ارشيف من :أخبار لبنانية

الحرب الكونية على سورية بوجهيها الدعائي والقتال

الحرب الكونية على سورية بوجهيها الدعائي والقتال
صياح عزام - صحيفة الوطن السورية

قد مر على نشوب الحرب ضد سورية عامان كاملان، وهي فترة طويلة دون شك لحسم نتيجة أي حرب، إلا أن هذه الحرب شأنها شأن حروب زمننا الحالي، هي حرب ذات وجهين، وجه عسكري يملك القدرة على التدمير والقتل والتخريب، ووجه إعلامي ينقل ويصور نتائج هذا التدمير والقتل بشكل مناف للحقيقة وبشهادة خبراء ومحللين سياسيين وعسكريين محايدين، فإن الوجه الإعلامي- أو الدعائي الخالص أثبت قدرة خارقة وغير عادية على نقل وتصوير واقع لا علاقة له بما يحصل على الأرض من معارك التدمير والقتل.

الوجه الدعائي

ومن هنا يمكن القول إن حرب الدعاية على سورية هي حرب عالمية بكل الأبعاد التي يمكن تصورها، على حين إن حرب التدمير والقتل، لا تزال حرباً تقتصر حدودها على الأرض السورية، حتى ولو كان لها بعض التبعات والآثار التي تطول لبنان أو تركيا أحياناً.
والملاحظ أن هذه الحرب الدعائية على سورية تملك جميع الأساليب والقدرات التي تجعلها تنجح في تصوير نتائج حرب التدمير والقتل على أنها نتائج حاسمة لمصلحة المجموعات المسلحة الإرهابية.

إزاء هذه الصورة الدعائية التي تصنعها مؤسسات الغرب الإعلامية وتنقلها إلى جميع أنحاء العالم، فإن كل دول العالم تقريباً- ما عدا دول قليلة- تقف /مع كل آسف/ في صف ما تطلق عليه هذه المؤسسات وصف (الثورة السورية)، ويعد هذا الأمر خروجاً سافراً على العادة المألوفة في حروب القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين الحالي. وأغرب ما في هذه الحرب على سورية، أيضاً، أن الغرب بزعامة الولايات المتحدة وتوابعها بريطانيا وفرنسا وهولندا وتوابع هؤلاء، يقفون إلى جانب ما يسمونه (الثورة)، إلا أن هذا الواقع المستغرب لم يبدأ في سورية، بل بدأ في ليبيا، وهو ينذر بالتحول إلى نمط سائد، ولهذا فإن موقف الغرب من الأحداث السورية الجارية منذ عاملين إلى جانب المجموعات المسلحة كاف لمعرفة طبيعة وأهداف هذه الأحداث.

الوجه القتالي

لا شك أن امتداد الحرب على سورية لمدة عامين يشير بوضوح إلى أن أميركا وحلفاءها الأوروبيين يريدون أن تستمر هذه الحرب لأطول فترة ممكنة، بحيث يتم من خلالها تدمير سورية، بحيث لا تقوم لها قائمة حتى لو توقفت الأحداث فيها، ولكن حرب الدعاية الغربية مستمرة مع تركيزها على أن المجموعات المسلحة تحقق إنجازات على الأرض حسب زعم القائمين عليها، رغم أن الوقائع على الأرض تدحض مثل هذه المزاعم، كذلك يستمر مسلسل القتل والتدمير من المجموعات المسلحة معتمدة في ذلك على الدعم العسكري والمالي من دول الخليج التي تملك من الأموال ما يكفي. وهنا نشير إلى أن السعودية وقطر والإمارات العربية تفتح أبواب خزائنها على مصاريعها أمام المجموعات المسلحة وما يسمى الائتلاف الوطني المعارض بناء على أوامر واشنطن والعواصم الأوروبية الحليفة لها، وذلك من أجل أن يستمر تدمير سورية.
أما الولايات المتحدة فهي أيضاً تريد لهذه الحرب على سورية أن تستمر لسنوات عدة وليس لمجرد سنتين اثنتين فقط، ذلك أن الولايات المتحدة من خلال تجارب مصر وليبيا وتونس رأت أن نتائج مثل هذه الحروب تكون أجدى إذا ظلت الأنظمة الحاكمة فيها غير مستقرة.
إن سورية بحكم التاريخ والجغرافيا هي الأهم والأشد خطورة إستراتيجياً وسياسياً في المنطقة بأسرها من حيث التأثير، الأمر الذي لا يمكن لأي طرف في المنطقة أو خارجها أن ينكره، أو أن يرتب حساباته على أساس آخر، لهذا، تستمر الحرب على سورية قتالياً ودعائياً، والتمويل والتسليح مستمران من دول الخليج النفطية، على حين إن الولايات المتحدة وأوروبا تراقبان الموقف من بعيد، وتأخذ حرب الدعاية التي تشترك فيها مؤسسات الإعلام الغربية وتوابعها، على مسؤوليتها استمرار تغييب صوت الشعب السوري الذي لا يؤيد هذه المجموعات المسلحة، بل يقف إلى جانب وطنه الذي ينزف دون توقف.

بوادر فشل

إذاً، تفشل ثورات ما يسمى الربيع العربي واحدة بعد أخرى، على حين تستمر الحرب على سورية، وتلوح في الأفق ملامح ارتداد على ثورات الربيع العربي في مصر وتونس وليبيا، إن لم نقل إنها بدأت وخاصة في مصر وتونس كما يلوح في الأفق خطر الدور الأميركي والإسرائيلي في المنطقة بأسرها، ويتضح لأميركا أن العرب في كل بلدانهم يتهيؤون لثورات حقيقية تنسف كل تداعيات وآثار هذا (الربيع الزائف) الذي يعمل بالتعاون مع أميركا وإسرائيل ويساعد على توطيد نفوذهما في المنطقة. هذا ولم تستطع إسرائيل أن تبدو وكأنها بعيدة عما يجري في بلدان الربيع العربي، وخاصة عما يجري في سورية، فتغير على مركز (جمرايا) من خلال ذلك الانطباع الذي تركته حرب الدعاية الغربية بأنها تقف حيادية إزاء أحداث سورية، وتتبع هذه الغارة تأكيد إسرائيلي بأنه ربما تتكرر مثل هذه الغارة، ومن المؤكد أن الدور الإسرائيلي في الأحداث العربية سيزداد مع وبعد زيارة وزير الخارجية الأميركية الجديد (كيري) للمنطقة، وما اجتماعه بوزراء خارجية دول الخليج إلا برهان جديد على التدخل الأميركي السافر في الدول العربية، ومن ثم تبدو واشنطن وتل أبيب في مثل هذه الظروف أقرب إلى بعضهما من أي وقت آخر، وأشد تعاوناً على إشاعة الفوضى في المنطقة العربية لمصلحتها ولمصلحة الأنظمة العربية الموالية لهما ولاسيما منها دول الخليج ومصر (الإخوان).

لقد بدأت تتضح بشكل أكبر وأكثر موضوعية ما يجري في سورية، حيث تتسرب من خلال الحرب الدعائية عليها ما تهدف إليه الحرب القتالية المستمرة فيها جراء تصعيد المجموعات الإرهابية لأعمالها في أنحاء مختلفة من سورية. ومن العوامل التي تساعد على ذلك الوضوح، التحرك النشيط في وجه حركة الإخوان المسلمين في مصر، والإصرار الجماهيري المصري على إسقاط حكم /مرسي/ العميل لأميركا وإسرائيل، وكذلك التحرك في تونس لوقف هيمنة حزب النهضة على السلطة هناك واغتياله للمناضلين الشرفاء، هذا إلى جانب ازدياد قوة التيار الشعبي المناهض للهيمنة الأميركية الأوروبية في ليبيا.

استنتاجات
وهنا نخلص إلى القول: إن حالة من الغليان الثوري الحقيقي في البلاد العربية بدأت تظهر وتتبلور لمواجهة الهيمنة الأميركية والغربية والإسرائيلية على المنطقة بالتعاون مع بعض أنظمة الحكم العربية المتحالفة مع أطراف هذه الهيمنة، في الوقت ذاته، تبدو حالة الارتباك الأميركي تجاه ما يجري في المنطقة، ولاسيما بعد الاتجاه الأميركي الأوروبي الذي أخذ يبرز لجهة إدراك هشاشة التحالف مع التنظيمات المتطرفة، وخاصة تنظيم الإخوان المسلمين الذي لم يستطع منذ تأسيسه، وعلى مدى تسعين عاماً خلت لم يبتعد خلالها عن إستراتيجية التحالف مع الولايات المتحدة، أن يحقق أي نجاحات تذكر، حتى أنه بدا عاجزاً عن تحقيق أهداف حركة الإخوان المسلمين في مصر رغم اتساع قاعدته فيها.
إن ملامح التيار العام الذي يسود الوطن العربي والقائم على إدراك خطورة الهيمنة الأميركية الإسرائيلية الغربية على المنطقة تنعكس إيجابياً على الحرب العالمية الجارية على سورية، وفي الوقت نفسه فإن صمود سورية في وجه مؤامرة الحرب العالمية هذه عليها يساعد على تصعيد نشاط هذا التيار العام، وكذلك وقوف قوى كبرى عالمية أمام هذه الحرب مثل روسيا والصين وإيران.

2013-03-19