يعنيها إلا أن تصون مصالحها في مصر، بصرف النظر عن القوة السياسية التي تتولى السلطة وتملك صنع القرار.
ولا بد ان نلاحظ من تصريحات هذا العضو في الوفد الاميركي انه اعتبر ان تصريحات شباب المعارضة تركزت بشكل خاص على مهمة الوزير كيري في مصر، ولم تهتم كثيرا حتى بالهتافات التي رددوها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد ظهر من هذه التصريحات ان الوفد الاميركي إنما يعتقد انه سواء بقي «الإخوان» في السلطة بعد الانتخابات النيابية القادمة، او تولت السلطة قوى المعارضة التي تناهض الطريق الاخواني في السياسة الداخلية والخارجية، فإن العلاقات بين مصر والولايات المتحدة ستبقى وستصان.
ان الولايات المتحدة تعتقد أن الاطراف المرشحة للسلطة المصرية في المرحلة القادمة تبدي حرصاً على العلاقات مع إسرائيل مستمداً من حرصها على العلاقات مع اميركا. وبعبارة اكثر صراحة فإن الشروط الموضوعية التي تفرض على كل من هذه الاطراف حرصاً على استمرار السلام مع اسرائيل، تبني هذا الموقف على اقتناع واضح وصريح بأن العلاقات مع الولايات المتحدة لازمة لاعتبارات اقتصادية واستراتيجية، وفي الوقت نفسه لاعتبارات «اسرائيلية». وعندما يسأل الدبلوماسي الاميركي عن السبب في ان هذا العامل الاسرائيلي في السياسة الاميركية في «الشرق الاوسط» يبدو أكثر ثباتاً من اي عامل آخر فإنه يجيب بأن العامل نفسه ـ اسرائيل ـ يبدو على الدرجة نفسها من الثبات للاطراف الشرق اوسطية نفسها، بصرف النظر عن وجود علاقات رسمية مع إسرائيل او عدم وجودها.
لهذا فإن وزير الخارجية الاميركي الجديد غادر القاهرة بعد اول زيارة لها ـ وهو الذي زار القاهرة مرات عديدة من قبل كرئيس للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ـ مطمئناً الى ان الاهداف الاميركية المتعلقة بسياسات مصر الخارجية وخاصة بشأن اسرائيل ثابتة في كل الأحوال، تماماً كما ان سياسات اميركا الخارجية في هذه المنطقة ثابتة في كل الأحوال.
وقد بدا حرص من الوفد الاميركي ـ ابتداء من الوزير كيري الى بقية الديبلوماسيين، بمن فيهم المعينون في السفارة الاميركية ـ على ان لا تبدو الولايات المتحدة اكثر ميلا الى اي من الاطراف المصرية المرشحة لتولي السلطة في مصر في الفترة المقبلة. ان الجميع يبدون على درجة عالية من الاطمئنان الى ان المصالح الاميركية مصونة في كل الاحوال. لم يؤثر في هذا الاطمئنان ان كيري وصل الى القاهرة والتظاهرات منتشرة في انحاء كثيرة من مصر، تدعو بصفة خاصة الى تولي الجيش المسؤولية، باعتبار ان ذلك أقرب الى تحقيق استقرار يمكن في ضوئه معالجة المشكلات الأمنية والاقتصادية والسياسية.
هكذا يمكن التأكيد بأن كلا من الاطراف المصرية، التي اهتم كيري باستطلاع رأيها ومعلوماتها بشأن العلاقات مع الولايات المتحدة ومع اسرائيل، خرجت من المحادثات معه قلقة على الموقف الاميركي منها، في حين ان الوزير الاميركي نفسه لم يبد اي قدر من القلق على المصالح الأميركية.
يبقى من بين الاطراف المرشحة للسلطة في مصر الجيش. وقد حرص الجيش كما حرص وزير الخارجية الاميركي على ان يلتقيا مباشرة في القاهرة. وتفسير هذا انه عدم اكتفاء بالاتصالات القائمة بين الطرفين، سواء في واشنطن او من خلال زيارات اخرى تقوم بهـا القيادات العسكرية الاميركية لمصر على فترات متقاربة. ويعني هذا ان الطرفين حريصان على ترك انطباع لدى الآخرين بأن بينهما علاقة تتيح التنسيق على مستوى له علو مستوى وزير الخارجية الاميركي، ومستوى القائد العام للقوات المسلحة المصرية وزير الدفاع. وقد صرح ناطق باسم الجيش الاسرائيلي في يوم لقاء كيري والسيسي بأن إسرائيل لن تواجه حرباً مع مصر في المستقبل القريب، وذلك لأول مرة منذ قيام إسرائيل العام 1948.
ولا بد أن الوزير الامـيركي غـادر القاهـرة مدركاً مدى ما تركه من قلق لدى الاطراف المصرية المرشـحة للسلطة.
نبقى بانتظار تصريحات كيري بعد العودة الى واشنطن.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018