ارشيف من :أخبار لبنانية

موسكو تتمسك بالاستقرار والحكومة.. وعينها على الغاز

موسكو تتمسك بالاستقرار والحكومة.. وعينها على الغاز
نبيل هيثم - صحيفة السفير

لم تكد السفيرة الاميركية مورا كونيلي تنهي قبل ايام، تلاوة «فرمان» الدعوة الى اجراء الانتخابات النيابية وفق «قانون الستين»، حتى ولو فشل التوافق على قانون جديد، حتى سارع السفير الروسي الكسندر زاسبكين، في خطوة غير مسبوقة في تاريخ التعاطي الروسي مع الوضع اللبناني، الى مساجلتها مباشرة والتأكيد ان الانتخابات في لبنان تجري بتوافق داخلي وليس بأوامر من الخارج. وليس الاهم في رد زاسبكين دعوته الى عدم التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، بل تنبيهه الى ان الانتخابات يجب ان تخدم الاستقرار. وهنا ينبري السؤال التالي: ما الذي يدفع السفير الروسي الى اطلاق مواقف كهذه؟

يقول ديبلوماسيون مطلعون على ما يسمونه «التشخيص الروسي للوضع اللبناني» ان «اجندة» الاولويات الروسية تتضمن اولوية حماية الاستقرار اللبناني وابقاء لبنان بمنأى عن تداعيات الأزمة السورية.

وبرغم التشخيص الروسي بأن الوضع في لبنان «أشبه ما يكون ببركان سبق له ان ثار في الماضي، وتحاول بعض العوامل الداخلية والخارجية، ان تجعله يثور مجددا بعناوين سياسية ومذهبية»، فإن الديبلوماسية الروسية تبدي حرصها على تجنب أي أعمال يمكن أن تؤدي الى توتير الموقف، لا بل تبدي استعدادها لأي دور يمكن أن يساهم في تنفيس العوامل التي تشحن البركان وتهدد بتفجيره.

وثمة محطة بارزة في السجل الروسي تتمثل في لعب دور بارز في الدعوة غير المسبوقة لاجتماع سفراء الدول الدائمة العضوية في مجلس الامن في القصر الجمهوري في بعبدا اثر اغتيال اللواء وسام الحسن، ودعوتهم من هناك الى حفظ الاستقرار في لبنان، والأهم تثبيت التوافق الدولي على اســتمرار حكومة نجيب ميقاتي.

وما يطمئن الروس، كما يقول ديبلوماسيون متابعون، ان «الحرب الباردة» (الداخلية) المندلعة في لبنان حاليا، وتحت اكثر من عنوان، وعلى الرغم من حدتها، فإن ذلك لا يعني ان تلك الحرب تقترب من مرحلة السخونة والغليان، فالأميركيون والايرانيون يثبتون من خلال الوقائع اليومية حرصهم على الاستقرار وهذه نقطة ايجابية لمصلحة لبنان وسلمه الأهلي.

وينبع الاطمئنان الروسي من قناعة راسخة مفادها أن «لا مصلحة لأحد في لبنان حتى الآن، بنسف معادلة الاستقرار، ولا قدرة لأي طرف لبناني على تفجير الوضع، والطرف القادر لا يريد ذلك، كما أن بقية الأطراف ليست مستعدة لتحمل الأكلاف، وثمة تواطؤ ضمني بين اللبنانيين، لاعتبارات متضاربة، على تقطيع المرحلة الراهنة بأقل خسائر ممكنة بانتظار انقشاع الوضع السوري».

ويذكر الروس اللبنانيين بأنهم «محكومون تاريخيا بالتوافق في ظل تركيبة بلدهم الطائفية».. «فهذا البلد مجبول بالتسويات ولا قدرة لطرف على الانتصار على آخر، مهما بلغ حجمه ونفوذه».

ويؤكد الروس أنهم في ظل الاصطفافات السياسية اللبنانية، يتطلعون إلى الدور الذي يلعبه رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي ورئيس مجلس النواب نبيه بري والنائب وليد جنبلاط، من أجل محاولة إنتاج تسويات توافقية للملفات الخلافية، وأولها ملف الانتخابات. ويتفق الروس مع بقية سفراء الدول الكبرى على الدعوة إلى إجراء الانتخابات في موعدها ولعل المخرج الأنسب يتمثل في إعداد قانون انتخابي يرتكز على «الغموض البناء» (نتائجه غير مضمونة سلفا).

وبرغم الاعتراضات الخارجية، يبدي الروس تقديرهم لأداء الحكومة اللبنانية، ويعتبرون أن سياسة «النأي بالنفس» حيال الازمة السورية تشكل صمام أمان، كما أن الرئيس ميقاتي يشكل ضمانة لتقطيع هذه المرحلة. لذلك تدعم موسكو استمرار الحكومة من جهة، وتعتبر أن الحكومة ورئيسها يكملان بعضهما البعض، «فلا حكومة فاعلة بمعزل عن ميقاتي، والعكس صحيح».

يكرر الروس تأكيدهم على الاستقرار. ينبع ذلك من مقاربة تعتبر لبنان كما سوريا جزءا من الأمن القومي الروسي. «نحن ندرك أن بعض الجهات الدولية تحاول استغلال الموقف الروسي من الأزمة السورية، من أجل التحريض ضد روسيا في المنطقة، كما أن هذه الجهات تحاول اللعب على وتر التناقضات في المجتمع الروسي عبر الايحاء للمسلمين في الجمهوريات الروسية بأن حكومتهم تسكت عما يجري في سوريا لا بل تدعم طرفا ضد آخر».
والخطير في الامر بالنسبة الى الروس ان العديد من قيادات الحالات المتطرفة المنخرطة في القتال على الأراضي السورية (ضمن «القاعدة» أو «جبهة النصرة») يأتون من الشيشان، ومن هنا وجد الروس انفسهم في معركة دفاع عن روسيا ووحدتها في سوريا، والخشية كل الخشية ان تمتد الشرارة ومفاعيل ما يجري في سوريا الى الجمهوريات الاسلامية في روسيا.

وثمة واقعة معبرة عما يختلج في نفوس الاسلاميين في روسيا، وفيها ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التقى قبل فترة مفتي روسيا راوي عين الدين، وخلال الحديث بينهما اشار عين الدين الى تزايد أعداد المسلمين في الجمهوريات الروسية، بحيث سيعادل في العام 2050 عدد غير المسلمين في الاتحاد الروســي.

ووفق الواقعة نفسها، فان عين الدين، بناء على تقديراته، اقترح على بوتين ادخال تعديل على العلم الروسي يلحظ حضور المسلمين ديموغرافيا وسياسيا!

ولا يخفى على أحد أن الروس يقاربون الاستقرار اللبناني أيضا من زاوية ليس مصالحهم السياسية والأمنية، بل الاقتصادية، فهم لا يخفون رغبتهم في أن يكون لشركاتهم حضورها الفاعل في المثلث النفطي البحري اللبناني ـ القبرصي ـ الاسرائيلي.
2013-03-14