ارشيف من :أخبار لبنانية

الجيش في حقول الألغام: جردة حساب سياسية وعسكرية

الجيش في حقول الألغام: جردة حساب سياسية وعسكرية



هيام القصيفي - صحيفة "الاخبار" 
 
منذ أشهر، يتعرّض الجيش اللبناني لحملة ضاغطة بين قوى سياسية تريد أن يكون منحازاً إليها، ومحاولات أمنية لجرّ البلاد إلى الفتنة. وسط ذلك، ثمة مؤشرات مقلقة على الحدود وفي الداخل، في مقابل تحديات كبيرة تجعل الجيش يسير في حقول ألغام كثيرة.


لا يحسد أحد الجيش اللبناني، وقائده العماد جان قهوجي، على وضعه في ظل التطورات الأمنية والعسكرية والسياسية التي يشهدها لبنان، ووسط الاستحقاقات التي تدهم المؤسسة العسكرية والبلد على أكثر من مستوى: استحقاق الانتخابات النيابية واحتمالات الفراغ التي يمكن أن تدفع البلاد إلى المجهول، واستحقاق الحرب السورية التي دخلت عامها الثالث بإنذار سوري رسمي لمنع الاعتداءات على الحدود اللبنانية ــــ السورية، واستحقاق الأحداث الأمنية والبؤر المفتوحة على كل الاحتمالات وتصاعد المخاوف من الحركات الأصولية وخطر الإرهاب، واستحقاق التمديد لقائد الجيش أو عدمه، ليس كحدث في حد ذاته، بل من خلال الجو الذي يشيعه من ضغط على المؤسسة العسكرية وعلى الضباط والعسكريين.

الأمن والحدود اللبنانية السورية

في جلسة المجلس الأعلى للدفاع، التي عقدت أخيراً، طرح قائد الجيش على الحضور من رؤساء ووزراء وقادة أمنيين أن يسحب الجيش من الداخل من أجل نشره على الحدود. كانت المطالبة بانتشار الجيش ترتفع تدريجاً، فيما ترى شخصيات سياسية مطلعة أن لا حلّ لمنع استيراد الفتنة إلى لبنان إلا من طريق إقامة منطقة عازلة، وهو الأمر الذي تبنّته لاحقاً بعض الأحزاب اللبنانية. لكن المفارقة أن كلام قهوجي أفزع المجلس الأعلى، الذي لم يستسغ فكرة سحب الجيش ألويته من صيدا وطرابلس وعكار وعرسال وبيروت لضبط الحدود.
 ردّد قهوجي أمام سائليه من سياسيين: «أريحوا الجيش في الداخل لننتشر على الحدود». وفي المقابل، سمع من زواره الغربيين من سفراء وديبلوماسيين وقادة عسكريين أميركيين وأوروبيين وأمميين، دعوات لحماية استقرار لبنان ووحدته. فكيف يمكن تحقيق التوازن بين الاستقرار الداخلي وحماية الحدود؟
 يحتاج الجيش اللبناني حالياً إلى ما لا يقل عن أربعة ألوية، أي ما يزيد على عشرة آلاف جندي لنشرهم على الحدود، لا يمكن تأمينهم في الوقت الراهن بسبب عملية انتشار الجيش في الداخل، إضافة إلى معدات وآليات لا تزال غير متوافرة. وهو أمر لحظته الخطة الخمسية للجيش لإنشاء فوج خاص للحدود من الجيش فقط، إضافة إلى فوج الحدود المشترك. وفيما يتزايد الضغط الأمني على الحدود، نفّذ الجيش في الأسابيع الأخيرة عملية انتشار كبيرة غير مسبوقة على كل الأراضي اللبنانية، شملت تعزيز ألويته في طرابلس وعكار (لواءان وفوج)، وبيروت (ثلاثة أفواج) وصيدا والإقليم (لواءان) بالإضافة إلى عرسال. وهذا يعني أن إعادة الانتشار الواسعة شملت البقع الأمنية الحساسة التي يمكن أن تُشعل فتيل انفجار الوضع الداخلي، على خلفية المخاوف من استجرار الحرب السورية إلى لبنان واستعار الخلاف السني ــــ الشيعي أو السني ــــ العلوي. لذلك، تعززت أخيراً القطع المنتشرة في طرابلس بقوة بين طرابلس وعكار، وبين صيدا والجنوب بقطع رديفة في الصفوف الخلفية على أهبة الاستعداد للتدخل في حال تطور الوضع في هاتين النقطتين نحو الأسوأ. مع العلم أن الجيش، في ظل هذا الاستنفار، قد يتعرّض للإنهاك إذا استمرت لعبة الكر والفر بينه وبين العاملين على توتير الوضع.

 بالنسبة إلى الجيش، هناك مخاوف من ملف الحدود، وخصوصاً بعد الإنذار السوري. لكن الجيش يؤكد أنه سيلتزم أي قرار تتخذه الحكومة في هذا الشأن، وهو يؤكد أن الحدود الشمالية مضبوطة وأن جزءاً كبيراً من الحدود البقاعية يُضبَط بالإمكانات المتوافرة، مع اعترافه بأن ثمة تحركات لغير اللبنانيين تنشط بين الحين والآخر في الجرود. أما المخاوف الأخرى، فهي: فتنة سنية ــــ شيعية، حدة الشحن المذهبي، ارتفاع منسوب الخطر الإرهابي، ولا سيما بعدما تزايدت المحاذير من تسلل عناصر جبهة النصرة إلى لبنان. وتلتقي مخاوفه في النقطة الأخيرة مع مخاوف الديبلوماسيين الغربيين الذين يبدون قلقهم أمامه من هذا الخطر. وهناك مخاوف من مناطق تحمل في طياتها مخاطر موصوفة تتقاطع مع الإشارات الأصولية كعين الحلوة وبرج البراجنة.

 جاءت قضية عرسال لتصبّ الزيت على النار. سقط شهيدان للجيش، وتعرضت المؤسسة العسكرية لأقسى صراع حولها وشد حبال، بين دعوة تصاعدية إلى الدخول إلى عرسال والرد على مطلقي النار على عناصر الجيش، وبين الدعوة إلى التعاطي بروية على طريقة أن الجيش يمهل ولا يهمل. للجيش رواية مفصلة عما جرى في عرسال، والتحقيق الداخلي أثبت كثيراً من الوقائع التي حاولت بعض القوى السياسية نفيها كإطلاق النار عمداً على الرقيب خالد زهرمان بعد استسلامه. في المقابل، لا يريد الجيش أن يستخدم أي طرف لبناني أو خارجي عرسال أو جردها وتحويله منطلقاً لأعمال إرهابية. فثمة معادلة أرساها العماد قهوجي أخيراً، في اللقاءات التي عقدها مع معظم ضباط الجيش من مختلف الرتب على مدى ثلاثة أيام، ومفادها: «خالد حميد إرهابي مطلوب. عرسال بلدة لبنانية مئة في المئة ونحن لا نستهدفها ونتواصل مع أهلها، ولا نريد أن تكون نهر بارد جديداً. لكن الجيش لن يسكت عن التعرض لعسكرييه ولن يرتاح قبل أن يحقق العدالة لشهدائه. تماماً كما حصل في حوادث مماثلة في البقاع أو بيروت، ولو استلزم الأمر سنوات».

 يعرف الجميع مدى الضغط الذي تعرض له قهوجي للدخول إلى عرسال، من داخل المؤسسة من ضباط هالهم ما تعرّض له رفاقهم، ومن خارجها من كلام علني لزعماء سياسيين أولهم العماد ميشال عون وسجالات مجلس الوزراء والنصائح التي قيلت لقائد الجيش مباشرة. في المقابل، تركز السعي السياسي من بعض الأطراف لتحييد عرسال عن الضبط الأمني، وهي التي تشكل خلفية لتحرك مؤيدي المعارضة السورية، إضافة إلى منع تحويل الحادثة مصيدة للجيش واللعب على وتر العلاقة مع الطائفة السنية. وكان قائد الجيش يرد على الجميع: «ليجلس مكاني من يطلب مني الدخول إلى عرسال وليرِني ماذا سيفعل». أراد قهوجي تحقيق توازن مدروس بين ضغط العسكر والضباط والسياسيين، وبين المقتضيات التي ترفض زج المؤسسة، في هذه المرحلة الخطرة، في معركة خطرة بتوقيتها ودلالاتها الداخلية وانعكاسها على الجيش والبلد. لذا اختار الطريق الأصعب عبر خطة أمنية شاملة ومحكمة وطويلة الأمد لتوقيف المطلوبين فقط، من دون التعرض لأبناء البلدة. وقد تمكن في الآونة الأخيرة من توقيف عدد من المتورطين والمطلوبين من دون أن يعلن عن ذلك، حفاظاً على سرية العمل والتحقيقات.

الانتخابات والتمديد

بدأ قهوجي أمس تحركاً في اتجاه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، على أن يلتقي لاحقاً الرئيس نبيه بري، بعدما التقى رئيس الجمهورية ميشال سليمان قبل سفره إلى أفريقيا. هدفُ التحرك البحث في الوضع الأمني المتشنج نتيجة الوضع السياسي، ولا سيما في ظل عدم التوصل إلى قانون انتخاب. بالنسبة إلى الجيش، إجراء الانتخابات ضروري، بما هو أبعد من المواعيد الدستورية، من أجل حفظ الاستقرار، مهما كان نوع القانون. فالمهم إجراء الانتخابات، كي يرتاح المناخ العام داخلياً وتتفكك حلقات التشنج تدريجاً.
 ويوازي همّ إجراء الانتخابات همّ إبعاد المؤسسة عن التشنج السياسي؛ إذ لم يعد سراً أن موضوع التمديد لقائد الجيش بات محور النقاشات السياسية وسط تموضع الأفرقاء كافة في مواقف باتت معروفة: عون لا يقبل التمديد، والمستقبل ربطه في اقتراح قانون قدمه بالتمديد للمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي. لكن المشكلة باتت تكمن في المواعيد الضاغطة، وهو أمر يربك المؤسسة وضباطها، ومنهم الطامحون وممن قد يتحسّبون لما بعد أيلول، تاريخ انتهاء ولاية قهوجي الرسمية. يرفض قائد الجيش الابتزاز السياسي من أي جهة أتى. وهو يدرك تماماً أن المرحلة باتت معركة سياسية بامتياز. لكن المشكلة تكمن في الضعضعة التي تعيشها البلاد ويحاول البعض أن تعيشها المؤسسة أيضاً، من خلال طرح أسماء وتزكية أسماء ضباط بدأوا يتصرفون على هذا الأساس.
 وجاء توقيع قهوجي على التمديد لمدير المخابرات العميد إدمون فاضل، مستنداً إلى المادة 55 من قانون الدفاع، ليثير أيضاً اعتراضات البعض، مع العلم أن وزير الدفاع فايز غصن لا يزال يجمّد إصدار القرار. وثمة معلومات مفادها أن العماد عون يرفض التمديد لفاضل، ومعلومات أخرى تتحدث عن أن غصن سيوقّع التمديد لاحقاً. لكن قرار قهوجي يبدو ثابتاً، رغم أن ثمة اعتراضات على أداء فاضل، ولا سيما بعد حادثة عرسال. يمدد قهوجي لفاضل ستة أشهر فقط؛ لأنه لا يمكن في ظل المرحلة الراهنة وعدم صدور قرار التمديد لقائد الجيش، أن يختار مديراً جديداً للمخابرات يحتاج إلى ما لا يقل عن أربعة أو خمسة أشهر للإمساك بملفات المديرية. ولا يمكن، تالياً، تعريض المديرية للضياع، كذلك لا يمكن إن اختير أي ضابط أقل رتبة من مديري المخابرات في المحافظات، أن يبقى هؤلاء في مناصبهم الحالية، الأمر الذي سيربك عمل كافة المديريات. وأيضاً لا يمكن إخضاع منصب مدير المخابرات لأطماع القوى السياسية التي تحاول التأثير على الجيش، لذلك نص القانون على أن اختياره محصور بقائد الجيش وموافقة وزير الدفاع.

--------------------------------------------------------------------------------

قهوجي: الجيش لن يكرر تجربة عام 1976

حرص قائد الجيش، خلال لقاءاته الأخيرة مع الضباط، على تناول جملة ملفات سياسية وأمنية وعسكرية، إضافة إلى وضع المؤسسة. وما لم يقله بيان مديرية التوجيه العمومي، أن قهوجي تحدث مطولاً في قانون الانتخاب والانقسامات التي تهدد لبنان وتأخذ منحى طائفياً، والمحكمة الدولية، ومشكلة النازحين السوريين، والحدود اللبنانية ــــ السورية، والحدود مع إسرائيل، والخطة الخمسية للجيش، وصولاً إلى الإضرابات النقابية وسلسلة الرتب والرواتب.
 وشدد قهوجي على أهمية وحدة الجيش في هذه الظروف لمواجهة التحديات التي يمر بها لبنان، وقال: «إن الفترة التي نمر بها لا يمكن أن نتخطاها إلا بجيش قوي وصامد بوحدتكم وعملكم وسهركم وانتباهكم». وأكد أن «تجربة 1976 لن تتكرر وممنوع أن نرجع إلى الذل». وأضاف: «وضع الجيش جيد بسبب أداء ضباطه وعسكرييه. ونحن لسنا مع 8 أو 14، بل نعمل من أجل كل لبنان». وقال إن «الأيام الراهنة صعبة، ولكن إذا تمكنا من تمرير الأشهر المقبلة فسنتمكن من إنقاذ بلدنا». وأكد «أن الجيش يواجه ارتفاع مستوى الشحن السياسي والطائفي، وعدم تماسك السلطة السياسية والحكومة. وكلما كانت الحكومة متماسكة صارت مهمة الجيش التنفيذية أسهل».
 ودعا قهوجي الضباط إلى الابتعاد عن التجاذبات السياسية والتزام الولاء المطلق للمؤسسة العسكرية، واحترام رجال الدين ومعاملة جميع الناس بالعدل وعدم التعرض بالإهانات لأي شخص، قائلاً: «نحن لسنا ميليشيا». ورد على المطالبين بتكفير الضباط والعسكريين، قائلاً إن ضباط الجيش وعسكرييه يعملون لخدمة الوطن، لافتاً إلى أنه في شهر واحد قُدم نحو 17 ألف طلب للالتحاق بالجيش. وتناول قائد الجيش تفصيلاً وضع الجيش الداخلي، محدداً سلسلة من التوجيهات الأمنية الداخلية التي يجب على قادة الألوية والوحدات اعتمادها في الظروف الدقيقة التي يتعرض لها لبنان والتي يحاول البعض استهداف الجيش ومراكزه وعسكرييه خلالها، من تحصين المراكز والانتباه إلى العتاد والذخائر والاسلحة، مشدداً على ضرورة تطويق الشائعات وعدم السماح لها بنشر الفوضى.




2013-03-16