ارشيف من :أخبار لبنانية
«المستقبل» ـ «القوات»: ما بعد «الأرثوذكسي» ليس كما قبله!
كلير شكر - صحيفة "السفير"
ليس مقدّراً لسمير جعجع أن يعيش نشوة الزعامة خارج العباءة «القواتية».
في 14 شباط 2012، دخل الرجل على جمهور «تيار المستقبل» في «البيال» زعيماً. هكذا بدا في عيون مشاهديه وسامعي خطابه. ليس سهلاً على الآتي من القلعة الكسروانية إلى رحاب العاصمة، لا بل من ماضٍ قاتم إلى آفاق المستقبل، أن يتحكم بجمهور رفيق الحريري، وأن يتناغم وإياه في مناداة «الثورة السورية»، أن يجاريه في تعداد قراها، واحدة تلو الأخرى، ويسبقه إلى العمق الشامي. حصل ذلك مرة واحدة.
طبعاً كانت لحظة استثنائية. تختصر مساراً طويلاً، ولد مع خروج قائد «القوات» من السجن في اليرزة، واستمر طيلة ثماني سنوات. كانت العلاقة بين «الحكيم» وسعد الحريري، موضع حسد، من جانب محبيهما كما باغضيهما. «انه زواج ماروني لا يحلّ رباطه» هكذا كان يردد الجانبان.
فعلت «السين سين» الآذارية (سعد وسمير) فعلها. ما يجمعهما لا تفرقه مطبات أو ملفات أو فقدان الكيمياء بين فؤاد السنيورة وقائد «القوات». كان الحليف المسيحي الأول يطلب ما يتمناه من مقاعد نيابية، فتقدم له على طبق أزرق. يسرح في نظره إلى خارج الحدود، فتعبّد أمامه طريق «الواحة الخليجية». يبارك «الشيخ» الحراك الدمشقي، فيرد «الحكيم»: «ليحكم الأخوان»!
ظل المشهد وردياً... إلى أن وقع «المحظور الأرثوذكسي». كانت منتظرة من أمين الجميل، فأتت من سمير جعجع. سقط ميثاق الشرف في تلك الليلة البطريركية الشتوية، بعد صموده لسنوات. محاولات الإقناع «المستقبلية» مع «القواتيين»، قبل أيام معدودة من الاجتماع المسيحي، لم تنفع.
جاء الكفّ مؤلماً على خدّ «الزرق». اعتقدوا أنّ ما يسمعونه ويشاهدونه هو مجرد وهم. فحليف السراء والضراء «لا يغدر» و«لا يخون»، ولا يمكن له أن يتمرّد على «عباءة الحرير». وبالنتيجة اقتنعوا أنّ سمير جعجع فعلها. لم يهضموا «فعل الخيانة الموصوفة»، كما قالوا عنها في جلساتهم وأمام الأصدقاء المشتركين، ولم يعنهم «العضّ على الجرح»، فأخرجوا ما في صدورهم من غضب وشكوه للملأ.
حملة إعلامية منظّمة، بقرار مركزي «مستقبلي»، حاولت الاقتصاص من الإلتحاق المعرابي بقطار الإجماع المسيحي تحت عنوان استرداد الحقوق المسيحية الضائعة... لكنها عجزت عن إعادتهم إلى بيت الطاعة أو بالأحرى «بيت الوسط».
كان لا بدّ من مضاعفة الضغط. يتردد أنّ ماكينة «المستقبل» تجنّدت خلال الأسابيع الماضية، لإقفال أبواب الخليج بوجه جعجع. يعتقد بعض «المستقبليين» أنّ الخطوط المباشرة التي فتحها رئيس «القوات» مع بعض الدول الخليجية، بدعم مباشر من حليفه «الأزرق» هي التي نفشت «ريشه الطاووسي»، وزادته ثقة بالنفس وسمحت له بالانتفاض على رفاق الخبز والملح.
ويُقال أنّ الحملة أثمرت اعادة الأمور الى نصابها. الطريق بين معراب ودول الخليج لا بد وان يكون سعد الحريري ممرها الالزامي.
صحيح أنّ جلسات الممالحة أعادت أواصر التواصل بين «العاشقين المتخاصمين»، لكنها لم تلغ التشوهات التي أصابت العلاقة الثنائية في الصميم. وصحيح أن فاعلي الخير من فارس سعيد إلى عدد من رجال الأعمال والمال قد تطوعوا لترتيب الوضع المتعثر، لكنّ زجاج الثقة رقيق جداً، وإذا ما انكسر مرة، فسيستحيل لحمه من جديد.
كلام كبير يردّده «المستقبليون» بحق «القواتيين»، ويريدونه أن يصل إلى آذان ساكن القلعة الكسروانية. ينبشون دفاتر الحسابات النيابية والسياسية: نحن من أدخلناه إلى العمق السني في لبنان، ولولا دعم «المستقبل» لما كان بإمكانه التنقّل بين القرى العكارية. نحن من فتحنا أبواب الجنة الخليجية أمامه، واستطراداً حنفيات المال، التي لولاها لما تأمنت له الاستمرارية. لا يمكن له أن يمنّنا بغطاء الشرعية المسيحية، فعلاقتنا بالبطريركية المارونية سابقة لعلاقتنا بـ«القوات». نحن من قدمنا أصواتنا لنفخ الكتلة «القواتية»، بينما هي عاجزة عن تحقيق انتصاراتها في عقر دارها المسيحي.
وحتى في لقاء المصارحة الذي حمل فؤاد السنيورة إلى معراب، تودّداً للحليف المنقلب، لم تنفع المجاملات بين الرجلين. في قرارة ذاته، كان رئيس الحكومة السابق يمنح لنفسه شهادة في حسن قراءة طباع الناس وسلوكهم. «قلبه المليان» جعله يضع النقاط على الحروف أمام مضيفيه، متمسكاً بجديته المعهودة في الحوار، وبأسلوبه المباشر. قال كلاماً عن الأكلاف والمكاسب التي ربحها جعجع مع «المستقبل»، والتي سيبددها مع تبنيه «الأرثوذكسي». رسم مقاربة مبسّطة عن «القوات»، قبل 14 شباط 2005، وبعد هذا التاريخ.. وما سيتبقى من «رصيدها الوطني» بعد «الأرثوذكسي».
الخلاف حول قانون الانتخابات ليس عابراً. إنه ألف باء الحياة السياسية. ولهذا لم يقتنع «المستقبليون» بكل المبررات التي سردها جعجع دفاعاً عن ركوبه «قطار الأرثوذكسي». يقولون «إذا كانت «القوات» قد انتفضت علينا في مسألة جد حساسة كقانون الانتخابات النيابية، «فماذا ستخبئ لنا الأيام المقبلة؟» يضيفون: «إذا كانت أزمته في عديد كتلته النيابية ولذلك يسعى إلى توسيع بيكارها، فليواجه خصمه اللدود ميشال عون وليقتنص منه النواب بالمواجهة». لا مبررات بنظرهم لإلغاء النواب والشخصيات المستقلة... إلا لأسباب رئاسية «في نفس يعقوب»!
يذهب البعض في تحليله للانتفاضة «القواتية»، إلى أفكار ما تزال تدغدغ جعجع. حلم الزعامة المسيحية وصولا الى «الأمر لي» طريقا الى رئاسة الجمهورية. كان الحلف المقدس مع «المستقبل» يحتلّ أولى المراتب، فصارت الصدارة لقانون انتخابي يؤمّن التحرر من قيود التفاهم مع «المستقبل».
ولهذا لا يمكن لمسكنات العلاج الموضعي أن تضمد جرحاً بليغاً بين «الرفيقيْن». «الأرثوذكسي» لا يزال بينهما، حياً يرزق. وإذا لم يُدفن، فقد لا تجد العلاقة الثنائية دواءها الشافي. مع ذلك، تسعى «القوات» جاهدة للوقوف إلى جانب حليفها في المشاورات المشتركة حول الاقتراح المختلط.
لا بدّ للحليفين أن يجيبا على تساؤلات كثيرة قبل أن يكملا مسارهما التشريعي: ماذا لو انسدّ الأفق أمام الاقتراح المختلط؟ كيف سيتصرف «الزرق» في حال أحرجت «القوات» بالتصويت على اقتراح «اللقاء الأرثوذكسي» أمام الهيئة العامة؟ هل هم مستعدون لتقديم تنازلات إرضاءً لحليفهما المسيحي؟
هذا المشهد القاتم، لا يعني أبداً أن سمناً وعسلاً يسود العلاقة بين «المستقبل» و«الكتائب». ولا يعني أبداً أن جلسة السنيورة مع «صديقه» الرئيس أمين الجميل في بكفيا، كانت أفضل حالا... ولا يعني أبداً أنّ عدّاد الانتقادات الحريرية، علّق عمله. ولكن الخلاف مع «الكتائب» له حلّه و«حساباته» دوماً.
يكفي أن يُبلغ وليد جنبلاط بعض سائليه من «تيار المستقبل» عن أسماء لائحته الجبلية، رفضه السماع بأي اسم «كتائبي» أو «قواتي» قد يجدّد لهم في الدورة المقبلة أو قد ينضمون إلى القائمة، كي تسقط آخر ورقة تين.
وإذا ما قدّر لجعجع أن يواجه جمهور «المستقبل» خلال الأيام المقبلة، فسيدرك تمام الإدراك، ما اقترفه بحق هذا الفريق... وسيسمع على الأكيد صيحات استهجان لا صيحات استحسان.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018