ارشيف من :أخبار لبنانية

الحرب على سورية في «ربيعها» الثاني

الحرب على سورية في «ربيعها» الثاني
عبد المنعم علي عيسى - صحيفة الوطن السورية

لم تعالج الأزمة السورية من المعارضة عبر مبدأ المردود حيث إن السياسة مثلها مثل الاقتصاد تقاس فيها الأمور بواسطة جردة حسابية يتم عبرها مقابلة النتائج المستحصلة مع حجم الممارسة المبذولة من أجلها. كان من شأن جردة حساب بسيطة تجري بين فينة وأخرى –فيما لو تمت- تطول الجذور وتقرأ المتغيرات أن تجتزئ الكثير من الآلام وتوفر الكثير من الدمار الأمر الذي لم يحدث حيث كان التعامل مع تلك المتغيرات يجيء بإطلاق العنان لمختلف صنوف التشدد والتصعيد. منذ وصول الأزمة إلى التدويل وطرحها أمام مجلس الأمن واستخدام موسكو (وبكين) للفيتو للمرة الأولى من 4 تشرين الأول 2011، راهنت المعارضة السورية على إمكانية حدوث تغير في الموقف الروسي وشيك الوقوع، كانت الرؤيا الصادرة عن «الخلية الضيقة» المتحكمة بالقرار السياسي تتبنى موقفاً لا يحيد يرى أن موسكو سوف تبيع حلفاءها بمجرد حصولها على الثمن الخاص بكل حليف، وتستشهد بالمثال الليبي الحديث العهد الذي كان مشهده يلج على ذهنية صانع القرار فتراه حاصلاً إن لم يكن اليوم فغداً.

وكذلك راهنت المعارضة السورية على حدوث انشقاق كبير داخل النظام، كان ذلك الرهان وليد أفكار يغذيها الغرب الذي كان يشيع في أوساطها أن هناك اتصالاً مع شخصيات كبرى في النظام تتحين الفرصة لتعلن انشقاقها، كما أن تكرار العملية (عملية الانشقاق) –وفق رواية الغرب- سوف يشكل ضربات موجعة يصعب على النظام احتواؤها.
سرت تلك الأفكار كالنار في الهشيم في أوساط المعارضة حتى راح البعض يحدد لسقوط النظام مواعيد زمنية قريبة كادت في بعضها أن تصل إلى تحديد اليوم والساعة لذلك السقوط.

في مرحلة أولى شخصنة الصراع
وفي الثانية: بين النظام والسوريين

في الإطار العام اختارت المعارضة مساراً يسعى نحو «شخصنة» الصراع وتصويره في الشارع السوري على أنه قائم مع شخص الرئيس ولا أحد سواه، وفي جولة لاحقة (بعد أن فشلت الجولة الأولى) كان الخيار هو طرح الصراع على أنه قائم بين النظام من جهة والسوريين من جهة مقابلة أملاً في أن يؤدي ذلك إلى اتساع المشهد أمام الناظرين إليه ويعطيه زخماً أكبر.
كان الانتقال من تجربة إلى أخرى في رسم المشهد يعطي دليلاً صارخاً على فشل الرهان تلو الرهان ويشير إلى أن القراءة السياسية يقوم بها «عميان» في السياسة، تدافعت الأمور باتجاه إغراق البلاد في بحار الدم ومختلف صنوف التخريب.
منذ تأسيسه في الثاني من تشرين الأول 2011 أيّد «المجلس الوطني السوري» الفوائد التي كانت ترجوها السياسات الغربية من الأزمة السورية، فبعد أن تأكدت استحالة قيام التدخل العسكري الخارجي لعدم اكتمال شروطه، كانت مطالب الغرب من الصراع تتلخص في تدمير الدولة السورية بكل مؤسساتها، الأمر الذي سينتج عنه-بالضرورة- تأزيم التكوين الأهلي للمجتمع السوري ما يمهد لانفراطه لاحقاً، كانت تلك السياسات التي أيّدها «المجلس الوطني السوري» تدفع الأمور باتجاه تصاعد العنف الذي انفلت من عقاله وباتت من الصعب السيطرة عليه.

المعارضة تقطع
شعرة معاوية مع آمالها

ما بعد الفيتو الروسي- الصيني الثاني (4 شباط 2012) قطعت المعارضة السورية شعرة معاوية مع الآمال التي كانت قائمة على إمكانية حدوث تغير في الموقف الروسي يمكن أن يؤدي إلى تدخل عسكري، واتضح –بما لا يدع مجالاً للشك- أن ذلك الخيار بات مستحيلاً، وعندها اتجهت «الخلية الضيقة» نحو رمي أوراقها في يد الوكلاء الإقليميين للإدارة الأميركية وهو ما أدى لاحقاً إلى غياب البعد الداخلي للحراك لمصلحة اتساع البعد الخارجي في الأزمة السورية، وبالمحصلة ساعد ذلك في قيام حالة انفصال بين المعارضة و«شارعها» المؤيد لها الأمر الذي يفسر تردد المعارضة في الذهاب نحو الحوار الذي كانت تضع رجلاً في مركبه على حين كانت تبقي الرجل الأخرى على البر الذي ابتنته لها دول إقليمية معروفة وأخرى دولية أشهر من أن تُعرف، كان الخوف من أن الوصول إلى اتفاق سوف يؤدي إلى تكشف مواطن الضعف التي تتمثل بعدم القدرة على السيطرة على الجماعات التي تفاوض باسمها وتظهر العلاقة المهتزة بين الطرفين.
أخطأت المعارضة حتى في جناحها الأكثر عقلانية (هيئة التنسيق الوطنية) في تقدير وزن الشرائح الواسعة التي يحظى النظام بدعمها وهو ما يبرر ضبابية القراءة التي تتبناها (المعارضة) في فهم آليات صمود النظام واستمراره، الأمر الذي لم يكن له أن يتحقق دون دعم تلك الشرائح التي كانت تمثل خط الدفاع الثاني وراء الجيش الذي ضرب مثلاً يحتذى به في لعب دور خط الدفاع الأول عن النظام والدولة.
لم تستطع المعارضة تلقف الإشارات الصادرة عن «الخارج» وتمييز الوهمي من الحقيقي فيها، فقد كان الإعلان (مثلاً) عن وجود سيناريوهات أعدتها مراكز الأبحاث والدراسات الإستراتيجية الأميركية وتتضمن خططاً موضوعة لتدخل عسكري أميركي (محتمل) في الأزمة السورية، يؤدي بشكل لا مبرر له إلى حالة «رفع معنويات» تفضي إلى الإعلان عن إغلاق جميع قنوات الحوار حتى في حال بقاء البعض منها فإن سقف المطالب الذي كان يجيء منها كان مرتفعاً إلى الدرجة التي يصبح فيها مغلقاً وإن بشكل آخر.

خطط «على طاولة الرئيس»
في البيت الأبيض

كان يقال إن تلك الخطط موجودة الآن على طاولة الرئيس الأميركي في البيت الأبيض، وهو أمر قد يكون صحيحاً، وقد يكون صحيحاً أيضاً أنها موجودة بدرجة أكبر مما كان يروج له في الإعلام وفي قنوات الاتصال الأخرى، إلا أن الصحيح أيضاً أن مراكز الأبحاث والدراسات الإستراتيجية نفسها ترفع إلى الإدارة الأميركية (وتصل إلى طاولة الرئيس في البيت الأبيض أيضاً) خططاً تبين كيفية تلقي الضربة الأولى التي يمكن أن تتعرض لها الأراضي الأميركية ومن ثم الانتقال إلى الهجوم المضاد الذي ستقوم به القوات الأميركية ما بعد احتواء الضربة.
هذه سيناريوهات موجودة ومعدة مسبقاً إلا أن ذلك لا يعني أنها تفرض نفسها واقعاً على الأرض يمكن التعويل عليه في الحسابات السياسية.
كان رمي البيض كله في سلة الوكلاء الإقليميين (المعروفي الأهداف والقدرات) يدل على تمسك بخيوط واهية ويحمل في طياته جهلاً لفهم طبيعة العلاقة القائمة بين الأصيل والوكيل، تلك العلاقة التي تقوم على معادلة أساسية تتضمن قيام الأول (الأصيل) بتكليف الثاني (الوكيل) القيام بكل العمليات التي من شأنها إيصال العملية إلى الصندوق الذي سيقدم الفاتورة وعند تلك اللحظة يبطل مفعول الوكالة وتتم تنحية الوكيل فالوكالة من الأصل لا تتضمن صلاحية هذا الأخير للقيام بعملية قبض الفاتورة.
غلب على العمل السياسي الذي تمارسه المعارضة السورية صبغة التشنج التي ظهرت برفض كل ما يأتي من الطرف الآخر، وهو الأمر الذي حملته التصريحات التي أدان كل متابع للأزمة، كان ذلك النهج سيفاً ذا حدين فهو إما أن يعطي نتائجه بسرعة فائقة وإما أن ترتد الأمور على غاياتها، وهنا ستزداد المشكلة تعقيداً حيث سيصبح المطلوب وقتها بناء خطاب آخر على أنقاض الخطاب البائد يكون مقنعاً للمحازبين المؤيدين للمعارضة ومقنعاً أيضاً لمن هم في الخندق الآخر، كان الخطأ تلو الخطأ يراكم في جعبة الأزمة معطيات يجعل منها (بنية) أكثر تعقيداً من ذي قبل في البعد الفلسفي لنهج المعارضة السورية فإن هذه الأخيرة عملت على استحضار نموذج يقوم على خلق شخصية محاربة خاوية الروح تتيح ممارسة العنف بأقصى درجاته، كان ذلك النهج يهدف إلى (شرعنة) الوسائط اللاأخلاقية كمنهج شامل يبرر اللصوصية والخديعة والكذب والتآمر والذبح والاغتصاب، باختصار إباحة كل المحرمات.
إن استحضار ذلك النموذج أرخى بثقله الهائل على إمكانية استحضار الحل، وهذا الأخير لا يكون إلا بإعادة الروح إلى تلك الشخصية التي نزعت منها بشكل مبرمج، وتعيد لها صورة الحب والخير والسلام، الأمر الذي يفسر عدم استعجال أميركا والغرب لوضع عربة الحل السياسية للأزمة السورية على نار حامية، حيث من المفترض أن تتم قبل ذلك عملية ترويض شاملة للمعارضة السورية «وكذلك للدول الإقليمية الداعمة لها» تتم عبرها إعادة تأهيلها لكي تصبح طرفاً فاعلاً في قيام حوار شامل يمكن أن يكتب له النجاح.
مع حلول الذكرى الثانية لاندلاع الأزمة السورية تلوح في الأجواء لغة يغلب عليها الحوار على صوت البنادق، إلا أن نجاحه مرتهن بقيام مراجعة نقدية شاملة قادرة على وضع الحقائق في صلب الأجندة التي يقوم عليها ذلك الحوار.
أما آن الوقت لمراجعة حقيقية تأخذ بالحسبان ثالوث (الماضي – الحاضر – المستقبل) كأساس لتفكير عقلاني يقي من داء «المحافظة السياسية» الذي يختصر بشعار «إما كل شيء أو لا شيء» وينتج تفكيراً متوازناً يقوم على الاعتراف بأننا كلنا شركاء في هذا الوطن من الدرجة الأولى.
2013-03-19