ارشيف من :أخبار لبنانية
حركة "الدولة والسلطة" الإيطالية: ضمير أوروبي لمواجهة الامبريالية
مع انتهاء الحرب الباردة تراجع اليسار السياسي في العالم، وحصلت عمليات تحول لا تخلو من الانتهازية في افريقيا والعالم العربي، وبينما نما اليسار بشكل لافت في اميركا اللاتينية بقي غامضاً في أوروبا، وتحول اليسار الاشتراكي الاوروبي إلى شبه يمين ما خلا مسايرة النقابات العمالية والاقليات، أما الأحزاب الشيوعية فقد انتهت مع نهاية الاتحاد السوفياتي، ولم تستطع التعامل مع المرحلة الجديدة بعدما كانت حاضرة بشكل لافت في الحياة السياسية في فرنسا وايطاليا.
من بين الحركات اليسارية الاشتراكية الصاعدة في ايطاليا حركة "الدولة والسلطة "، ومن أبرز قادتها ستيفانو بيلينوري، وقد تجاوزت الحركة الإملاءات الإعلامية السياسية في الغرب تجاه السياسة الغربية حيث يتنافس السياسيون والاعلاميون على "شيطنة" إيران وحزب الله وعلى امتداح "إسرائيل" والسكوت على خرقها القوانين الدولية وحقوق الإنسان، وليس آخرها الاشتراك في الحرب الدولية لاسقاط النظام السوري.
"الدولة والسلطة" تتصدى لحلف الاطلسي وتطرح مسألة الانتشار النووي الاميركي في اوروبا وتؤيد نضال الشعب الفلسطيني، وتدافع عن حقوق إيران وتؤيد النظام السوري ضد الحرب العالمية "الارهابية"، التي تشن عليه... فعلاً إنه أمر ملفت في هذا الزمن حيث اصبحت السياسة سلعة استهلاكية تباع وتشترى لمن يملك المال، وعندما يصحو صوت الضمير في ايطاليا، ويعلو مطالباً بالحق لا أكثر ولا أقل، واللافت في هذه الحركة مقاربتها للدين الذي فشلت الشيوعية في ذلك، وكان من عوامل انهيارها، وتقول الحركة:" لا نروج للدين لكننا نحترم المشاعر الدينية ونؤيد الطوائف الدينية التي تحارب الأمبريالية والليبيرالية".
مجموعة "الدولة والسلطة" تقوم بنشاطات عديدة منذ سنوات في مختلف نواحي الحياة السياسية والاجتماعية في ايطاليا ولها موقع "الاشتراكية " على شبكة الانترنت، وقد تكون هذه المجموعة ضد الامبريالية السياسية، ولكنها تنفرد ببعض الميزات، فهي أولاً وقبل كل شيء ذات توجه أوروبي أسيوي واضح وقوي جداً.
اتصلنا بالقيادي في الحركة "ستيفانو بونيلوري" وطرحنا عليه بعض الاسئلة حول المجموعة ونشاطاتها:
س: سيد بونيلوري نود أن نعرف المزيد عن عقيدتكم وفكركم، فقد ورد في البيان السياسي لـ"الدولة والسلطة" إشارات كثيرة إلى الاشتراكية، فهل تختلفون عن الماركسية فيما يتعلق بالدين؟ وهل للمجموعة موقف ايجابي تجاه التقاليد الدينية؟ كيف يمكنكم التوفيق بين آراء مختلفة حول هذا الموضوع؟
ج: في رأينا المشاعر الدينية ليست منفصلة عن الايديولوجيا الاشتراكية حتى في شكلها الماركسي اللينيني يلزم وقت طويل لشرح هذه الفكرة. لكن الروحانية هي دفعة قيمة وايجابية وهي مثل كل ما يؤثر على داخل الانسان (إشارة إلى مبدأ زويتشه)، ممكن أن تعمل في الطبيعة، وأنت على وئام معها، الزعيم الشيوعي غينادي زيوغانوف ثمَّن مبدأ التراث الارثوذكسي للبلاد، (وقد فعل ستالين الأمر نفسه عام 1943 خلال الحرب العالمية الثانية)، وبشكل عام لا نستند في نشاطاتنا على الترويج للدين انما نحترم التقاليد الروحية ونحن بصراحة نؤيد الطوائف الدينية التي تقوم بدور هام في البلدان التي تتعرض للهجوم من الامبريالية والليبيرالية.
س: قمت بنشاطات كثيرة في الأسابيع الماضية، واطلقت عريضة تطلب فيها من إيطاليا الانسحاب من "حلف الأطلسي"، فهل تعتقد أن هذا واقعي، نظراً للوجود العسكري الأميركي على الأراضي الإيطالية؟
ج: أننا ندعو إلى نبذ لمنظمة حلف شمال الأطلسي, ليس فقط من ايطاليا ولكن من كل اوروبا. نحن نريد وحدة اوروبا, ولكن ليس تحت سيادة أميركا. ينبغي ان يكون لدى أوروبا قوة عسكرية مستقلة، ربما تتحالف مع دول منظمة شانغهاي للتعاون. من السخرية الاعتقاد بان الانفاق الدفاعي في أوروبا في الوقت الحاضر يبلغ نصف الموازنة الإجمالية للولايات المتحدة الأميركية، ولكن قواتها العسكرية لا تزال بعيدة جدا ليس فقط عن القوة العسكرية الأميركية، بل عن الجيوش الروسية والصينية أيضا وهي أيضا ذات موازنات دفاعية منخفضة.
لذلك نعتقد أنه على الدول الأوروبية ان تعيد تنظيم أفكارها والتفكير بطريقة جديدة ومختلفة عن بناء القوة العسكرية وان تستخدم موازناتها لاسباب أخرى بعيدة كل البعد عن المصالح الأميركية في جميع أنحاء العالم، بل أننا نعتبر اعادة العمل بالخدمة العسكرية الالزامية لكل مواطن قد تكون خطوة إيجابية. وبطبيعة الحال، يجب توحيد القوات العسكرية الأوروبية، ومع ذلك، هذا لن يكون محتملا، لان أوروبا ستشهد نهضة ثقافية لإستعادة الضمير و دورها في العالم. يجب أن يفهم الرأي العام في أوروبا أن مصير قارتنا يتحدد باستعادة سيادتنا المفقودة.
س: نحن على مقربة من الإنتخابات لتشكيل البرلمان الجديد في إيطاليا، ما هو موقفكم؟
ج :نحن كحركة "الدولة والسلطة"، لا ندعم أي من القوى السياسية التي ستشارك في الانتخابات. ومع ذلك لا يمكن أن ندين هؤلاء المواطنين الذين يختارون باصواتهم الحركات التي تعارض الاتجاه السياسي الذي يتبعه رئيس الوزراء السابق "ماريو مونتي". علينا أن نتذكر، في كل الأحوال ان "ماريو مونتي" (مباشرة أو غير مباشرة) سيشارك في الحكومة السياسية المقبلة، وجدول أعماله سوف يتبع كل قوة سياسية مستعدة لحكم بلادنا. الناس يعرفون جيدا هذه الحقيقة، ليس لديهم أوهام حول حكومتنا في المستقبل. ليس لدينا أي من المراجع السياسية في الأحزاب السياسية الرئيسية، لأن لا أحد يريد حقا إستعادة السيادة الكاملة الإيطالية ولا الأوروبية، وهذا هو تركيزنا الرئيسي.
س: يمكننا الآن مناقشة نشاطات أخرى من "الدولة والسلطة". في السنوات الأخيرة قمتم كحركة بنشاطات عديدة لتوعية الرأي العام حول الحروب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا, وذلك للتنديد بعدوان حلف شمال الأطلسي ضد ليبيا والهجمة الارهابية على سوريا من دون أن ننسى الصراع بين إسرائيل وفلسطين.
ج:أننا ندافع عن جميع البلدان في العالم التي تتعرض للهجوم من قبل الامبريالية الأميركية. إذا كنت تقرأ نشرتنا على الإنترنت فهي تنشر صورة واضحة عن ذلك. لقد ناقشنا ذلك في تحليلاتنا حول الاوضاع في سوريا وليبيا وإيران وروسيا والصين وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية (الشمالية) وفنزويلا وكوبا وزيمبابوي والعديد من البلدان. وقد اتخذنا من الشوارع منبراً للدفاع عن "الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى"، ودعمنا الشعب الليبي عندما كانت قنابل حلف شمال الأطلسي تتساقط عليه ودافعنا عن المصالح الوطنية لإيطاليا في ليبيا (أيني، فينميكانيكا وكثير من سائر الشركات الصغيرة والمتوسطة الإيطالية) طبقاً لمعاهدة الصداقة الليبية الإيطالية الموقعة عام 2008، وفيما يتعلق بالقضية السورية، اخترنا الذهاب على أرض الواقع وعبرنا عن دعمنا الكامل للحكومة الشرعية للرئيس الأسد.
قررنا تنظيم تظاهرات وورشات عمل لتوعية الجمهور عما يجري داخل سوريا جنبا إلى جنب مع مجموعات وحركات أخرى. حول فلسطين نحن نؤيد انشاء دولة فلسطين ونرفض فكرة "حل الدولتين"، التي قد تجمد إلى الأبد الحالة المأساوية للشعب الفلسطيني، ومع ذلك، لا يمكن أن نخفي قلقنا من سلوك بعض القادة الفلسطينيين، لا سيما من حركة حماس وموقفهم تجاه سوريا، التي ساعدتهم كثيرا في السنوات الماضية. فقط سوريا وإيران وحزب الله يمكن أن يساعدوا الشعب الفلسطيني في تحقيق هدفه، هذه هي الجهات الفاعلة سياسياً والتي لديها الأخلاق والوسائل المادية لذلك.
س: منذ وقت طويل ولعقود، يستند السيناريو السياسي لإيطاليا إلى احتكار الثنائي يسار الوسط ويمين الوسط للسلطة. البقية مجموعات غير متجانسة من الجماعات والأحزاب والحركات المعارضة لما يسمى "بالنظام"، وقد فشلت كل فرصة لتوحيدها في الماضي. ماذا تعني هنا عبارة "الدولة والسلطة" وما هو رأيك بهذا الواقع؟
ج: نحن نرفض كل تجربة سياسية تستند إلى شعور بالحنين للتطرف الصبياني من اليسار واليمين. ونحن نحاول, ولكننا لم نفهم حقا قوة الاحزاب السياسية من حيث أفكارها التي مازالت هي نفسها منذ أكثر من 100 عاما ,أنها قد تتصرف بحسن نية لكننا لا نفهم ذلك. نحن نقول هذا بوضوح وهذا هو السبب في بعض الاحتكاكات مع الولايات المتحدة والعداء لها، ونحن ندعو بطريقة واضحة لاشتراكية القرن "الحادي والعشرين"، وهي تتصل بالواقع و أبعد ما تكون عن التأمل والاحلام، ولهذا السبب نحن على ثقة غيرعمياء بمشروع سياسي مماثل لجمهورية الصين الشعبية الإشتراكية يمكن ان يحصل في اي بلد حسب العادات والتقاليد.
س: قامت حركتكم بتنظيم تظاهرة موالية لسورية في روما (2 شباط/فبراير)، ونظمت حلقة عمل ركزت على إيران والشرق الأدنى في "ريجيو إميليا". لماذا نظمتم هذه الحركة السياسية في إيطاليا؟ وما كنتم تريدون؟
ج: قد قامت حركتنا بتنظيم تظاهرات ومسيرات في كل انحاء إيطاليا لأكثر من سنة ضد حلف شمال الأطلسي وضد الإمبريالية والعدوان الغربي ضد سوريا وإيران، لقد تضررت اقتصادات البلدان الأوروبية التي لها علاقات تجارية وثيقة مع إيران من العقوبات الاقتصادية ضدها. هذا هو نتيجة للاوامر المباشرة التي تفرضها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، انها امور ضد مصالحنا الخاصة.
س: عدت منذ فترة قصيرة من زيارة إلى إيران، حيث حضرت اجتماعاً في هوليووديسم. هل يمكنك وصف انطباعاتك الخاصة؟
ج: قمت بزيارة طهران، وحضرت الاجتماع الثالث حول تأثير السينما الغربية والدعاية على الثقافة في الشرق الأوسط. كانت مناسبة هامة، لأننا يجب أن نتصدى للمحاولات الغربية لاستفزاز إيران وجرها إلى حرب، وفي الوقت نفسه يجب علينا إيقاظ العقول الأوروبية العاملة في مجال المعلومات، ضد الدعاية الأميريكية. كما تحدثنا عن قضايا عديدة، مثل المشاهد المعادية للإسلام في الأفلام الأميركية. لقد أتيحت لي الفرصة لمعرفة بعض جوانب الحياة اليومية في إيران، وقد أعجبت بالدور الهام جداً للمرأة في المجتمع الإيراني، وهو على عكس ما يقال لنا في الغرب. علاوة على ذلك، درست الدعم الذي تقدمه إيران لحركة عدم الانحياز ولحزب الله والسيد حسن نصر الله، وكيف أن إيران تحترم حقوق الإنسان وتعطي أولوية عالية للرعاية الصحية وصحة الأطفال، وتهتم بالأقليات الدينية والتعليم.
رأيت الكثير من الناس ثم ذهبت الى مدينة قم، قلب "الإسلام الشيعي"، حيث شاهدت بحضور الوفود الأجنبية "المسجد الكبير" ورأيت الكثير من الناس يأتون من كل انحاء إيران. لقد رأيت مدى أهمية إيران في الحوار بين الأديان، وأتيحت لي الفرصة لزيارة بيت الأمام الخميني، وأظهرت لي كل هذه الأشياء رحابة صدر جمهورية إيران الإسلامية.
س: سميت العقوبات الأحادية من الاتحاد الأوروبي ضد إيران بالعقوبات الذكية, ولكنها أكثر استهدافاً للمرضى، وخصوصا الذين يعانون من أمراض مستعصية، لقد عانت إيران من نقص في الأدوية والمستلزمات الطبية. كمواطن إيطالي وناشط سياسي ما رأيك بالنتائج المأساوية لهذه الإجراءات على حقوق الإنسان لدى الشعب الإيراني؟
ج: أولاً وقبل كل شيء يجب ان نوضح أن تعبير "حقوق الإنسان" كما يستخدمه الغرب، هو تعبير اصطناعي استخدمته بعض الدول لتبرير تدخلات خادعة واعمال عدوانية. أحد الأمثلة على ذلك هو الخطاب السياسي الذي أدى إلى فرض عقوبات على الشعب الإيراني، وما فُرض على إيران ببساطة هو عار، والسبب هو ان هذا البلد يريد ان يطور برنامجاً نووياً مدنياً وفقاً للقوانين الدولية.
س: على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي لديه على أراضيه مئات من القنابل النووية الأميركية, يتم فرض عقوبات على البرنامج النووي المدني لإيران وتزداد العقوبات صرامة. هل هناك محاولة لإيجاد حل لمسألة الوجود الأميركي النووي؟ ما رأيك؟
ج: هذا بالضبط ما كنت اقوله، فمنظمة حلف شمال الأطلسي تسمح بوجود مئات من القنابل النووية على الأراضي الأوروبية إلى جانب معدات العسكرية وأنظمة تؤثر على صحة المواطن. ومع ذلك، لن تجد رجل سياسة هام قادر على اتخاذ موقف تجاه الوجود النووي الأميركي في أوروبا. لكن الوضع لن يتغير ابداً، إذا أخذنا في الاعتبار أن دولاً مثل فرنسا وبريطانيا تمتلك قنابل نووية ولن ترغب في التخلي عنها.
س: هل تعتقد أن الاتحاد الأوروبي قام بدعم بعض الجماعات السلفية في سوريا، مما يزيد من مخاطر الإرهاب وخصوصا في الأماكن القريبة من حدودها؟
ج: لقد عرضنا مرات عديدة لمخاطر ما يسمى "الربيع العربي" في أوروبا، ونحن نعتقد أن منظمة حلف شمال الأطلسي قد استخدمت هذه الثورات الفوضوية، من دون أي مشروع سياسي حقيقي ورائها، في محاولة لتحقيق مكاسب في شمال أفريقيا. انه استخدام القوة الناعمة في العالم الإسلامي، في هذه الفوضى انتقل الاف المتطرفين بين بلدان مختلفة (الجزائر وتونس وليبيا ومصر وسوريا) مما تسبب في زعزعة الاستقرار في منطقة البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الساحل الافريقي الغربي (يمكن أن نرى النتائج الأولى لهذه العملية في مالي). هذه اللعبة قد تكون خارج نطاق السيطرة الآن، وسوف نشهد في المستقبل القريب إذا كانت ستستخدم ذريعة لتدخل أعمق في وسط افريقيا وشمالها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018