ارشيف من :أخبار لبنانية
هكذا يصبح جعجع.. «وليد جنبلاط الثاني»
كلير شكر - صحيفة "السفير"
يبدو العماد ميشال عون أكثر حماسة من أي وقت مضى للوقوف على حلبة المصارعة النيابية، لا بل يدفع باتجاه طرح «الأرثوذكسي» على الهيئة العامة، اعتقاداً منه أّنّها الفرصة اليتيمة للتخلّص من أكلاف «الستين». الرئيس نبيه بري ما زال مقتنعا بوجود فرصة توافقية، غير أن «الجنرال» لا يوافقه الرأي وهو متيقن من أنّ الاقتراح «الأرثوذكسي» المستظل بفيء بكركي، هو خشبة خلاص المناصفة.
أما أمين الجميل، فمحتار بين «براغماتيته» المتمسّكة بحبال «تيار المستقبل» الرقيقة، وبين اندفاعة سامي للتحرّر من أثقال دوائر انتخابية تكبله بـ«القيود الزرقاء».
وها هو سمير جعجع يحسبها على الورقة والقلم، قبل أن يقول كلمته الأخيرة. يعرف خصوم الرجل كما حلفاؤه أنّه لم يمنح ضوءه الأخضر في ذلك اللقاء المسائي في بكركي، إلا بعد غربلة «بذوره» جيداً، بحلوها ومرّها، بالفوائد التي سيقدمها وبالخسائر التي سيتكبدها.
حتى أيام قليلة، ما كان الحلفاء الزرق ليصدقوا أنّ سمير جعجع قد ينتفض عليهم. أمين الجميل قد يفعلها. طلعات ونزلات ابنه سامي، أكثر من مؤشر على اهتزاز العلاقة. ولكن كيف يمكن لقائد معراب أن ينقلب عليهم في تلك الليلة الحالكة، ويمنح بركته لاقتراح اللوائح الصافية مذهبياً؟
حتى اللحظة، يعتقد «القواتيون» أنّ ردة فعل «الحريريين» كما المسيحيون «المستقلون»، كانت بغير محلها. لم يتوقعوا منهم هذه النبرة العالية في الاحتجاج على التحاقهم بـ«قطار الأرثوذكسي». ومع ذلك لم يندموا على خطوتهم... ويدركون أنّ ما أفسده زمن القانون، تصلحه الانتخابات.
قبل يومين، كان «الخبير الانتخابي الأزرق» أحمد فتفت على رأس وفد «مستقبلي» في معراب، متأبطاً اقتراح فريقه بـ37 دائرة انتخابية «أكثرية» النظام، محاولاً إقناع سمير جعجع بالعودة إلى «بيت الطاعة» الآذاري. من بعده استضافت المائدة «القواتية»، ليل أمس الأول، الرئيس فؤاد السنيورة على مأدبة العشاء، بحضور مستشار الرئيس الحريري الدكتور محمد شطح والنواب احمد فتفت وجورج عدوان وايلي كيروز.
الرجلان اللذان يفتقدان كيمياء الصداقة، جمعهما الخبز والملح الانتخابي. تجاوزا جفاء الماضي، ليناقشا آخر المشاريع. تبادلا المعلومات حول الاتصالات «المستقبلية» «الاشتراكية» وبين «القوات» والرئيس بري، ولعل أهم ثمار الجلسة، «التوافق على الاقتراح المختلط»، فقد اعتبر المجتمعون في بيان رسمي أنّ «الصيغة الأمثل في الوقت الحاضر هي صيغة القانون المختلط»، مشيرين إلى ضرورة «التوصل إلى قانون انتخاب جديد بتوافق الكتل النيابية كافةً»، مشددين على ضرورة إجراء الانتخابات النيابية في مواعيدها القانونية والدستورية» وتم التفاهم على آليات يومية للتواصل بين الجانبين.
السباحة عكس التيار
عملياً، يمكن لأي قراءة باردة وعقلانية، أن تبرر الاندفاعة «القواتية» إلى عمق الاقتراح «الأرثوذكسي» المثير للجدل، وتفنّد قواعد سباحة «معراب» عكس «التيار الأزرق»:
ـ على المستوى المسيحي، ما كان بالإمكان تحمّل أعباء الفورة العونية وحرب «الجنرال» الضروس للدفاع عن حقوق المسيحيين، قولاً لا فعلاً. وعشية الانتخابات النيابية التي تصبح فيها الكلمة الفصل للرأي العام، لا يجوز المخاطرة بمواقف غير مرغوبة جماهيرياً. وكان من الطبيعي أن يضحّي جعجع بهيبة حلف السنوات الثماني، على أن يفرّط بالموجة الشعبية التي قادها خصمه البرتقالي نقطة نقطة تحت عنوان «استعادة المجد المسيحي الضائع».
ـ كان لا بد من غطاء مسيحي، كنسي تحديداً، يرفع التهمة عن معراب بالوقوف كتفاً إلى كتف الصوت الأصولي. لا حاجة هنا لتفسير اختناق مقولة «فليحكم الاخوان». فالعاصفة التي هبت مع «الربيع العربي» في بداية «تزهيره» ارتطمت على صخرة المجموعات المتطرفة التي أمسكت بمقاليد الحكم، وزرعت الخوف في نفوس المسحييين، لبنانيين وغير لبنانيين. لذلك، صارت الحاجة ملحّة للالتفاف حول الشارع المسيحي واحتضانه، كي يكون الخطاب «القواتي» منسجماً مع بيئته وإلا صار نشازاً، لا بل ملعوناً في مجتمعه، حيث لن تنفع معه كل معالجات الحلفاء التجميلية.
ـ على المستوى السياسي، ربّ ضارة نافعة. يكفي أن يحسبها رئيس لـ«القوات» على الطريقة الجنبلاطية. أن يكبّر حجر التفاوض مع الحلفاء، أفضل بألف مرة من أن يسايرهم كي يكسب في نهاية النهار، حفنة من المقاعد النيابية، التي تبقى تحت رحمتهم، حتى لو حُسبوا شكلياً عليه. نموذج نواب زحلة الذين ناموا مستقلين واستفاقوا قواتيين لا يزال حاضراً في الأذهان. يعرف أهالي زحلة وغيرهم من الناس، أن الصوت السني المرجح في عاصمة البقاع، هو صاحب اليد الطولى في رفد معراب بنائبين إضافيين، ما كانا لينالا اللوحة الزرقاء لولا «كرم» سعد وقوته التجييرية.
إذاً، لا بدّ من الضغط على المقريبن قبل الأبعدين لتأمين قانون انتخابي يسمح لجعجع بتكوين كتلة نيابية وازنة، من صنع يديه، يجمعها أسبوعياً من حوله، ويفرض بعضلاته شراكته في السلطة. لا حاجة من بعدها لرضى «المستقبل»، أو لمسايرة وليد جنبلاط. وقد تسرق تلك الكتلة مع الوقت، من الزعيم الدرزي دوره في إمساك عصب البلاد من وسطه: «بيضة القبان».
إذاً، الأولوية هي للبحث عن قانون انتخابي يتيح لـ«القوات» فرض شراكة وازنة على حلفائها، لا سيما وأنّ «تيار المستقبل» لم يكلف نفسه عناء البحث عن مشروع انتخابي يرفع من رصيد الحليف «القواتي» لدى جمهوره أو يحسّن وضعيته. وهذا ما حصل.
إن تشريحاً بسيطاً لسلوك الساكن في القلعة الكسروانية، يدلّ بوضوح، على سياسة اللعب على أوتار التناقضات اللبنانية، التي اتقنها مذ أن ركب «قطار الأرثوذكسي»، ليصبح صوته مطلباً لا بل حاجة للجميع، حلفاء وخصوما. وهو ما تأخر «الزرق» عن فهمه. فمريدو الاقتراح الذي نال بركة بكركي، بحاجة إلى أصوات نوابه، والساعون إلى تأجيل الانتخابات سيستعينون به والداعون إلى إقرار مشروع مختلط يطلبون تأييده.
ـ على المستوى الإقليمي: يبدو جلياً أنّ رياح تطورات الأزمة السورية لا تجاري سفن مصالح «قوى 14 آذار» وحلفائها الإقليميين. مجرّد بقاء بشار الأسد في السلطة في دمشق هو انتكاسة للفريق المطالب بتنحيه، ومؤشر على فرصة ما تُمنح لسياسة التسويات الدولية. وعليه، فإنّ الوقوف على منبر المعارضة السورية لم يعد مربحا في الشارع المسيحي الذي لا يلمح في حراك الشارع السوري إلا أنياب «جبهة النصرة».
ولهذا يرفض جعجع التنازل بسهولة عن ورقة «الأرثوذكسي». الرجل مقتنع بأنّ هذا المشروع هو لرفع سقف التفاوض، ليس أكثر... وهو مستعد لاستثماره حتى الرمق الأخير.
هل يقع جعجع في مأزق عدم توافر مشروع بديل؟
هنا، يأتي دور الاقتراح المختلط، المشروط بمظلة التوافق. وهنا سرّ التناغم المفاجئ بين عين التينة ومعراب.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018