ارشيف من :أخبار لبنانية

واشنطن تُعدّل في مشروعها حول ’الربيع العربي’

واشنطن تُعدّل في مشروعها حول ’الربيع العربي’


جوني منير - صحيفة "الجمهورية"


أثار موقف وزير الخارجية الأميركي جون كيري العائد لتوّه من جولته العربية الرسمية الأولى، عاصفة من التكهنات حول المدى الذي وصلت إليه المفاوضات الأميركية - الروسية والأجواء الحقيقية للعلاقة ما بين واشنطن وطهران.

ويأتي موقف واشنطن في ظل تزايد الانقسامات داخل فريق المعارضة السورية في انعكاس واضح لمواقف القوى الخارجية من المسار الواجب اتباعه. ذلك أنّ معاذ الخطيب الذي يعمل وفق الموجة الأميركية، كان قد اعلن سابقاً استعداده للتحاور مع النظام فيما المجموعة المعارضة له والتي تتأثر بالسعودية وقطر وتركيا، عارضت بقوة هذا التوجه وسعت إلى تشكيل حكومة لها. لكن واشنطن التي باتت تنظر الى الواقع السوري من خلال مصالحها الدولية العريضة تراقب بقلق كبير إمساك "جبهة النصرة" وأخواتها بالميدان والمخاطر الناجمة عن ذلك مستقبلاً.

في الاساس بدا للعاصمة الأميركية أنّ المشروع الذي كانت تعوّل عليه للمنطقة من خلال وصول "الاسلام المعتدل" الى السلطة والمتمثل بالجناح المنفتح للأخوان المسلمين، إنما كان مبنياً على أوهام في بعض جوانبه، تماماً كما بَنَت إدارة جورج دبليو بوش مشاريعها الوردية من خلال احتلال العراق. ومشروع التحالف مع الاخوان المسلمين كان قد طُرح مع تعثّر المشروع العراقي، أي قبل وصول باراك اوباما الى البيت الابيض وتحديداً منذ العام 2006. وتولت الحكومة التركية من خلال رجب طيب اردوغان التسويق لهذا المشروع في واشنطن.
 
من هنا يعتقد البعض أن سطوع نجم اوباما فجأة خلال الحملات الانتخابية الرئاسية عامي 2007-2008 كان نتيجة الرهان على رعاية مشروع التغيير الإسلامي في الشرق الاوسط، خصوصاً أنّ أوباما من جذور اسلامية ما يساعد في نجاح المشروع ونسج مشروع كبير يحفظ المصالح الاميركية في المنطقة.
وللتذكير، فإنّ الزيارة الأولى لأوباما لعاصمة اسلامية إنما كانت الى انقرة حيث أعلن مواقف واضحة لجهة الرهان على الاسلام المعتدل والدور الذي ينتظره.

وعلى رغم اعتراض مراكز القوى الأمنية على المخاطر المستقبلية لهذا المشروع، انطلق "الربيع العربي" ليضرب تونس ومصر وليبيا واليمن، ثم سوريا. لكن المشروع الجديد خيّب آمال المراهنين عليه وعزّز من موقع المحذرين منه. وجاءت ضربة ليبيا وأحداث مصر واندفاع الاصوليين في تونس وانتشار القاعدة في اليمن لتؤكد لهؤلاء أنّ الإسلام المعتدل لن يكون سوى مرحلة انتقالية قبل انقضاض الاسلام المتطرف على السلطة، وبالتالي تهديد المصالح الأميركية على المدى البعيد عندما يصبح المنطق المزايدة الدينية.

في البداية، كان أنصار هذا التوجه في واشنطن يعتبرون أن وصول الوجه المعتدل من الأخوان المسلمين سيفتح باب المصالحة مع الشارع الإسلامي، وسيرمي رداءً شرعياً على المصالح الغربية، وسيؤدي مستقبلاً الى سقوط المشروع الإسلامي لصالح الفكر العلماني، وذلك عند اصطدام هذه الحكومات بالمشاكل الاقتصادية والتنموية المستعصية.
فيما كانت تركيا تأمل في توسيع نفوذها واستعادة أمجادها الغابرة من خلال رعايتها هذه الحكومات الإسلامية الناشئة عند الساحل الشمالي لأفريقيا وفي الشرق الأوسط. طبعاً كانت أوروبا تشجع الطموح التركي للتخلص من إلحاح أنقرة على الانضمام الى اوروبا ورفع الحواجز الحدودية معها.

لكن بعد كل ما ظهر، عدّلت واشنطن في نظرتها وباشرت انعطافة واضحة. وهذا لا يعني بالتأكيد العودة الى المراحل السابقة، لكنه يشير بوضوح الى تراجع الرهان على المشروع الذي روّجت له خصوصاً تركيا وقطر.
ففي مصر جرى رعاية المعارضة وتوثيق العلاقة بينها وبين الجيش المصري. وفي الأردن جرى فتح ابواب المساعدات وإرسال الخبراء لتطويق حركة الإخوان المسلمين الساعية إلى قلب النظام على غرار ثورات "الربيع العربي". وفي سوريا هناك قناعة بالحفاظ على التركيبتين الامنية والعسكرية للنظام، ولو أن واشنطن حاولت من خلال تواصلها مع موسكو بداية الفصل بين التمسك ببقاء التركيبتين الامنية والعسكرية كجزء أساسي من التركيبة المقبلة ولكن من دون بقاء الأسد.
إلّا انّ الوقائع الميدانية وموقف كل من روسيا وإيران ألزَم الولايات المتحدة الاميركية إنتاج موقفها الجديد: الدعوة إلى حوار مباشر ما بين المعارضة السورية والرئيس السوري. والواضح أنّ هذا الموقف يؤشر الى وجود تقدم كبير في المفاوضات الأميركية - الروسية حول ترتيب مناطق النفوذ ورعاية المصالح بعد سنوات من إدارة الظهر الأميركية لروسيا.

طبعاً، أثار هذا الواقع المستجد السعودية وقطر وتركيا التي عملت على تضييق الخناق على معاذ الخطيب والمجموعة المرتبطة مباشرة بواشنطن، وكذلك أثار حفيظة كل من لندن وباريس اللتين شعرتا بأنّ قطار الصفقات انطلق من دونهما.
فالحكومة البريطانية أرادت بموقفها الداعم تسليح المعارضة التشويشَ على واشنطن ونيل رضى الخليج العربي. وبالفعل، اعلن عن لائحة استثمارات بمليارات الدولارات تنوي قطر القيام بها في بريطانيا.
اما باريس، فإنها أرادت بموقفها، إضافة الى عاملي التشويش على واشنطن واستدراج استثمارات خليجية، التخفيف قدر الامكان من الأضرار الناجمة مع الاسلاميين بسبب معارك مالي.

ونظراً إلى دقة الوضع طلبت العاصمة الفرنسية من موظفيها في لبنان أخذ أقصى درجات الحذر خشية تعرضهم لاعتداءات أمنية، ذلك أن السلطات الفرنسية تدرك خطورة الموقف في لبنان وتغلغل كل أنواع المخابرات العالمية في ارضه، إضافة الى وصول خلايا اسلامية متطرفة، وبالتالي فإن هؤلاء الموظفين قد يصبحون هدفاً انتقامياً للنظام السوري كما انهم قد يكونون ضحية الأصوليين الراغبين في زيادة حال العداء بين باريس ودمشق.
والواضح ان الوضع الدقيق في شمال لبنان قد يدفع بهؤلاء الى خطوة مشابهة، لا سيما مع التهديدات السورية تجاه شمال لبنان وقيام الجيش السوري بإزالة الألغام المزروعة عند الحدود ما يؤشر الى وجود نية في التقدم براً واجتياز الحدود لا سيما مع تركيب مدفعية ثقيلة موجهة الى لبنان.
هذا مع الاشارة إلى ان القطع البحرية الروسية باتت تجوب الشاطئين اللبناني والسوري بحرية مطلقة.

2013-03-18