ارشيف من :أخبار لبنانية

حركة الأسير والوضع المتردي يلقيان بثقلهما على صيدا وعبرا

حركة الأسير والوضع المتردي يلقيان بثقلهما على صيدا وعبرا

أسواق المدينة تراجعت إلى حد الركود "الوضع زفت وأسوأ من السيىء"

احمد منتش - صحيفة "النهار"
 



الوضع زفت واسوا من السيّئ،  لا راحة بال ولا استقرار، عيش قلق ومتوتر، الغريب صار يخاف المجيء الى صيدا، وما في بيع في حرق اعصاب وحرق اسعار "بنص حقن بيمشي الحال" او "نص عليك ونص علينا".  مسيرات واعتصامات وقطع طرق، مواقف وشعارات متناقضة ومضادة، لقاءات مشتركة او متفرقة وبيانات وتصريحات ما توصلت الى أي نتيجة. صيدا عاصمة المقاومة، مدينة العيش المشترك، ترفض هيمنة السلاح و"كرامتنا اغلى من اقتصادنا".

في عبرا الجديدة نشأت مربعات امنية وشقق لعناصر مسلحة،  وتحولت البلدة ثكناً عسكرية وأمنية، والدوريات ليل نهار، على مداخل عبرا وصيدا والساحات والشوارع العامة. غالبية الناس تتحاشى الافصاح عن هواجسها جهاراً، واذا تجرأ فإنه يفضّل ألا يكشف اسمه الحقيقي.

هذا واقع صيدا اليوم باختصار، وهو قائم ومتواصل على الوتيرة نفسها منذ عامين، وتحديدا منذ ولادة ظاهرة إمام مسجد بلال بن رباح الشيخ احمد الاسير، وتحركاته الاحتجاجية المتصاعدة  باستمرار مع جمع يفوق الالف من اتباعه والتي تستهدف بشكل خاص النظام السوري ورئيسه بشار الاسد، والجمهورية الاسلامية في ايران وسلاح "حزب الله" وامينه العام السيد حسن نصرالله، واحيانا رئيس مجلس النواب نبيه بري وغيرهم. وكان البارز في حركته العام الفائت، قطع اوتوستراد صيدا الشرقي في الاتجاهين، وتنظيم اعتصام مفتوح في وسطه لمدة 33 يوما متواصلا، فضلا عن محاولات عدة لقطع الطريق البحرية، وكلاهما يشكلان معبرين رئيسيين لحركة التنقل بين الجنوب وبيروت .


"بنص حقن وما في بيع"

"النهار" جالت في اسواق صيدا وعبرا الجديدة واستطلعت آراء بعض الناس والمعنيين حيال تأثير حركة الاسير على الوضعين الاقتصادي والمعيشي.
داخل أسواق المدينة المكتظة بالمؤسسات المصرفية والمحال التجارية والزراعية والخضار والفاكهة ووسائل النقل، ومعظم متطلبات الحياة اليومية وخصوصاً  في شوارع رياض الصلح والشاكرية والاوقاف وفخر الدين والمطران سليم الغزال وساحة النجمة، وهي سابقا كانت تضج بالحياة في احلك الظروف وأصعبها التي مرت على صيدا، باتت فيها الحياة والحركة شبه معدومة خصوصاً بعد الظهر وخلال أوقات المسيرات والتظاهرات والاعتصامات. وتبدأ الحركة بالتراجع تلقائيا بمجرد الاعلان عن تنظيم اي تحرك احتجاجي، حيث يترافق ذلك مع اجراءات امنية مشددة، ويخشى معظم الناس ولا سيما منهم الذين من خارج صيدا المجيء الى اسواقها تجنبا لاصطدامهم بطريق مقطوعة او خوفاً من المشاكل. معظم واجهات المحال في سوق صيدا تزينها عبارات "حرق اسعار كل شي بنص حقو"  وتنزيلات تبدا من 40 و50 في المئة لتصل الى السبعين.
 يقول جمال سبليني صاحب محل للالبسة: "اضع عبارة حرق اسعار لانو الوضع زفت ما في بيع، هلق الساعة واحدة الا عشر دقائق بعد الظهر ما دخل صندوقي الا عشرين الف ليرة لبنانية. اتحمل الهموم والخسائر يوماً بعد يوم، ولست قادراً أن استمر اذا بقي الوضع على هذه الحال من الاضطراب والركود. اكيد وضعنا الاقتصادي والمعيشي صار سيئاً جدا جدا بسبب كل التحركات التي توتر الاجواء الامنية والنفسية للمواطن".
                              

"عم فكر فل من ها البلد"

في محل آخر تزين واجهاته الخارجية عبارة "كل شي بنص حقو"، يجلس صاحبه محمد السيد خلف مكتبه الى جانب العاملة وهو يتسلى بحل الكلمات المتقاطعة في الصحيفة. يرفض في البداية الحديث، لكنه بعد الحاح يقول: "عم جرب اعمل كل شي حتى صرّف بضاعتي، لانو الحركة التجارية صارت معدومة في صيدا. كان عندي 7 موظفات بقيت واحدة. انا أشتغل بالمهنة من السبعينات وصراحة مليت ويمكن فل من ها البلد، لأن صيدا في رأيي انتهت تجاريا.  واذا لم يجد المسؤولون حلاً عاجلاً لكل هذه التظاهرات والاعتصامات والخطب الرنانة، فالعوض بسلامة الجميع، وانا مش ضد حدا".
 أما محمد قدورة وهو صاحب محل لبيع الهواتف الخليوية، فيقر  ان الوضع الاقتصادي والمعيشي "مضروب" لان الوضع العام ليس سليما "الجو العام مضروب، والسياحة مضروبة والاجانب والعرب لا يأتون الى لبنان لأن الامن موظف لجماعة 8 آذار، وحرام تحميل الشيخ الاسير مشاكل البلد. الرجل ضحية وفي جلاد يتعامل مع اهل صيدا على اساس انهم الحلقة الاضعف ومهزومين ونحنا عم نصرخ ونتألم بسبب هيمنة السلاح اللي عم يخوفني ويذبحني بسوريا. انا عشت جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وجريمة 7 ايار و9 ايار وشفت ممارسات التنكيل والتعذيب على ابناء طائفتي وجلدتي.هيك ما فينا نكفي بالبلد والموت افضل من المذلة. بدنا امن حقيقي وحل سياسي لسلاح حزب الله، مش قبضة امنية علينا وسرايا مقاومة ما بيمشي الحال بالبلد هيك ونحنا رايحين مش بس عا انفجار رايحين عا نهر من الدم، ويا مسؤولين ويا حكماء افهموا جيدا غالب ومغلوب ما عاد يمشي بهذا البلد".


"كرامتنا رايحة من زمان"

سمير مستو صاحب محل للصيرفة، قال: "أنصح الشيخ أحمد الاسير ان يضع نفسه مكاننا، الذي يستأجر محلات بألفين او ثلاثة الاف دولار شو بيعمل؟ كنا ناطرين الصيف الماضي اجا الشهر الكريم واكل شهر من الصيفية وبعده اجا الاسير واكل الشهر الثاني.
كنا متكلين عا الصيفية ما اجت لا صيفية ولا شتوية. ونذكر كل المعنيين بأن قطع الارزاق من قطع الاعناق. واذا حدا بدوا يرجّعلنا كرامتنا فنقول له كرامتنا رايحة من زمان من سنة الـ1948 ما قدرنا لا نحنا ولا زعماءنا نرجع كرامتنا اللي عم يدنسها كل يوم المحتل الاسرائيلي في فلسطين وغير فلسطين".
مروان السبع أعين (48 عاما) يعمل في موقف ساحة النجمة على  سيارة تاكسي عمومي، ورث المهنة عن والده، محكوم بعلاقة  شرعية مع زوجتين وتأمين لقمة العيش لعائلتين من 6 اشخاص. يقول بألم وحسرة: "والله كفرونا بدنا نعيش، ومع احترامي لكل الطوائف والناس الإجر الغريبة من اهلنا في الجنوب وشرق صيدا بطلنا نشوفا بصيدا. صار عندهم فكرة انو في صيدا عا طول في تظاهرات واعتصامات وقطع طرق. ونحنا شعب مسالم بدنا نعيش ونربي اولادنا ونعلّمهم، كلنا اهل وكلنا ابناء وطن واحد لا نفرق بين احد ويهمنا التوافق بالبلد وحرية الناس".
ويضيف: "كنت أجني سابقا ما لا يقل عن 50 او 60 الف ليرة لبنانية يوميا، وحاليا لا نعمل بأكثر من 20 الف ليرة لبنانية معظم الأوقات، وانعكس ذلك توترات مع العائلة والاولاد لكوني لم اعد استطيع تأمين كل ما يرغبون فيه، وجوابي لهم ما في شغل شو بعمل بنتحر او بسرق؟ صراحة، عم اتوسل لاستدين حتى دبر حالي. وبطلب من الدولة الكريمة اللي بتقول  قلبها عا المواطن وسهرانة عا الوطن ان تمنع اي ظاهرة للاعتصامات او التظاهر في الشارع تؤدي الى قطع الطرق وتوتير الاجواء".


عبرا الجديدة أسيرة الاسير

عبرا الجديدة اليوم على مسافة كيلومترين  شرق صيدا، لم تعد عبرا التي كان يعرفها أهلها الاصليون، عبرا الضيعة  والبساتين وحقول الزيتون والاشجار المثمرة. عبرا الجديدة التي تمدد اليها  ابناء صيدا منذ منتصف السبعينات ومطلع الثمانيات حتى اصبحوا يشكلون الغالبية العظمى من سكانها، اكثر من خمسة آلاف شخص بينهم نسبة معينة من العائلات الشيعية، وعدد محدود من العائلات المسيحية التي انحصر وجودها في عبرا الضيعة.
منذ ان استوطن فيها الشيخ احمد الاسير، أضحت عبرا اسيرة تحركاته انطلاقا من مسجد بلال بن رباح الذي اقامه على انقاض بضعة محال تجارية تقع على جانبي الطريق،  اشتراها تباعا منذ سنوات وجعل منها ومن الابنية المجاورة للمسجد مربعا امنيا خاصا له ولاتباعه. وفي عبرا اليوم، يستحيل ان تجد شخصا من غير اتباع الاسير بإمكانه ان يحدثك عن ظاهرته او تأثير حركته، فأجواء الخوف والقلق تخيم على غالبية المقيمين خصوصاً في محيط المسجد.


لا تبادل زيارات ونتحادث هاتفيا

كل من تسأله عن حركة الاسير يكون جوابه "بفضل ما احكي"، واذا حكى احدهم يشترط عدم ذكر اسمه. قال لي رب عائلة: "ليتني استطيع الكلام، خوفي على مستقبل ابني الذي يعمل في احدى الدول الخليجية يجعلني اصمت". لكن زوجته كسرت حال الصمت قائلة: "عندما انتقلنا من صيدا القديمة الى عبرا الجديدة، كنا نشعر بسعادة لا توصف. كان باستطاعة ابنائنا ان يلهوا ويمرحوا بفرح، وكان بإمكاني المشي على الطريق في اي وقت من دون خوف او هلع حتى لو في وقت متأخر من المساء. اما اليوم فإحدى قريباتي تسكن في بناية مجاورة لنا، ونتيجة الوضع والحواجز الكثيفة صرنا نتحدث  ونطمئن على بعضنا البعض من خلال الهاتف".
ويقول صاحب محل لبيع السندويش بعدما رفض الافصاح عن اسمه: "أكيد الوضع صعب، كل زبائننا من الجنوب وجزين لم نعد نراهم، ابن الجنوب بطّل يجي وابن جزين بمر بالطريق وما بيوقف. كيف بدو يجي اي شخص من خارج عبرا وهو عم يشوف ويسمع كل يوم شو عم يصير بصيدا وعبرا؟ نحنا صرنا نخاف اصلا، عندي بنت عمي مع زوجها كل ما صار تظاهرة او سمعت اي اشاعة بتبكي وبتتصل حتى نطلعها من المكان القريب من المسجد، صارت تشوف عبرا ساحة حرب يمكن تندلع بأي وقت".


جمعية تجار صيدا وضواحيها

رئيس جمعية تجار صيدا وضواحيها علي الشريف كان يشارك في كل اللقاءات والتحركات لفاعليات المدينة لبحث الوضع في صيدا والتشاور في طرق معالجته. وقبل ايام، كلفه "اللقاء التشاوري الصيداوي"  الذي ينعقد دوريا في دارة النائبة بهية الحريري في مجدليون مع رئيس بلدية صيدا محمد السعودي العمل على تشكيل لجنة مهمتها البدء بإجراء الاتصالات مع كل الافرقاء والمعنيين من اجل التوصل الى اتفاق على معالجة كل المشاكل الخلافية. يقول الشريف: "فعلا سيكون هناك لجنة مصغرة مني ومن السعودي ومن رئيس غرفة صيدا محمد حسن صالح ورئيس حلقة التنمية والحوار السيد اميل اسكندر، ستعمل على الاتصال بكل الفاعليات والجهات المسؤولة في المنطقة لبحث كل الوضع القائم في صيدا وعبرا، توصلاً الى موقف موحد. هدفنا بالدرجة الاولى سحب الفتائل وتنفيس اجواء الاحتقان والتوتر، والجميع سيكونوا امام مسؤولياتهم وعلى الاخص المسؤولين في الدولة. وقد يكون للشيخ الاسير اسبابه، وقد نتفق معه على امور يقولها ولكننا نختلف معه بالاسلوب والطريقة التي يتبعها والتي تساهم في تعطيل الدورة الاقتصادية".


غرفة صيدا

أما رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في صيدا والجنوب محمد حسن صالح فيعتبر "ان الوضع الاقتصادي في صيدا لا تحسد عليه بسبب التداعيات الموجودة في الشارع، ولا سيما منها الناجمة عن التظاهرات واقفال الطرق والحديث الطائفي. وقد تراجعت حركة البيع والشراء بنسبة 50 في المئة، وكل يوم او يومين يوجد اكثر من 25 شيكا مرتجعا، وعدد من تجار المدينة لا يستفتحون بشئء وهذا الوضع لم يعد يحتمل نهائيا. وعلينا ألا نبقى مكتوفي الايدي، على كل الهيئات الاقتصادية التحرك بشكل جدي لانقاذ هذا الوضع الشاذ الذي لا يخدم صيدا في المدى الطويل".














2013-03-18