ارشيف من :أخبار لبنانية
الاسير يكتب بنفسه نهاية «فيلم» بدأ كوميدياً وسينتهي بمأساة تراجيديّة
ابراهيم ناصرالدين - صحيفة "الديار"
عندما رفع رئيس مجلس النواب نبيه بري سماعة الهاتف محذرا رئيس الحكومة نجيب ميقاتي من مخاطر استمرار سياسة «الحبل الرخوة» مع الشيخ احمد الاسير في صيدا، شارحا صعوبة السيطرة على الوضع اذا ما استمر جنوح الشيخ نحو التصعيد في ظل استمرار لامبالاة الاجهزة الامنية وعدم قيامها بعمل جدي يحد من تهوره، ظن يومها ان «الرسالة» قد وصلت خصوصا مع المسارعة الى انعقاد مجلس الدفاع الاعلى وبعده مجلس الامن الفرعي في الجنوب، لكن ما تبين لاحقا ان توجيه هذه الرسالة الحازمة والجدية لم تؤد الا الى حل موضعي مرتبط بوقف «الغزوة» الاسيرية على شقق حزب الله «المزعومة» في المنطقة، وتبين ايضا ان «الغطاء السياسي» الممنوح لهذه الظاهرة ما يزال على حاله، فلا الرئيس ميقاتي قادر على تجاوز الحالة السنية التي تكبل يديه وتمنعه من منح الجهات المختصة حرية الحركة المطلوبة لمعالجة هذا «الصداع»، ولا تيارالمستقبل يرغب في مساعدته في هذا الملف بل يرغب في الاستفادة من هذه الظاهرة حتى الرمق الاخير، وتوريط ميقاتي «للقبض» عليه متلبسا في جريمة «سفاح قربى» تؤدي الى «اعدامه» سياسيا.
هذا العقم في المعالجة السياسية حمل المؤسسة العسكرية مرة جديدة عبء مواجهة وضع شديد التعقيد، ولا تخفي اوساط متابعة لهذا الملف وجود حالة من «التململ» لدى كبار الضباط في المؤسسة العسكرية من سلبية استمرار الوضع على ما هو عليه لما لهذا الامر من انعكاس سلبي على معنويات المؤسسة العسكرية التي لا يمكن ان تتعايش مع انصاف الحلول، ولا يمكنها ان تكون «شيخ صلح» لتطييب الخواطر وتدوير الزوايا، والقيادة تدرك جيدا ان ما يحصل في صيدا لا يمكن ان يستمر على حاله الى «ما شاء» الاسير ومن وراءه، خصوصا ان معالجة الكمين في عرسال تم على «زغل» بعد تراجع حماسة المعنيين عن متابعة هذا الملف لجلب المتورطين الى العدالة، ما ترك القضية «جرحا» نازفا يؤثر على معنويات الجيش الذي اضطر مرة جديدة الى العمل وفق جدول اعمال سياسي لا يناسبه، يقوم على نظرية التروي وتحكيم العقل وانتظار الظروف المناسبة للاقتصاص من القتلة، مع العلم ان لا شيء يعيد الى الجيش هيبته الا «الحسم»، في مؤسسة شعارها «ممنوع الغلط».
وما يؤجج حالة الغضب القائمة حاليا بحسب الاوساط نفسها مرتبط بشعور متنامٍ لدى الجيش بوجود نية مبيتة لدى البعض لتحميل القيادة الحالية مسؤوليات يريد هؤلاء الهروب من تداعياتها السياسية، وثمة من يريد احراق «اوراق» قائد الجيش العماد جان قهوجي مبكرا من خلال دفعه الى ارتكاب اخطاء تحد من طموحاته العسكرية وحتى السياسية، ان وجدت، وهذا الامر شديد الخطورة لانه يحصل في توقيت لا يمكن الركون فيه الى ترف بعض السياسيين الذين لا يقدرون حساسية المرحلة التي لا تحتمل «مزاحا» سمجا فيما المنطقة تغلي وتداعيات العاصفة تقترب من الساحة اللبنانية. واكثر ما يثير الاستغراب ان هؤلاء لا يدركون مخاطر تلك اللعبة رغم التجربة اللبنانية المريرة خلال سنوات الحرب، ومن خانته الذاكرة عليه ان ينظر حوله ليرى بأم العين ان تماسك الجيش في سوريا منع انهيار الدولة، وخروج الجيش المصري بعد الثورة للامساك بالشارع منع انهيار المؤسسات المصرية وحمى الشرعية، ولذلك يبقى الجيش في لبنان ضمانة مركزية لمنع انهيار الاوضاع، الا اذا كان هناك من يعمل عن سابق تصور وتصميم لوضع الجيش في مواجهة الشارع كمقدمة لانهياره كما هو السيناريو القائم في مصر مع مؤسسة الشرطة التي تركت وحدها لتواجه حالة الفوضى السياسية والامنية في البلاد وهي مكبلة «بخطوط حمراء» ادت الى فقدانها زمام الامور وانهيار الامن وتعميم الفوضى.
هذه «المرارة» المقرونة بمعطيات يومية لم ولن تدفع المؤسسة العسكرية «المنضبطة» الى التمرد على القرار السياسي في البلاد، لكن تلك الاوساط تشير الى تعامل ذكي وفطن تقوم به القيادة العسكرية واذرعها الامنية المولجة ملف معالجة «ظاهرة» الاسير وفقا لمعادلة دقيقة للغاية تحفظ من جهة للجيش مناقبيته والتزامه بالسياسات العليا المرسومة من قبل مسؤولي الدولة، ومن جهة ثانية تحفظ لعناصر وضباط الجيش معنوياتهم وتجنبهم العوارض المباشرة والجانبية لمرض التردد عند البعض، ومرض التواطؤ عند البعض الاخر، ومن راقب تكتيكات الجيش المتبعة قبل ايام قليلة يدرك ان شيئا ما قد تغير وبدأ العمل عليه بعد دراسة معمقة «لعقلية» «زعيم الظاهرة الاسيرية»، وهو ما يمكن تسميته بعملية «الخطوة خطوة» لدفع الاسير نحو «الحائط»، اي بمعنى اخر زيادة الضغط عليه لدفعه اما الى التراجع او الى مراكمة الاخطاء حتى يرتكب «الخطاْ القاتل» الذي سيؤدي حكما الى حسم لا يحتاج الى قرار سياسي بل الى قرار ميداني تفرضه تطورات الاحداث على الارض.
وتشير المعطيات المتوافرة الى ان الاسير يسير بعيون مفتوحة نحو «الفاول» الذي سيؤدي الى طرده من الملعب «بالكارت الاحمر»، وهو رغم الاتصالات المكثفة التي اجريت معه قبل ساعات قليلة من قبل قيادات سلفية شمالية واخرى صيداوية نصحته بالتعقل في هذه المرحلة وعدم تصعيد عملية الاستفزاز ضد الجيش الا انه اصر على المعاندة، وقدم خدمة مجانية لاستخبارات الجيش عندما كشف بتحركاته الليلية في الشمال وبيروت والاقليم حجم انصاره ومناطق تواجدهم، وكشف ايضا انحسار التأييد لسياسته المتهورة لدى الجماعات الاسلامية الفاعلة والتي باتت تخشى ان يورطها مع «مشغليه» الاقليميين بمعركة خاطئة في الزمان والمكان مع المؤسسة العسكرية التي لا يمكن ان يكون عنوان الصراع معها ورقة رابحة على الساحة اللبنانية، اقله في هذه المرحلة.
هذه النقطة الجوهرية تسببت بحالة «الفتور» بين الاسير وتيار المستقبل، بعد عتب اوصلته قيادات التيار في صيدا ومعها القيادات الاسلامية الشمالية المحسوبة على التيار للاسير، فقد لفتت هذه القيادات نظره الى انه ساهم من حيث يدري او لا يدري باخراج حزب الله من «المشهد» ووضع نفسه في مواجهة مفتوحة مع المؤسسة العسكرية من خلال تخصيص اجزاء كبيرة من خطبه «الملتهبة» لتوجيه السباب والشتائم الى ضباط وعناصر الجيش، وتحدي الاجراءات الامنية المتخذة في صيدا ونقل التوترات الامنية من منطقة الى اخرى. كل ذلك غطى على الحملة المركزة على «تجاوزات» الحزب في صيدا و«السلاح غير الشرعي» وتورط الحزب في الازمة السورية، والسؤال الذي لم تحصل اجابة مقنعة حوله يتعلق بالمكسب الذي يمكن تحقيقه من خلال تحويل الانظار الى قضية هامشية عنوانها حماية مسجد بلال بن رباح من هجوم وهمي للجيش، يعرف الاسير في قرارة نفسه انه لم يكن قائما، وليس على جدول اعمال المؤسسة العسكرية، مما ادى الى احراج الجميع بعد ان انتقلت الازمة الى «مربع» اخر.
امام هذه المعطيات وفي ظل انعدام الرهان على حسم سياسي ينهي هذه «الظاهرة»، وفيما تنتظر المؤسسة العسكرية «المبادرة القاتلة» من الطرف الاخر، يبقى الاسير متحكما بكتابة نهاية «الرواية»، وهو امام مرحلة حاسمة لمراجعة جدية مع «مشغليه» في الداخل والخارج لرسم معالم هذه النهاية، فاما يكون السيناريو كوميديا يعيدنا الى البدايات «الكرتونية» لهذه القصة التي بدأت على شكل مزحة واصبحت «كابوسا» مزعجا، او بامكانه اختيار سيناريو تراجيدي حزين، لا ينتهي كما الافلام «الهوليودية» بانتصار البطل، وانما سينتهي على طريقة «الظاهرة الداودية» في الولايات المتحدة حين اقنع زعيم الطائفة انصاره بان الخلاص لا يكون الا بالانتحار الجماعي، وهي خلاصة يتجه اليها الاسير بسرعة قياسية، واذا استمر على هذا المنوال فهو بات «قاب قوسين» او ادنى من الوقوع في الهاوية بعد اشهر من الوقوف على حافتها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018