ارشيف من :أخبار لبنانية

هل بدأت الإدارة الأميركية بتغيير سياساتها الشرق أوسطية؟

هل بدأت الإدارة الأميركية بتغيير سياساتها الشرق أوسطية؟
محمد عبد الكريم مصطفى - صحيفة الثورة السورية

في ظاهرة جديدة من نوعها أدانت الخارجية الأمريكية الاعتداء على الجنود السوريين العائدين من العراق ، واعتبرت أن استهدافهم عمل إرهابي ، لاسيما بعد أن تبنى تنظيم القاعدة القيام بالعملية الإرهابية التي أودت بحياة العشرات من الجنود السوريين والعراقيين العزل ،

وقالت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية نولاند : « دعوني في البداية أُعرب عن إدانة الهجوم على الموكب ، فأي اعتداء من هذا النوع ، وأي إرهاب كهذا ، هو أمر لا بد أن ندينه ..وأود ببساطة أن أُذكر بمخاوفنا المستمرة من القاعدة وحلفائها الذين ينوون الاستفادة من العنف والفوضى في سورية ، وهذا لا يتماشى مع رغبات الشعب السوري بالعيش في مجتمع عادل وديمقراطي « ، وفي نفس اليوم قدم مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية « جيمس كلابر « تقريراً سنوياً مكرساً للتهديدات الأمنية المعاصرة جاء فيه : « إن ما بات يُعرف بالربيع العربي جلب إلى دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عدم الاستقرار وصعوبات اقتصادية وأزمات في الحكم ، بالإضافة إلى موجات عنف وميول معادية لأمريكا ..ويُتابع التقرير ، أنه وبغض النظر عن أن بعض الدول خطت نحو الديمقراطية ، تبقى الأغلبية في وضع غير محدد وليس لديها سلطة فعلية ، وتواجه معاناة وموجات عنف »!‏

في الواقع نحن على يقين بأن الإدارة الأمريكية وحلفاءها في المعسكر الغربي لديهم المعلومات الأكيدة بأن الجهة التي تُمارس الإرهاب والعنف في سورية بشكله الواسع هي جبهة النصرة وحلفاؤها ممن يُسمون أنفسهم ألوية الإسلام وغيرهم الذين يشكلون الأفرع الإقليمية لتنظيم القاعدة الإرهابي في المنطقة ، وقد عبر عن ذلك وزير العدل الأمريكي « إيرك هولدر » صراحةً من السعودية حيث قال : « نحن نرفض تزويد المعارضة السورية بالسلاح لأن تنظيم القاعدة يُمثل الجزء الأكبر في (الجيش الحر) » ، ومن المفارقة بمكان أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية وعملاؤها في المنطقة بدعم هذه التنظيمات المجرمة بالمال والسلاح وتمدها بالوسائل التقنية واللوجستية تحت ذريعة دعم تسليح ما أسمته « المعارضة المعتدلة « في حين أن تلك الأسلحة تصل بشكل مباشر إلى عناصر جبهة النصرة ، وهذا ما يُعطيها القدرة على مقاومة الجيش النظامي الرسمي في سورية الذي يقوم بواجبه والذي حدده له القانون السوري المستمد من القوانين الدولية ، في الوقت الذي تضع أمريكا جبهة النصرة في سورية على لائحة المنظمات الإرهابية ، في عملية تضليل سياسي للمجتمع الدولي ، ولولا الضوء الأخضر الذي فتحته إدارة أوباما لحلفائها في المنطقة وخاصة قطر والسعودية وتركيا لما وصلت الأمور إلى ما هي عليه اليوم من فوضى ودمار وقتل في سورية .‏

ومن المؤكد بأنه ليس لدى دول الغرب الاستعماري مشكلة في تدفق العناصر « الجهادية » الإرهابية من بلدانهم إلى سورية ، طالما أن المتحاربين من كلا الطرفين هم من أعدائهم ، ولكن الأزمة الكبرى التي بدؤوا يعدون لها حساباتها الخاصة هي عودة هؤلاء « الجهاديين » إلى بلدانهم الأصلية لأنهم سيُشكلون قواعد أساسية لتوسيع دائرة الإرهاب ضد الحكومات الغربية التي تعتبر هي الأخرى العدو الافتراضي للتنظيمات الإسلامية المتشددة ، من هنا يبدو لنا أن الانقسام الحاد في المواقف بين دول الاتحاد الأوروبي ما بين مؤيد لرفع الحظر المفروض على توريد السلاح إلى سورية وتسليح المعارضة لتحقيق توازن عسكري مع الجيش العربي السوري وبين دول عديدة أخرى تُعارض ذلك بشدة ، وهذا ما عكسه إعلان رئاسة الاتحاد الأوروبي في الاجتماع الأخير الذي أكد على ضرورة التوجه للحل السياسي ، وبالأمس القريب خرج وزير الداخلية الفرنسي ليؤكد توجه العشرات من الفرنسيين الجهاديين إلى سورية مبدياً قلقه تجاه ذلك وهذا ما أكده قبله وزير خارجية بريطانيا بأن سورية أصبحت وجهة الجهاديين من دول العالم !‏

نحن على قناعة تامة بأن حالة التشرذم والخلاف التي تظهر في هذه الأيام بين أعضاء « ائتلاف الدوحة المعارض » حول تشكيل ما يُسمى « الحكومة المؤقتة « ما هو إلا مسرحية مجتزأة من الدور المحدد لرئيس هذا الائتلاف من قبل الولايات المتحدة ، ولا تُعبر عن حالة انقسام في الرؤى الإستراتيجية عند تلك المجموعات المسلوبة الإرادة ، والتي تأخذ التعليمات مباشرة من السفير الأمريكي « فورد » في إشارة إلى أن الإدارة الأمريكية لم توافق في الوقت الراهن على تشكيل حكومة مؤقتة أو مجلس تنفيذي .‏

من هذه المعطيات يُمكن أن نستنتج بأن محاولة الإدارة الأمريكية السير ببطء شديد نحو إعلان تغيير مواقفها تجاه ما يجري في سورية والحرب الإرهابية الدائرة هنا لأن إضعاف سورية هدف مستدام للإدارات الأمريكية ، وإن تغيير قواعد اللعبة والسير باتجاه العملية التفاوضية هي ضرورات إستراتيجية أمريكية أكثر من حرصها على مستقبل الشعب السوري ، لاسيما بعد أن أصبح لدى الولايات المتحدة قناعة تامة بأن حلفاءها الجدد في التيارات الإسلامية السلفية عاجزون عن إدارة بلدانهم بالطريقة التي تضمن عدم المس بالمصالح الأمريكية في المنطقة ، وأن الخطر الحقيقي من تفكيك الدولة السورية والجيش السوري يفوق كثيراً ما يُمكن أن تجنيه الولايات المتحدة وحلفاؤها في الغرب - سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي - من انهيار الدولة السورية التي تُعد آخر دولة قادرة على ضبط إيقاع العمل الإرهابي في المنطقة ومكافحته ومنع امتداده إلى مناطق جديدة ، لأن الإرهاب يتنافى مع قيم ومبادئ وقوانين المجتمع السوري ، وتمتلك سورية جيشاً قوياً قادراً على سحق الإرهابيين وتخليص العالم من شرورهم في حال تم تجفيف مصادر التمويل الدولي لهم .‏

إن ظهور روسيا والصين بقوة على المسرح الدولي من جديد ، ودعمهما الدولة السورية سياسياً ومنعهم تمرير قرار دولي يمس السيادة السورية في هذه الحرب الظالمة كان من العوامل الهامة التي جعلت أمريكا تُفكر جدياً بالانسحاب عسكرياً من المنطقة ، خاصةً أنها تواجه أزمة اقتصادية خانقة نتيجة سياساتها الفاشلة التي أجبرت الإدارة الأمريكية على تقديم قضية معالجة الواقع الاقتصادي للواجهة متكلة على حلفائها في سد الفراغ الذي يُمكن أن تتركه في منطقة الشرق الأوسط ، دون أن تترك لهم الحبل على الغارب ، لأنهم غير قادرين على إنقاذ أنفسهم من أخطائهم فكيف لهم أن يُحققوا مكاسب لسيدهم ؟‏

والآن بعد مضي عامين من بدء الحرب الكونية الظالمة على سورية ، ثبت بالدليل القاطع صوابية الرؤية السورية في مواجهة الإرهاب وملاحقته في نفس الوقت الذي قدمت في القيادة السورية مشروع حل وطني شامل ، يحمل في بنوده حلا موضوعيا ومنطقيا لخلافات البيت الواحد ، ويُمكن أن يتوج ذلك بموقف مشترك ناتج عن مؤتمر الحوار الوطني القادم .‏
2013-03-19