ارشيف من :أخبار لبنانية
«المستقبل» الطرابلسي مشتت.. وأولوية رئيسه الانتقام من ميقاتي
غسان ريفي - صحيفة "السفير"
تدرك القيادة المركزية في «تيار المستقبل»، على مسافة أقل من ثلاثة أشهر من الموعد الافتراضي للانتخابات النيابية، أن «الشعبية الزرقاء» ليست على ما يرام، لا سيما في المناطق التي كانت حتى الأمس القريب تعتبرها خزانها البشري واحتياطها الاستراتيجي، كما هي حالة مدينة طرابلس ومحافظة الشمال.
وتدرك القيادة نفسها، أن أي استنهاض يمكن أن يحصل اليوم في تلك المناطق يحتاج الى حضور الرئيس سعد الحريري دون سواه، والى فيض من العواطف والخدمات والتعبئة والى كثير من المصالحات والإقناع لاستعادة بعض الشارع السني الى «الحظيرة الزرقاء»، وذلك في ضوء الأخطاء التي تراكمت منذ الانتخابات الماضية وشكلت أكثر من جدار مرتفع حال دون تواصل التيار مع قواعده الشعبية.
وتشكل طرابلس، في هذا الإطار، عامل القلق الأبرز على الصعيد الانتخابي بالنسبة للرئيس سعد الحريري الذي عين مؤخراً عبد الغني كبارة مستشاراً له للشؤون الطرابلسية وأمامه مهمة عاجلة تتمثل بتحديد صلاحيات القيادات الزرقاء فيها كل بحسب الفئة القادر على مخاطبتها.
ويأتي ذلك انطلاقاً من أن طرابلس هي المدينة الوحيدة في لبنان التي يستطيع من خلالها رئيس الحكومة السابق أن يثأر لكرامته من حلفاء الأمس الطرابلسيين الذين لم يشاركوا في عملية إقصائه مباشرة عن السلطة (لحظة دخوله الى البيت الأبيض)، لكنهم شكلوا لاحقاً «بيضة القبان» التي حالت دون عودته الى السرايا من جهة وترجيح كفة نجيب ميقاتي من جهة ثانية.
الفيحاء.. والضريبة المزدوجة
من الواضح أن الموضوع صار شخصياً عند الحريري، ولا يخفي الأخير مشاعره بأنه يريد «ردّ الصاع صاعين» لكل من ميقاتي ومحمد الصفدي وأحمد كرامي في صناديق الاقتراع لأنهم كانوا شركاء في «الانقلاب».
وليس خافياً على أحد أن طرابلس تدفع منذ نحو سنتين ضريبة مزدوجة: خروج الحريري من السرايا و«كفارة» الأزمة السورية، واللوم الطرابلسي كبير على «تيار المستقبل» لأنه قرر نقل الجزء الأكبر من جولات معركة إسقاط الحكومة الميقاتية والتفاعل مع الحدث السوري الى ساحات عاصمة الشمال وشوارعها.
ويمكن القول إن الحلم الذي يراود سعد الحريري بالثأر المزدوج من بشار الأسد ونجيب ميقاتي تبدو طرابلس ساحته «المثالية»، ولو أنه يصطدم بعقبات أساسية أبرزها عدم الإيفاء بموجبات «اختيار» الساحة، وأولها تراجع الخدمات وثانيها الفوضى التنظيمية وثالثها تحوّل الشارع الى قنبلة موقوتة يملك زمام تفجيرها زعماء الأحياء الجدد، وكل ذلك ينعكس سلباً على شعبية «التيار الأزرق» في المدينة الذي صار بعيداً عن نبض الشارع وعاجزاً عن التفاعل المباشر معه.
ولعل العامل المتمثل باستمرار إغلاق «حنفية» الخدمات والمساعدات والتقديمات العينية والمالية، له مفاعيله السلبية التي تتجاوز طرابلس والشمال الى كل مناطق نفوذ «المستقبل» في لبنان، فكيف في مواجهة مناطق تعدّ الأكثر فقراً على المستوى الوطني لا بل على مستوى ساحل المتوسط، والمقصود هنا المناطق الشعبية ذات الكثافة السكانية في طرابلس التي تعتبر أنها أعطت الحريري ما لم تعطه لأي زعيم سياسي من قبل، لكنه أحجم عن ردّ الجميل لطرابلس.
من حكومتَي فؤاد السنيورة الى حكومة الحريري الى يومنا هذا، كان الخط البياني للفقر والحرمان والبطالة يتصاعد، وزاد الطين بلة أن «البديل» المتمثل بالمساعدات الموسمية توقف نهائياً في السنتين الأخيرتين.
المجموعات المسلحة المتفلتة
ومن بين العراقيل الأساسية التي يواجهها سعد الحريري طرابلسياً، عدم قدرة تنظيمه الأزرق على مخاطبة الشارع بأكثرية فئاته ومكوّناته، فلسان حال معظم العائلات الطرابلسية أن المواقف التصعيدية المتشنجة لنواب «المستقبل» وأركانه «باتت تمثل عامل تفجير في المدينة لا يريده أحد». أكثر من ذلك، فإن من يتحكم بالأرض هي المجموعات الشبابية المتدينة والمهمّشة التي تسيء من حيث تدري أو لا تدري الى صورة العاصمة الثانية.
والإسلاميون الذين يتنامى دورهم انطلاقاً من دعمهم للمعارضة السورية ومن المواقف السياسية التحريضية ضد «حزب الله» وسلاحه و«المشروع الايراني»، يعتبرون أن سعد الحريري تخلى عنهم في أحرج الأوقات، ومؤخراً يأخذون عليه أنه «أفرط في تقديم صورة علمانية غير مبررة لتياره السياسي الذي يتموضع في بيئة تقليدية محافظة، بإعلان موافقته على المضي قدماً في مشروع الزواج المدني».
وترى وجوه في المجموعات المسلحة في التبانة والقبة والمنكوبين أن التحريض المستمر من قبل الحريري ونوابه ضد سوريا و«حزب الله» يعبئ الشارع، لكنه لا يترجم تسليحاً أو حتى دعماً مالياً لها، في وقت يتبرأ تياره السياسي منها في كل مناسبة، ويكيلون الاتهامات لها ويصفونها بأسوأ النعوت وهي التي رفعت شعار العداء للنظام السوري وخاضت منذ العام 2008 جولات عنف عدة ضد جبل محسن تحت شعار «دم الرئيس الشهيد رفيق الحريري» فيما كان الحريري الابن يزور الرئيس بشار الأسد أكثر من مرة.
كل هذه الإشكاليات يضعها الحريري مع قيادته المركزية على بساط البحث، في محاولة واضحة لاستدراك ما يمكن استدراكه، بما يمكن «التيار الأزرق» من إعادة تزخيم وتفعيل حضوره في طرابلس وخوض الانتخابات النيابية فيها، في مواجهة «حلف الشر الطرابلسي» المتمثل بالرباعي ميقاتي، الصفدي، أحمد كرامي وفيصل كرامي.
تيار سياسي واحد بمنازل كثيرة
واللافت للانتباه أن جميع القيادات الزرقاء تعترف أن ثمة مشكلة على صعيد حضور «تيار المستقبل» في طرابلس، لا سيما في ظل التناقضات الحاصلة بين أركانه، فالنائب سمير الجسر منكفئ اعتراضاً على «الغوغائية المعتمدة»، المتمثلة بتكرار سياسة اللجوء الدائم الى الشارع وإقامة المخيم في باحة معرض رشيد كرمي الدولي قبالة منزل الرئيس نجيب ميقاتي ومنازل مئات العائلات الطرابلسية التقليدية القاطنة في تلك المنطقة، وهذا الموقف الذي كان نفسه في «يوم الغضب الشهير»، يعرّضه لكثير من الانتقادات من قبل كوادر التيار الأزرق المتحمّسين لترجمة اعتراضهم في الشارع، وصولاً الى اتهامه بأنه يسعى الى نسج تسوية طرابلسية معينة مع الخصوم، في وقت يغيب فيه زميله بدر ونوس عن كل النشاطات بسبب وضعه الصحي.
أما المنسق العام لـ«تيار المستقبل» الدكتور مصطفى علوش فيجد نفسه عاجزاً عن تلبية آلاف طلبات المساعدات في ظل عدم توفر أي ميزانية مالية لذلك، فضلاً عن معاناته الدائمة من «الاسلاموفوبيا» التي تجعله غير مقبول بأي شكل من الأشكال من قبل الاسلاميين الذين حاولوا في يوم من الأيام الاعتداء عليه في أحد الاعتصامات تضامناً مع الموقوفين الإسلاميين، وهو يواجه اليوم تداخلاً في الصلاحيات بينه وبين منسق التنظيم الذي عين مؤخراً، اي العميد فضيل الأدهمي، ما دفعه الى منح نفسه إجازة قسرية لمدة أسبوعين يمضيهما في أوستراليا في محاولة منه الى دفع كرة الأزمة الى الأمام.
ويشكل النائب محمد كبارة رأس الحربة ضد النظام السوري و«حزب الله» وهو بالأساس يتمتع بحيثية شعبية طرابلسية بمعزل عن «تيار المستقبل»، وقد بدا ذلك واضحاً في المهرجانات الأخيرة التي جرى تنظيمها في المدينة، كما يسعى كبارة الى ربط «المستقبل» ببعض الهيئات الإسلامية عبر «اللقاء الوطني الاسلامي»، برغم الاعتراضات الدائمة التي يبديها المشايخ المشاركين فيه على أداء الرئيس سعد الحريري وتياره محلياً وإقليمياً.
عبد الغني كبارة مستشاراً
هذا بالاضافة الى كثير من الكوادر والشخصيات التي كانت من ضمن مطبخ الرئيس الشهيد رفيق الحريري والتي تجد نفسها اليوم مهمّشة بشكل كامل ما يولد لديها ردة فعل عكسية على أداء التيار، ولا سيما اقفال نوابه الحاليين ابواب منازلهم ومكاتبهم بوجه من يراجعهم أو يحاول تقديم المشورة لهم.
انطلاقاً من هذا الواقع، قرر سعد الحريري بالتنسيق مع أمين عام «التيار» أحمد الحريري، اتخاذ خطوات ميدانية عاجلة لإعادة تلميع صورة «تيار المستقبل» وحضوره في المجتمع الطرابلسي، وبما أنه لمس صعوبة بالغة على أبواب الانتخابات النيابية في إعادة ترميم الهيكلية التنظيمية وإقناع أبناء المدينة فيها على قاعدة «من جرّب المجرّب كان عقله مخرباً»، وجد أن الطريقة الأمثل لذلك تتمثل في اعتماد الصدمات الايجابية والعمل وفق قاعدتي إعطاء «لكل مقام مقال» «ومن لسانك آتيك» أي بتسمية قيادات قادرة على مخاطبة الفئات الطرابلسية.
وفي هذا الإطار، أقدم الحريري على خطوة تعيين المنسق السابق للتيار في طرابلس عبد الغني كبارة مستشاراً له في طرابلس وهو شقيق النائب محمد كبارة وكانت له بصمات إيجابية بشهادة الجميع في فترة توليه سدة المنسقية بين العامين 2005 و2009، وبذلك يكون الحريري قد ضرب عصفورين بحجر واحد، أولاً في الحفاظ على النائب كبارة وشعبيته الى جانب التيار، وثانياً في الاستفادة من علاقات المستشار الجديد مع العائلات الطرابلسية التقليدية، مثلما يستطيع مع النائب سمير الجسر (وهو زوج شقيقة كبارة) إعادة تلك العائلات الى الحظيرة الزرقاء، وذلك بعد فشل التنظيم الأزرق في مقاربة تطلعاتها وهواجسها..
أسئلة وتدابير
لكن يبقى السؤال كيف يمكن لعبد الغني كبارة أن يوفق في مهامهة المقبلة بين شقيقه وبين سائر المرشحين للانتخابات المقبلة؟ وهل سيؤدي ذلك الى حساسيات جديدة في تيار بات معروفاً بتنافر قياداته وتعارض مصالحها؟
يرى مطلعون على أوضاع «تيار المستقبل» أن التدابير التي يمكن أن يتخذها سعد الحريري في هذا الاطار قد تحوله الى تيارات عدة منها: تقليدي بقيادة كبارة ـ الجسر، إسلامي عبر «اللقاء الوطني الاسلامي» الذي يضم النائبين خالد ضاهر ومعين المرعبي وعدداً من المشايخ، شعبي متدين بقيادة النائب محمد كبارة، علماني بقيادة المنسق الحالي مصطفى علوش ومعه منسق التنظيم فضيل أدهمي ومجلس المنسقية، إضافة الى الاعتماد على العقيد المتقاعد في الجيش اللبناني عميد حمود في التواصل مع المجموعات الشبابية الإسلامية ولا سيما المسلحة للاستفادة منها في القضايا الأمنية كذراع عسكري أرزق..
ويشير هذا التوزع الى أن محمد كبارة يشكل نقطة تقاطع بين مجموعة حيثيات عائلية ودينية وشعبية، فضلاً عن تماسه الوثيق مع كوادر التبانة والقبة والمنكوبين مباشرة او من خلال عميد حمود من موقعه في «اللقاء الوطني الإسلامي» الذي يعقد معظم اجتماعاته في منزل «ابو العبد» كبارة.
هل ينجح عبد الغني كبارة في توظيف هذا التنوع أم يخشى أن يؤدي هذا التفرع في المهام والصلاحيات الى مزيد من صراع النفوذ بين القيادات «المستقبلية»، والى أزمات داخلية؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018