ارشيف من :أخبار لبنانية

برّي يسعى لاستيعاب مرحلة ما بعد المرسوم

برّي يسعى لاستيعاب مرحلة ما بعد المرسوم
ابراهيم بيرم - صحيفة النهار

كان لدى رئيس مجلس النواب نبيه بري، بحسب المحيطين، معطيات سوداوية منذ لحظة توقيع الرئيسين سليمان وميقاتي مرسوم دعوة الهيئات الناخبة بناء على قانون الستين حتى لحظة استقباله رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط مساء الاربعاء الماضي في عين التينة.
وعلى رغم أن هؤلاء المحيطين لاحظوا أن بري كان متكتماً حيال تفاصيل ما دار في اللقاء من كلام وتبادل أفكار ورؤى، وهل أن الزائر حمل إليه ما يبدد تلك الصورة المتشائمة التي كانت تكونت لديه ويفتح كوة الأمل من جديد، فإن هؤلاء استطاعوا أن يعطوا الانطباعات والوقائع الآتية عن هذا اللقاء الليلي، الذي أتى بعد انقطاع طويل:

- إن اللقاء كان إيجابياً عموماً.
- إن قانون الستين قد لقي حتفه ولم يعد صالحاً لبعث الحياة ونفخ الروح فيه.
- ان الانتخابات النيابية يجب أن تجرى في موعدها المبدئي، ولكن على أساس قانون توافقي جديد.

ما هي أوصاف هذا القانون وما هي مرتكزاته الأساسية؟ وهل ثمة وقت بعد لبلورته؟

الإجابات متروكة الى حينها، وليس من الضرورة “حرق” المراحل والافكار من الآن، يجيب هؤلاء، ولكن الأكيد أنه ما زال ثمة متسع زمني يمكن خلاله إنتاج الصيغة التوافقية المنشودة، وبالتالي إجراء الانتخابات في ميقاتها.
قبل أن تفتح أبواب عين التينة أمام زائرها ليل الاربعاء، كل الذين هم على تواصل مع بري، لم يستطيعوا إلا أن يتحدثوا عن موجة استياء ارتسمت على محياه، منذ ان علم بتوقيع الرئيسين مرسوم دعوة الهيئات الناخبة.

ومما زاد منسوب الاستياء لدى رئيس المجلس أنه كان سمع من الرئيس ميقاتي في آخر لقاء بينهما في عين التينة أنه ليس في وارد التوقيع على المرسوم الآن وتبين لبري لاحقاً أن التوقيع حصل قبل وقت قصير من الزيارة وأرسل المرسوم الى القصر الجمهوري.
صحيح ان بري آثر عقب ذيوع خبر توقيع المرسوم، ان يكون متحفظاً في كلامه عن التطور المفاجئ، إلا أن ذلك عمل ورغم كونه علامة فارقة، فإن زوار عين التينة الدائمين اسهبوا في الحديث عن الاسباب التي دفعت بري الى الافصاح عن استيائه المكتوم مما حدث، واشاروا الى ان بري قلب الأمر على كل وجوهه فلم يستطع ان يجد تفسيراً مقبولا له بالقول ان التوقيع إجراء روتيني إداري مفروض على الرئيسين بموجب الدستور أن يوقعاه، بل رآه “رسالة” سياسية تنطوي على الكثير من الاحتمالات، ووجده أيضاً تضييعاً واستخفافاً بمسيرة جهود طويلة مضى فيها بري قدماً منذ أن ألّف اللجنة النيابية الفرعية، وأمّن لها ظروفاً آمنة للاجتماع ووفر لها زاداً من الرؤى والطروحات الوسطية لتكون مادة قانون توافقي ووفر لها أيضاً المهلة الزمنية. ثم إنه لم يبادر الى دعوة الهيئة العامة لمجلس النواب بغية التصويت على مشروع “اللقاء الأرثوذكسي” لكي لا يتحمل تبعة الاخلال بالميثاقية مع أن سواه (أي الرئيس فؤاد السنيورة) عملها جهاراً نهاراً في أواخر عام 2006، ولم يبد توبة أو ندماً عليها.

باختصار يشير هؤلاء الى أن الاستعجال بالتوقيع على المرسوم لم يكن إلا إخلالا بالميثاقية، وتبديداً لفرصة بلوغ مقام التفاهم على قانون توافقي، وإنفاذاً لحسابات وإملاءات، واكثر من ذلك تسديد “الفواتير”، واستطراداً زيادة عامل التوتر ومنسوب الاحتقان في الساحة السياسية. هذا ما قصد بري قوله إن حكى، خصوصاً ان حدث التوقيع تزامن مع جملة تطورات متسارعة منها الهجمة المنظمة على وزير الخارجية عدنان منصور، ومنها أيضاً كلام الرئيس ميقاتي في مقابلته التلفزيونية الأخيرة والتي “حرص” فيها على إظهار التباين مع شركائه في الحكومة من دون ان يكون هناك أي مبرر أو داع لذلك، خصوصاً عندما تحدث عن استعداده للاستقالة لأنه راغب في الترشح وهو يدرك تماماً أن ذلك يدفع الى أزمة حكم.

مع ذلك ولأن بري يتحمل من موقعيه مهمات جساماً لا يملك معها ترف المناورة أو ايصال الأمور الى مراحل دراماتيكية، قرر مجدداً التركيز على أن ثمة فرصة للتوافق، وأنه ليس في وارد حشر الجميع بالدعوة الى التصويت على مشروع “اللقاء الارثوذكسي”، علماً أنه كانت لديه ضمانات بأن حزبي الكتائب و”القوات اللبنانية” مستعدان للتصويت على ما وافقا عليه في اجتماعات اللجنة الفرعية، وعلماً ايضاً ان بري أصر على المضي قدماً في مرحلة استيعاب “اختلال” الصورة الذي أحدثه التوقيع على المرسوم من خلال مشاركة نوابه في اجتماع نواب 8 آذار و”التيار الوطني الحر” في مجلس النواب، فضلا عن مشاركة وزرائه في الجلسة الأخيرة للحكومة بالهجوم الحاد على قانون الستين والتحذير من مخاطر العودة إليه.

وفي كل الاحوال لا ينكر المحيطون ببري ان أزمة قانون الانتخاب ما زالت قائمة، وان امكان الذهاب الى “صدام” حيالها وارد بمقدار ورود امكان تأجيل الانتخابات، فيما يعد أضعف الايمان امكان التفاهم على قانون جديد.

وبعيداً عن عين التينة فإن ثمة في اوساط 8 آذار من يقرأ المشهد على النحو الآتي:

ان فريق 14 آذار استفاد الى حد بعيد من التوقيع على المرسوم، إذ أخذ يتوازن داخلياً من خلال الايحاء بأن قانون الستين ما زال حياً يرزق، وان سليمان وميقاتي وجنبلاط هم بشكل أو بآخر الى جانبه، أو على الاقل ليسوا في وارد الذهاب الى تغطية أو تأييد الافكار الاخرى، ومنها فكرة القانون الخليط أو الهجين.

واستطراداً نجح فريق 14 آذار في الاستفادة من عملية خلط الاوراق التي جرت اثر التوقيع على المرسوم فبدأ يحاول مغادرة صورة التصدع والانقسام التي آل اليها خلال الاسابيع الماضية ولا سيما بعد موافقة “القوات” والكتائب على مشروع “اللقاء الارثوذكسي”، وهو التصدع الذي ترك بعضاً من بصماته في انتخابات بلدية القبيات الاخيرة.

والواقع بحسب المصادر نفسها ان تيار “المستقبل” سعى سريعاً للاستفادة من مرحلة خلط الاوراق التي خلفها التوقيع، فكانت مساعيه لاعادة وصل ما انقطع مع معراب والصيفي في محاولة واضحة منه لاعادة انتاج ديمومة ولو مفتعلة، لكي يحشروا الحكومة أكثر.

لكن الثابت ان المحيطين ببري صاروا يعتبرون ان زيارة جنبلاط الى عين التينة ومن ثم زيارة النائب جورج عدوان، كانتا ايضاً جزءاً من “معركة” بري لاستيعاب ما حصل أخيراً.
2013-03-09