ارشيف من :أخبار لبنانية
جمهورية الخوف والفراغ وسياسة القرود الثلاثة
نصري الصايغ - صحيفة السفير
المطلوب فقط، جملة مفيدة. أسفر البحث اللبناني عن وجود ركام من الكلام، يفيد بأن البلد ممتلئ بالفراغ. كل الكلام، من أي جهة أو حزب أو تيار أو زعيم أو طائفة أو مذهب أو... يشير إلى أن الفراغ، هو السلطة الوحيدة، فهو الرأس والحكومة والمجلس والمؤسسات... وجحافل المؤمنين باليأس...
المطلوب فقط، جملة مفيدة. أسفر الجدل الانتخابي حول مشروع قانون التعيينات الطائفية، على أن الموت والحياة وجهان لبلد بصيغة انتظار الأسوأ، فالأكثر سوءاً، فغاية السوء... لا إجابة عن أي سؤال. هل مات «الستين»؟ نعم ولا، هل الأرثوذكسي ما زال على قيد الحياة؟ نعم ولا. هل القانون المختلط بصيغة المتكاثرة سيولد؟ نعم ولا. هل ستجري الانتخابات في مواعيدها؟ لا ونعم. هل سيمدد للمجلس النيابي تقنياً أم سياسياً؟ نعم ثم لا. هل يستقيل الرئيس ميقاتي أم يبقى ساهراً على حكومة في النزع الأخير؟ نعم ولا وبين بين. هل من يحفظ الأمن في لبنان؟ لا نعم ولا لا. هل سيلبي مجلس الوزراء مطالب هيئة التنسيق؟ الجواب عند رب العالمين فقط. وبعد هذه الأسئلة ألف «هل»، والجواب المفيد: نعم ولا... إنها جمهورية الفراغ.
المطلوب جملة مفيدة فقط، تقول شيئاً محدداً، لا لغط فيها ولا اجتهاد. جملة تدل على بصيص أمل نحيل، تفيد بأن... لا أعرف ماذا تفيد. لدي عجز تام في تصوّر جملة مفيدة، لمستقبل قريب أو وسيط أو بعيد.
الفراغ المنتشر، أفسح المجال للامتلاء بالفوضى. فوضى من فوق، وفوضى من تحت، وفوضى من كل الجهات. الرؤوس اللبنانية من فوق، تحتمي بالدستور نصاً وتبحث عن مخرج لها بالخروج عليه. القيادات التي تتناوب بتصريحاتها في هذا الفراغ، أقنعت اللبنانيين بأنها عاجزة عن إنتاج حل ليوم واحد أو ليومين أو لأسبوع. عجزها المطلق، تعوّض عنه بدفق من المواقف والكلمات التي أشاعت في البلد فهماً واحداً: «لا تصدقونا»، حتى عندما نصدق...
فوضى سياسية شاملة. شيء ما يدل على أن هذه الطبقة ومن معها، تبنت منطق الرعاع، فعاثت صراخاً وصخباً وتحريضاً وبهورة واتهاماً وتمذهباً وتطيفاً وفساداً وإفساداً، على مرأى من الهتافين، وبعيداً عمن يوضبون حقائبهم للسفر، وقلوبهم للأحزان، وأموالهم القليلة للأيام السود المقبلة.
فوضى سياسية تتولى رعاية الفوضى الأمنية المتنقلة والمنتشرة والمتسربة إلى مطارح كثيرة، بحساسيات محلية مخضبة بالنيات ومجهزة بطاقات تفجير، لا تزال حتى اللحظة، «منضبطة» ومقيدة «الزناد» بإرادة اقليمية وحسابات ما قبل اللحظة الأخيرة. وهي لحظة تراود اللبنانيين، ما بين يوم واجتماع ولقاء وفراق ومهل انتخابية.
المطلوب جملة مفيدة واحدة. ليس مطلوباً أن نعرف إن كان اللبناني سينعم بكهرباء شرعية. لقد اعتاد على أن يكون زبوناً سخياً في جمهوريات الموتورات، المحمية سياسياً وطائفياً ومافياوياً. واعتاد اللبناني كذلك على اعتبار الفساد ديناً رسمياً للدولة، يلتزم الجميع بتأدية فروض تمويلها من الغلابى وتوزيعها على الغالبين. هذا مبدأ مبتوت: دين الدولة في لبنان، هو الفساد. أحكامه «الشرعية» تنفذ حرفياً، برعايات تأتيه من كل الاتجاهات. اعتاد اللبناني أن يخدم الدين بطواعية. نسي المبرد الذي يلحسه. نسي أنه مدين وينفق بالاستدانة. لم يتوقف سيل الديون، علماً أن الحكومة الحالية، تبرِّئ نفسها من هذه اللعنة وترتكبها. اعتاد اللبناني أن يستقل عن دولته، فهي في حال سبيلها اهتراءً وتخلفا وتراجعاً وتهافتا واقتساماً وتنازعاً وتوزعاً واستتباعاً، وهو في حال سبيله، هجرة أو إقامة مؤقتة... غريب هذا البلد، معظم سكانه الذين يحبونه، (لأنه بلد محبوب أصلاً) يعيشون فيه كبلد إقامة مؤقتة، لا بلد انتماء وإدامة.
لا جملة مفيدة بعد، ترشح لنا بقاء لبنان، بعد تكريس الفراغ كسلطة شرعية وحيدة. لا مكان ممتلئاً بحضور قواه الفاعلة، ولو لفترة. لا طاولة حوار، ولا مصافحة، ولا تبادل أنخاب ولا S.M.S، أو تغريدة خاصة. لا إمكانية لتوقع لقاء مكتمل النصاب في البرلمان. لا قدرة على جمع النواب والحكومة لدراسة الموازنة ومناقشتها، لإقرار أي أمر تشريعي. لا إمكانية لتوحيد كلمة الحكومة المشلّعة والمسلحة بالخناجر المستورة، للطعن غب الخروج من الجلسات. لا مكان في دولة راعية، اقليمية أو دولية، يلتقي فيها قادة أركان الفراغ، لتنظيم الفوضى. كل العواصم مشغولة عن لبنان، وأهل لبنان مشغولون عنه بسوريا والسعودية وإيران.
لا أحد ادعى حتى الآن، من قادة لبنان، أن الفراغ القائم راهناً، لن يوصل البلد إلى الفراغ الكبير، فلا يعود لدينا مجلس، يلتئم يوماً ما، أو سنة ما، ليشكل مكان التقاء شرعياً. ولا يبقى لنا سلطة تنفيذية، إلا سلطة تسيير الفراغ، ولا تبقى لنا مؤسسات أمنية، حل الفراغ في قياداتها، بعدما تآمر العمر القانوني على من يتولاها راهناً.
البلد مرشح أن يدخل الفراغ الكبير، الذي قد يطيح الكيان، الموحد حتى الآن، لعدم قدرة المتحكمين فيه، على تقسيمه، بطريقة «أرثوذكسية» معممة على الطوائف والمذاهب برمتها... الفراغ الكبير، يأخذ لبنان إلى أبعد من إيران وأبعد من السعودية وأبعد من طرفي النزاع في سوريا، خاصة إذا بدأت حرب ملء الفراغ الوطني، بالفراغ الطائفي المسيطر. عندها، لا عودة إلى الوراء.
في هذه الأثناء، عبثاً يبحث اللبناني عمن يحميه. الصدفة وحدها صديقته. ان أخلصت له على الطرقات الحساسة المسكونة بشياطين الفتنة. لا أحد يحمي اللبنانيين، لا في لبنان، ولا في خارجه. اللبنانيون في دول الخليج ليسوا على ما يرام. صاروا يشبهون المقيمين بالخوف. خوف على مستقبلهم ووظائفهم ومؤسساتهم وعيشهم. ولا دولة تحمي هؤلاء. طوائف الدولة كذلك غير قادرة على حماية أحد، ربما يستثنى أتباعها من الترحيل إن حصل... وإذا حصل المقدّر، فمن يتحمل في لبنان تبعات هذا الترحيل أمنياً؟ من يتحمل تبعات وقف التدفقات المالية التي يرسلها المغتربون إلى أهلهم؟ لا أحد. الفراغ ولادة عنف. ولقد رأينا بعض فصوله، شمالا وبقاعاً وجنوباً وعاصمة.... وهلم جراً.
النأي بالنفس، عندما ينتهي سحره الكاذب، بعد النكسات التي أصيب بها مراراً، سترثه سياسة «غض النظر»: «ارتكبوا، وسنغض النظر». إفعلوا ما شئتم، فنحن الممثلون الشرعيون للقرود الثلاثة التي لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم.
لبنان لم ينته بعد. إنه قيد الانتهاء الطويل. انه انتهاء لم يصل إلى النهاية بعد. الكارثة، انه على وشك النهاية دائماً.
المطلوب فقط، جملة مفيدة. أسفر البحث اللبناني عن وجود ركام من الكلام، يفيد بأن البلد ممتلئ بالفراغ. كل الكلام، من أي جهة أو حزب أو تيار أو زعيم أو طائفة أو مذهب أو... يشير إلى أن الفراغ، هو السلطة الوحيدة، فهو الرأس والحكومة والمجلس والمؤسسات... وجحافل المؤمنين باليأس...
المطلوب فقط، جملة مفيدة. أسفر الجدل الانتخابي حول مشروع قانون التعيينات الطائفية، على أن الموت والحياة وجهان لبلد بصيغة انتظار الأسوأ، فالأكثر سوءاً، فغاية السوء... لا إجابة عن أي سؤال. هل مات «الستين»؟ نعم ولا، هل الأرثوذكسي ما زال على قيد الحياة؟ نعم ولا. هل القانون المختلط بصيغة المتكاثرة سيولد؟ نعم ولا. هل ستجري الانتخابات في مواعيدها؟ لا ونعم. هل سيمدد للمجلس النيابي تقنياً أم سياسياً؟ نعم ثم لا. هل يستقيل الرئيس ميقاتي أم يبقى ساهراً على حكومة في النزع الأخير؟ نعم ولا وبين بين. هل من يحفظ الأمن في لبنان؟ لا نعم ولا لا. هل سيلبي مجلس الوزراء مطالب هيئة التنسيق؟ الجواب عند رب العالمين فقط. وبعد هذه الأسئلة ألف «هل»، والجواب المفيد: نعم ولا... إنها جمهورية الفراغ.
المطلوب جملة مفيدة فقط، تقول شيئاً محدداً، لا لغط فيها ولا اجتهاد. جملة تدل على بصيص أمل نحيل، تفيد بأن... لا أعرف ماذا تفيد. لدي عجز تام في تصوّر جملة مفيدة، لمستقبل قريب أو وسيط أو بعيد.
الفراغ المنتشر، أفسح المجال للامتلاء بالفوضى. فوضى من فوق، وفوضى من تحت، وفوضى من كل الجهات. الرؤوس اللبنانية من فوق، تحتمي بالدستور نصاً وتبحث عن مخرج لها بالخروج عليه. القيادات التي تتناوب بتصريحاتها في هذا الفراغ، أقنعت اللبنانيين بأنها عاجزة عن إنتاج حل ليوم واحد أو ليومين أو لأسبوع. عجزها المطلق، تعوّض عنه بدفق من المواقف والكلمات التي أشاعت في البلد فهماً واحداً: «لا تصدقونا»، حتى عندما نصدق...
فوضى سياسية شاملة. شيء ما يدل على أن هذه الطبقة ومن معها، تبنت منطق الرعاع، فعاثت صراخاً وصخباً وتحريضاً وبهورة واتهاماً وتمذهباً وتطيفاً وفساداً وإفساداً، على مرأى من الهتافين، وبعيداً عمن يوضبون حقائبهم للسفر، وقلوبهم للأحزان، وأموالهم القليلة للأيام السود المقبلة.
فوضى سياسية تتولى رعاية الفوضى الأمنية المتنقلة والمنتشرة والمتسربة إلى مطارح كثيرة، بحساسيات محلية مخضبة بالنيات ومجهزة بطاقات تفجير، لا تزال حتى اللحظة، «منضبطة» ومقيدة «الزناد» بإرادة اقليمية وحسابات ما قبل اللحظة الأخيرة. وهي لحظة تراود اللبنانيين، ما بين يوم واجتماع ولقاء وفراق ومهل انتخابية.
المطلوب جملة مفيدة واحدة. ليس مطلوباً أن نعرف إن كان اللبناني سينعم بكهرباء شرعية. لقد اعتاد على أن يكون زبوناً سخياً في جمهوريات الموتورات، المحمية سياسياً وطائفياً ومافياوياً. واعتاد اللبناني كذلك على اعتبار الفساد ديناً رسمياً للدولة، يلتزم الجميع بتأدية فروض تمويلها من الغلابى وتوزيعها على الغالبين. هذا مبدأ مبتوت: دين الدولة في لبنان، هو الفساد. أحكامه «الشرعية» تنفذ حرفياً، برعايات تأتيه من كل الاتجاهات. اعتاد اللبناني أن يخدم الدين بطواعية. نسي المبرد الذي يلحسه. نسي أنه مدين وينفق بالاستدانة. لم يتوقف سيل الديون، علماً أن الحكومة الحالية، تبرِّئ نفسها من هذه اللعنة وترتكبها. اعتاد اللبناني أن يستقل عن دولته، فهي في حال سبيلها اهتراءً وتخلفا وتراجعاً وتهافتا واقتساماً وتنازعاً وتوزعاً واستتباعاً، وهو في حال سبيله، هجرة أو إقامة مؤقتة... غريب هذا البلد، معظم سكانه الذين يحبونه، (لأنه بلد محبوب أصلاً) يعيشون فيه كبلد إقامة مؤقتة، لا بلد انتماء وإدامة.
لا جملة مفيدة بعد، ترشح لنا بقاء لبنان، بعد تكريس الفراغ كسلطة شرعية وحيدة. لا مكان ممتلئاً بحضور قواه الفاعلة، ولو لفترة. لا طاولة حوار، ولا مصافحة، ولا تبادل أنخاب ولا S.M.S، أو تغريدة خاصة. لا إمكانية لتوقع لقاء مكتمل النصاب في البرلمان. لا قدرة على جمع النواب والحكومة لدراسة الموازنة ومناقشتها، لإقرار أي أمر تشريعي. لا إمكانية لتوحيد كلمة الحكومة المشلّعة والمسلحة بالخناجر المستورة، للطعن غب الخروج من الجلسات. لا مكان في دولة راعية، اقليمية أو دولية، يلتقي فيها قادة أركان الفراغ، لتنظيم الفوضى. كل العواصم مشغولة عن لبنان، وأهل لبنان مشغولون عنه بسوريا والسعودية وإيران.
لا أحد ادعى حتى الآن، من قادة لبنان، أن الفراغ القائم راهناً، لن يوصل البلد إلى الفراغ الكبير، فلا يعود لدينا مجلس، يلتئم يوماً ما، أو سنة ما، ليشكل مكان التقاء شرعياً. ولا يبقى لنا سلطة تنفيذية، إلا سلطة تسيير الفراغ، ولا تبقى لنا مؤسسات أمنية، حل الفراغ في قياداتها، بعدما تآمر العمر القانوني على من يتولاها راهناً.
البلد مرشح أن يدخل الفراغ الكبير، الذي قد يطيح الكيان، الموحد حتى الآن، لعدم قدرة المتحكمين فيه، على تقسيمه، بطريقة «أرثوذكسية» معممة على الطوائف والمذاهب برمتها... الفراغ الكبير، يأخذ لبنان إلى أبعد من إيران وأبعد من السعودية وأبعد من طرفي النزاع في سوريا، خاصة إذا بدأت حرب ملء الفراغ الوطني، بالفراغ الطائفي المسيطر. عندها، لا عودة إلى الوراء.
في هذه الأثناء، عبثاً يبحث اللبناني عمن يحميه. الصدفة وحدها صديقته. ان أخلصت له على الطرقات الحساسة المسكونة بشياطين الفتنة. لا أحد يحمي اللبنانيين، لا في لبنان، ولا في خارجه. اللبنانيون في دول الخليج ليسوا على ما يرام. صاروا يشبهون المقيمين بالخوف. خوف على مستقبلهم ووظائفهم ومؤسساتهم وعيشهم. ولا دولة تحمي هؤلاء. طوائف الدولة كذلك غير قادرة على حماية أحد، ربما يستثنى أتباعها من الترحيل إن حصل... وإذا حصل المقدّر، فمن يتحمل في لبنان تبعات هذا الترحيل أمنياً؟ من يتحمل تبعات وقف التدفقات المالية التي يرسلها المغتربون إلى أهلهم؟ لا أحد. الفراغ ولادة عنف. ولقد رأينا بعض فصوله، شمالا وبقاعاً وجنوباً وعاصمة.... وهلم جراً.
النأي بالنفس، عندما ينتهي سحره الكاذب، بعد النكسات التي أصيب بها مراراً، سترثه سياسة «غض النظر»: «ارتكبوا، وسنغض النظر». إفعلوا ما شئتم، فنحن الممثلون الشرعيون للقرود الثلاثة التي لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم.
لبنان لم ينته بعد. إنه قيد الانتهاء الطويل. انه انتهاء لم يصل إلى النهاية بعد. الكارثة، انه على وشك النهاية دائماً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018