ارشيف من :أخبار لبنانية

من يجرؤ على قول لا لـ"إسرائيل"؟

من يجرؤ على قول لا لـ"إسرائيل"؟

"الخليج" - الوزير الاسبق عصام نعمان

لا أغالي إذا قلت إن معيار قوة أي رئيس أمريكي هو قدرته على ان يقول لا ل”إسرائيل” .

ما من رئيس استطاع ذلك باستثناء الرئيس دوايت ايزنهاور غداة “حرب السويس” سنة ،1956 يومها قال ايزنهاور لبريطانيا وفرنسا وذيلهما “إسرائيل” “لا” سافرة فاضطرت الدول الثلاث إلى وقف عدوانها على مصر .

ايزنهاور قال “لا” آنذاك، لأن مصالح الولايات المتحدة أملت عليه ذلك . وكان قراره في محله وعاد عليه بنفع كبير إذ ورثت بلاده تركة الاستعمارين البريطاني والفرنسي في المنطقة وعززت علاقاتها مع مصر والعرب، إلى حين، من دون ان تتأذى من اللوبي اليهودي في الداخل الأمريكي .

ما من رئيس بعده تجرأ على ان يقول لا ل”إسرائيل” . فهل لأن أحداً من هؤلاء لم يقع على مصلحة لبلاده تبرر له قولة “لا” لها ؟

الحقيقة ان مياهاً كثيرة جرت تحت جسور المنطقة بعد حرب السويس أدت إلى نشوء تحديات وتطورات زادت من حاجة الولايات المتحدة ل”إسرائيل” . ذلك بالتأكيد يحول دون تجرؤ أي رئيس أمريكي على ان يُضعف حليفته الصهيونية بقولةِ لا لها . لكن “إسرائيل” تصرفت أحياناً على نحوٍ ألحق الضرر بمصالح الولايات المتحدة مع حلفائها العرب، ومع ذلك لم يتجرأ رئيس أمريكي على اتخاذ موقف سلبي منها، فلماذا ؟

لأن نفوذ اليهود الصهاينة في أوساط الشبكة الأمريكية الحاكمة (الاستبلشمانت) وفي ميادين الحياة العامة تزايد وتعمّق الى درجة لم يعد في وسع قادة الولايات المتحدة معها ان يعارضوا اللوبي اليهودي من دون ان يلحق بهم ضرر سياسي او مادي .

غير أن أبرز أسباب هذه الظاهرة الفريدة هو انعدام وزن العرب في الحياة الدولية ما جعل الدول الكبرى، لاسيما الولايات المتحدة، بمأمن من أي ضغوط داخلية أو خارجية تمس مصالحها وتضطرها الى مراعاة المصالح العربية .


باختصار، العالم يراعي من له القدرة على ان يضرّ وان ينفع . باستثناء زمن جمال عبد الناصر، ما كان لدى العرب الإرادة والقدرة على النفع والضرر معاً . كان لدى بعض قادتهم القدرة على النفع، لكنهم لم يقايضوا بها الضغط على “إسرائيل” لاحترام قرارات الأمم المتحدة وتنفيذها .

رغم كل هذه الحقائق والتجارب، راهن بعض العرب على الرئيس باراك اوباما وتوقعوا منه موقفاً حازماً من بنيامين نتنياهو يحمله على التزام حل “دولتين لشعبين” . لكن الرئيس الأمريكي أخفق خلال اجتماعه الأول مع رئيس الحكومة “الإسرائيلي” في استخلاص موقف واضح منه لهذه الجهة . بالعكس، بدا من ظاهر الحال ان اوباما راعى نتنياهو كثيراً ولم يسمح لنفسه بأن يشير، ولو بصورة عابرة، الى “هدية” حكومة “إسرائيل” الاستباقية له عشية الاجتماع بمباشرة إقامة مستوطنة “ماشخيوت” في غور الأردن شرق الضفة الغربية .

قد يخيل إلى بعض العرب ان نتنياهو أحرج اوباما عشية اجتماعه إلى الرئيس حسني مبارك ومحمود عباس وقبل نحو أسبوعين من انتقاله إلى مصر ليخاطب العالم الإسلامي من فوق منبر جامعة القاهرة .

إني لا أشاطر هؤلاء رأيهم المتسرع . أرى ان اوباما غير محرج لسبب بسيط هو ان أصدقاءه العرب غير محرجين، فلماذا يكون “ملكياً أكثر من الملك”، كما يقول المثل الفرنسي ؟

قد يتساءل البعض عمّا سيقوله اوباما للعالم الإسلامي من القاهرة في 4/6/،2009 وعمّا إذا بقي لديه هامش حركة كاف ليَعِد العرب والمسلمين بشيء محسوس بالنسبة لقضية فلسطين؟

أرى انه سيعود إلى ما قاله في خطبة تنصيبه بأن “إسرائيل” ليست وحدها المخطئة سحابة الستين سنة الماضية وان العرب يتحملون قسطا من المسؤولية أيضا . كل ذلك كي يعود إلى مطالبة الفلسطينيين والعرب والمسلمين بمزيد من التنازلات لطمأنة “إسرائيل” وحثها على تقديم تنازلات مقابلة .

من هنا تستبين الحاجة إلى ضرورة استعادة الفلسطينيين توافقهم الوطني ووحدة الصف قبل حضور اوباما إلى القاهرة كي يكون في وسعهم ان يعلنوا، عشية وصوله كما بعده، ان لا سبيل الى تقديم أي تنازلات بعد الآن، وان الفلسطينيين لن يجلسوا إلى طاولة المفاوضات إلاّ بعد موافقة “إسرائيل”، المسبقة، بضمانة رئيس الولايات المتحدة، على إعلان الالتزام بالآتي:

* الموافقة على الانسحاب إلى خطوط 1967 وفق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، والدخول في المفاوضات وفق معادلة “الأرض مقابل السلام” .

* وقف أعمال الاستيطان وإزالة جميع المستوطنات، “القانونية” والعشوائية، التي أقيمت بعد سنة 2000 كشرط لموافقة الجانب الفلسطيني على المشاركة في المفاوضات، على ان تجري كل هذه الإجراءات تحت رقابة لجنة دولية خاصة .

* الموافقة على بحث جميع القضايا العالقة في المفاوضات وفي مقدمها قضايا “الوضع النهائي” كالقدس، وعودة اللاجئين، وحدود الدولة الفلسطينية، وحقوقها في مصادر المياه الخ .

قد يقول قائل ان موازين القوى الإقليمية لا تسمح للجانب العربي، ناهيك عن الجانب الفلسطيني، بأن يطرح هذه الشروط .

هذا صحيح . لكن مقتضيات الخروج من الوضع المهين الذي يرتع فيه العرب حالياً تفرض عليهم تخيير أمريكا بين إكراه “إسرائيل” على اعتماد هذا النهج في المفاوضات وإلاّ فإن الفلسطينيين ومن يجاريهم من أهل الممانعة والمقاومة بين العرب سيجدون أنفسهم مضطرين إلى استثمار مأزق أمريكا المضني والمتفاقم في المنطقة عموماً وفي العراق وأفغانستان وباكستان خصوصاً من أجل الشروع في بناء ميزان قوى جديد يسمح لهم، في قابل الأيام، بأن يفرضوا على “إسرائيل” الإقرار والوفاء بحقوقٍ ثابتة غير قابلة للتصرف تفوق أضعاف ما يطالبون به اليوم .

انتظار عطف الأشرار ليس مهنة الأحرار

2009-05-23