ارشيف من :أخبار لبنانية
لبنان والعاصفة.. «إلامَ» ؟
ثريا عاصي - صحيفة "الديار"
بالنظر إلى الوضع الأمنيّ المتوتر في لبنان في الراهن، وتراجع هيبة الدولة، والانقسام اللبنانيّ العموديّ، ثمة من يرى تشابها بينه من جهة وبين الوضع الذي سبق الحرب الأهلية عام 1975 من جهة ثانية. في ذلك الوقت كان العالم كلّه، عربيا واسرائيليا ودوليا، يعمل على الخلاص من منظمة التحرير الفلسطينيية التي اتخذت فصائلها من لبنان قاعدة لها. فاستخدمت لهذه الغاية الولاءات اللبنانية المتعددة وحصل الانقسام ثم الانفجار الأمنيّ المريع. لا يختلف اليوم عن الأمس. المقاومة اللبنانية هي الهدف الآن، مثلما هي سوريا، بما هي دولة عربية احتضنت هذه المقاومة ورفضت «التطبيع» مع المستعمرين الإسرائيليين، هي أيضا هدف، كونها امتدادا طبيعيا لما يجري في لبنان، ومحور القضية العربية. العوامل الخارجية الفاعلة في لبنان هي ذاتها. وكذلك هي الأساليب والوسائل. ولكن بدرجة من الخطورة اكبر. فلقد تم توظيف الانقسام المذهبي الإسلامي على مستوى عام وشامل، وبالتالي فمن المحتمل أن تنتشر النار في هشيم الشرق الاوسط كله.
يجول المسلحون ويصولون في لبنان. ويتلقون فيه التدريب والتجهيز والتوجيه. تارة هم معارضة سورية «سياسية»، ولبنان منبر للتعبير الحر عن الرأي. وتارة أخرى هم نازحون، واللبنانيون لا يخلـّفون الواجب الإنساني والأخوي، تجاه اشقائهم السوريين الذين استجاروا بهم.. الشحن المذهبي بلغ حده الأقصى. العصبية عادت بعنفها وبحُمـّاها، شهادة على ان الأعراب «لا يتعلقون من الإسلام إلا باسمه ولا يعرفون من الإيمان إلا رسمه». صار التحالف مع إيران ضد المستعمرين الإسرائيليين، والإمبريالية الغربية، تهمة. كُفِر أنصار حزب الله، فهو في منطوقهم «حزب اللات». لا تسل عن القدح والردح. يرمى الكلام على عواهنه. فالجيش اللبناني «انضم إلى جانب نظم الحكم في ايران وسوريا!».
لنتخيل الوضع في لبنان على شاكلة الوضع في طرابلس والشمال في ظل الجماعات السلفية. وان كان من المحتمل ان يتحول ذلك إلى حقيقة. فالدلائل تشير إلى ان أمرا ما، يجري الاستعداد له في مخيمات اللاجئيين الفلسطينيين. وأن الاحتقان يتصاعد في البقاع وفي مدينة صيدا، التي وصل فيها إلى درجة الانفجار.
اللافت للنظر في هذا السياق، أن رئيس الجمهورية استأنف رحلاته حول العالم. وأن لبنان بات يشبه السوق الذي يتنقل سفراء الدول الغربية بين «بسطاته» وحوانيته. «ينصحون» الباعة المحليين، بالأمن والاستقرار، أي بمزيد من الأرباح، شرط إجراء الانتخابات النيابية على اساس قانون يحظى بموافقة أمراء النفط، يضمن فوز أتباعهم ومحتسبيهم في بلاد الأرز.. لا تصبح الديمقراطية في بلاد العرب ، مقبولة أو شرعية، الا إذا وسمت بخاتم هؤلاء الأمراء ووشمت بذر النفط عليها.
الإنتخابات «وفوز جماعتنا، او الفوضى والحرب»، هذا لسان حال سفراء الولايات المتحدة الأميركية وانكلترا وفرنسا. ويحدثونك عن الاستقلال والسيادة و«ثورة الأرز» أم «الثورات العربية». الغريب أن ذاكرة اللبنانيين ضعيفة جدا، فهم لا يحفظون كم من الويلات جرها عليهم سفراء «القوى» الكبرى. وحسبنا أن نستحضر هنا أحداث 1840 و1860. ولكن من المحتمل انه لا توجد ذاكرة لبنانية واحدة، وانما هناك ذاكرة لكل طائفة ولكل مذهب. وبما أن السمة الرئيسة للذهنية الطائفية والمذهبية هي الجمود، ليس مستبعدا أن مرد وقوع اللبنانيين، معا أو مداورة في الفخ نفسه، إلى أن قدرتهم في لبنان على الاستفادة من التجارب والأخطاء، معدمة. فهم لا يمتلكون هذه القدرة إلا إذا هاجروا واسترجعوا ذاتيتهم كأفراد، خارج دائرة تأثير الذهنية المذكورة.
لا أظن القول أن هذه الذهنية أوصلت لبنان إلى مأزق، وإن الطبقة السياسية التي تحاول إعادة إنتاج نفسها، بواسطة قوانين بدائية، من القرون الوسطى، انما تسير في الواقع نحو حتفها. فأنا على يقين بأن الولاء للوطن منتهية فعاليته، ويخشون نهاية فاعلية الولاء للمذهب. والدليل على ذلك هو الثمن الباهظ الذي يتحمله زعماء الطوائف والمذاهب، مقابل استخدام « قبضايات «. فهم يضطرون لتغطية، أفعالهم اللاقانونية، أي أنهم مضطرون الى انتهاك قانون الدولة التي يتعيشون منها. فلم يعد لهذه الأخيرة، هيبة وأحيانا وجود.
صار أعضاء الميليشيات المذهبية يتمتعون بحصانة كاملة. فهم يعتدون على الجيش، ويصفون اعتداءهم بأنه رد على عدوان الجيش على أتباع مذهبهم. ويرفضون أحكام القضاء بذريعة أن المحكوم عليه اضطر إلى ارتكاب جرم أو عمل شائن، دفاعا عن اتباع مذهبه. جملة القول أن أعضاء الطبقة السياسية في لبنان يقطعون فرع الشجرة الذي يجلسون عليه. ليس مستبعدا أن الشجرة، يبست ولكن السياسيين اللبنانيين، والناس أيضا، يجهلون ذلك.
وخلاصة القول أن لبنان على وشك أن يسقط ويتهاوى. فهو في وسط إعصار تلتقي فيه تيارات عاتية آتية من الغرب وأخرى محملة بالرمال وبالسموم مصدرها مشيخات النفط. لا يتضرر الغرب الاستعماري من تجزئة الاوطان إلى إمارات تتنابذ. لقد جند «الإسلاميون» لنشر الفوضي والرعب. رغم ذلك كله ما يزال اللبنانيون « يغني كل على موّاله «!..
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018