ارشيف من :أخبار لبنانية

مشكلة شباب 14 آذار... لا شيوخها

مشكلة شباب 14 آذار... لا شيوخها


ابراهيم الأمين - صحيفة "الاخبار"


كان المشهد سيبقى محمولاً، على فظاعته، لو أن فارس سعيد قَبل أن يترك الناطقون باسم فريق 14 آذار المنبر لغيرهم، ولو لساعة من الزمن. لكن الحكيم المتقاعد أبى إلا أن يعيد كل الاشباح الى الكادر، وأن يذكّر الجمهور الحاضر، أو المشاهد، بأن هذا وذاك وتلك لا يزالون في صفوف القيادة. مع ذلك، ربما كان صائباً قرار اختيار مجموعة من الشباب ليتحدثوا في الاحتفال الحزين. الامر يتعلق بكون غالبية المتابعين، من مؤيّدين ومعنيين وحتى الخصوم، ما كان ليشدّهم حشد السياسيين الذين لا يتوقفون لساعة عن الصراخ. بل كان مغرياً الاستماع الى هؤلاء، وغالبيتهم من الجيل الذي يعرف حركة 14 آذار منذ لحظة ولادتها. كذلك كان مهماً مراقبة طريقة تفاعل الجمهور الحاضر مع الكلمات والخطب.

 في الشكل، أعان الله مخرج الحفل. في كل مرة يبذل فوق طاقته لجعل القاعة تتسع لأكثر من الحاضرين. أنواع مختلفة من التصوير، وصولاً الى رسم مشهدية مستعارة من يوم 14 آذار 2005، علّ في ذلك ما يخلط الحابل بالنابل، ولو أن البعض لا يكتفي بنصيبه من الجمهور والإعلام، فهذا لن يغير في الحقيقة شيئاً، خصوصاً حقيقة أن 14 آذار بكل ما فيها لم تعد مغرية لشاب أو صبية يريد أو تريد تغييراً حقيقياً في البلاد.

 تُرك للشباب الذين شارك قسم منهم، قسم فقط، في كل الانشطة النضالية ضد الوجود السوري، أن يستعرضوا رحلة طويلة. نسب البعض إلى فريقه رصيداً ليس له فيه شيء، خصوصاً جماعات رفيق الحريري ووليد جنبلاط وحشد المستقلين الذين لم يكونوا، ولن يكونوا، يوماً مستقلين. وهؤلاء غير راضين عمّا وصلت اليه الامور. لكنهم بدل أن يستغلوا اللحظة لمراجعة نقدية تخص، على الأقل، من تولى النطق باسمهم خلال السنوات الثماني الماضية، أصرّوا على استعراض مواقف يمكن قراءتها في بيانات وتصريحات ومواقف قادتهم أو الناطقين باسمهم. وهم قالوا لنا، أمس، إن مسيرتهم حققت فقط خروج الجيش السوري من لبنان، وإن ثورتهم كانت النموذج الذي قلّده الثائرون في العالم العربي ضد حكومات مستبدة... لهم الحق في أن يعتقدوا ما يريدون، لكن الحقيقة المرّة التي يحتاجون الى من يضعها أمام عيونهم، هي أن من راهنوا ويراهنون، من جديد، عليهم، ليسوا سوى قوى طائفية تعاقبت، مثل خصومهم السياسيين، على إدارة البلاد من داخل الحكم أو خارجه، وتاريخ قسم كبير منهم مليء بحكايات الدم والسرقة والقهر والخضوع للخارج.

 ولأن النقاش مع قادة هذا الفريق لا ينفع في شيء، فإن النقاش مع متحدثي أمس يفرض فهم أن إحباطهم بات أقوى من أي إحباط، وأن النظر الى الخلف ليس فيه أي نوع من الحكمة، وأن المراجعة لا تعني إلزامهم بتغيير اقتناعاتهم أو أفكارهم، بل تعني الاقرار بأن من تولى أمرهم لم يكن مؤهلاً أصلاً لهذه المهمة، وأن ما افترضوه ثورة وطنية لم يكن سوى حركة احتجاج توافقت فيها طوائف وقوى طائفية تستثمر للعودة الى الحكم، وأنه باتت الشعارات الكبيرة مجرد فقرات أو عبارات ترد في بيانات ومقالات، أو كلاماً عاماً يلقى به عبر المنابر على اختلافها.

 اليوم، بعد ثمانية أعوام على ما يعتبره هؤلاء الشبان ثورة وطنية، يدفع لبنان ثمن مغامرة ومصالح من يتولون أموره، من سياسيين واقتصاديين وأمنيين ورجال دين وإعلاميين وناشطين في كل الاوساط والاندية المحلية والخارجية. وهؤلاء لم يتصرفوا يوماً على أساس وطني. سارعوا منذ اللحظة الاولى الى الطعن بمن قاد أهم النضالات ضد الوجود السوري، أي التيار الوطني الحر وقائده العماد ميشال عون، وهم وافقوا على استخدام العالم لكل القوى الأمنية والعسكرية والاقتصادية والاعلامية لضرب المقاومة ضد إسرائيل، وهي أرسخ حركة وطنية عرفها لبنان، وهم الذين يقودون، اليوم، أكبر عملية تحريض ضد الحياة الآمنة، ويستعدون كل لحظة لتخريب لبنان، وكل مدينة وقرية فيه، ولا يتورعون عن حرق منازلهم إذا كان في ذلك ما يعيد اليهم مناصبهم التي لم يصلوا اليها يوماً إلا بدعم الخارج، من إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا الارهاب، إلى سوريا والسعودية.

 مشكلة الذين أعطي لهم المنبر، أمس، لم يلتفتوا الى الخطأ القاتل، فنظروا إلى الآخر في البلاد على أنه غريب ما دام لم يلحق بهم ويتبنّ أفكارهم وشعاراتهم. هم يتجاهلون، وليس عن جهل، أن كل السياسات التي رسموها أو شاركوا هم في رسمها أو ركضوا خلفها، هي نفسها التي قادتهم من فشل الى فشل، ومن هزيمة الى هزيمة، وعندها لا يبقى لهؤلاء من الحكاية، سوى صورة وذكريات... وبكاء على الاطلال.

 ليس ممكناً مناقشة قادة 14 آذار المشغولين اليوم، وكل يوم، بالتضارب الذي يصيب مصالحهم نتيحة انشغال «المعلم الخارجي» بهمّ سوريا. ولكن، يبدو أن الشباب يريدون اقتفاء أثر من هم أصل مشكلتهم. وإذا أصرّ هؤلاء على اعتبار ما قالوه حقيقة ثابتة، فالله أعلم أي محكمة هي الأفضل لجلاء هذا اللغز!
 الحقيقة الثابتة أن روح 14 آذار حقيقية، أما بقية الفيلم، فليست سوى نسخة أكثر بشاعة من حكاية الاستقلال، كما تروى لنا في حفلة التكاذب السنوية.

2013-03-18