ارشيف من :أخبار لبنانية
نصيحة الزياني... ومواقف منصور
جورج علم - صحيفة "الجمهورية"
تعلن السفيرة الأميركيّة مورا كونيللي من عين التينة أن "الانتخابات حتماً، وفي موعدها"، ويردّ السفير الروسي ألكسندر زاسيبكين من بنشعي: "الانتخابات حتماً، ولكن ليس بأوامر خارجيّة". ويأتي الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد اللطيف الزياني الى القصر الجمهوري ليؤكّد ضرورة التزام لبنان سياسة النأي بالنفس قولاً وفعلاً، فيردّ وزير الخارجيّة والمغتربين عدنان منصور من مقرّ جامعة الدول العربيّة بإعادة سوريا الى أحضان الجامعة.
تناقُض في المواقف والتوجهات: ساحة مفتوحة على التداعيات، وانتخابات ليست بانتخابات بقدر ما هي تصميم على تغيير الأحجام والمعادلات، وترجيح الغلبة لمحور على آخر، وهذا ما يدفع بلبنان الى المجهول.
يراقب الروس بكثير من الاهتمام والحذر جولة وزير الخارجيّة الأميركي جون كيري. إنها ليست بريئة من منظارهم، وهو يسعى الى قطع الجسور أمامهم، لمَنع موسكو من أن تكون شريكاً في أيّ تسوية في المنطقة، حتى تحافظ واشنطن على الهالة والرصيد، وتتصرّف وكأنها "المايسترو" الوحيد الذي يُجيد العزف، ويوّزع الأدوار في الشرق الأوسط. الاتصالات الروسيّة - الأميركيّة تتناول عناوين كثيرة، لكنها لم تُفضِ بعد الى أرضيّة ثابتة يمكن الانطلاق منها.
اتّفقا على ضرورة السعي الى إطلاق حوار حول سوريا، لكنّ العنوان يفتقر الى المضمون، فلا مؤتمر "دول الأصدقاء" في روما عَكَسَ رغبة في الحوار لإيجاد الحل، ولا المواقف التي صدرت عن الدورة العادية لمجلس جامعة الدول العربيّة حَمَلت الترياق، ولا محادثات كيري في الخليج أومَضت ببَصيص أمل، فيما المشترك الوحيد بين كل هذه المحطات، هو السلاح للمعارضة "المعتدلة"، وعندما يكون السلاح هو أبجديّة اللغة المتداولة، فإنّ الكلام عن حوار ومخارج ممكنة، يبقى مجرّد ثرثرة تفتقر الى الصدقية والجديّة.
ترأس موسكو حاليّاً مجلس الأمن لهذا الشهر، وسَبق لها أن أعلنت رغبتها في اغتنام هذا المنصب لتكثيف الجهود بهَدف وَضع مقررات مؤتمر جنيف موضع التنفيذ، لكن فجأة وجدت نفسها أمام أجندة مختلفة. رقعة التسليح ترتفع مع جولة كيري في المنطقة، والكلام عن حوار أميركي - إيراني مباشر يقفز من خانة التنظير الى التنفيذ، والوضع الميداني يسجّل خطوات نوعيّة لمصلحة المعارضة السوريّة على حساب النظام، ووزير الخارجيّة وليد المعلم يُمسِك شخصياً بزمام التفاوض بدلاً من نائبه فيصل المقداد، ويتنقّل ما بين موسكو وطهران، ومعه الكثير من الأسئلة التي تحتاج الى توضيح لتتبدّد الشكوك والمخاوف، مخاوف من صمت موسكو غير المبرّر تجاه المستجدات الأمنية والسياسيّة المتسارعة في سوريا والمنطقة، ومخاوف من التقدّم الذي تمّ إحرازه في مفاوضات كازاخستان بين إيران ومجموعة (5+1)، ومخاوف من المحادثات الأميركيّة - الإيرانيّة التي قد تتوّج تسوية كبرى ما بين الولايات المتحدة وروسيا وإيران على حساب النظام واستمراريته، خصوصاً أنّ هناك أموالاً خليجيّة طائلة مرصودة لتسديد الفواتير والتكاليف.
لكن في المقابل: إيران لم تنسَ بعد اغتيال العميد المهندس حسام خوش نويس (حسن شاطري)، وتعتبر أن تمويل المعارضة وتسليحها هدفه إسقاط خطوط الإمدادات التي تصِل طهران بـ"حزب الله"، والتي كان الشاطري يعمل على "سِرّيتها".
ودخول كونيللي على خطّ الانتخابات بأسلوب مباشر، وعلى مسمع من وزير خارجيتها الذي يجول في المنطقة، جَدّد المخاوف من أن يكون المطلوب ليس انتخابات، بل انقلابات على المحور السياسي الذي يتخَندَق به "حزب الله" وإيران.
وعندما يبلغ التدخل الخارجي هذا المستوى، تتعطّل معه لغة الكلام حول لَبننة الاستحقاق، ويتعطل كلّ جهد يرمي الى وضع قانون انتخاب صُنع في لبنان. وعندما "يتواجَه" السفير الروسي مع السفيرة الأميركيّة حول هذا الاستحقاق، ولَو بصورة غير مباشرة، فمعنى ذلك أنه أصبح مرتبطاً أكثر فأكثر بتطوّرات الوضع في سوريا، وبالتجاذبات الإقليميّة - الدوليّة حولها. ويتصرّف ديبلوماسيّو دوَل الاتحاد الأوروبي بشفافية أكبر: إنهم مع الانتخابات، لكنها ليست أولويّة على رغم أهميتها.
الأولوية الآن هي حماية لبنان، لأنّ هناك مَن يسعى الى تحويله ساحة صراع لتنفيس احتقانات الدول المشاركة في محاور متواجهة متنافرة حول الوضع السوري وسُبل مقاربته حرصاً على حماية مصالحها، وسعياً الى زيادة نفوذها وانتشارها.
الأوروبيّون يؤيدون النصيحة التي جاء بها الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد الطيف الزياني الى بيروت: "ليَحمي لبنان نفسه من الإعصار، عليه أن يطبّق سياسة النأي بالنفس قولاً وفعلاً؟!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018