ارشيف من :أخبار لبنانية
الرافعي يمهّد لطرد «الخوارج» من طرابلس
رضوان مرتضى - صحيفة "الاخبار"
اشتعلت حرب طرابلس افتراضياً برسائل قصيرة. انتشر مضمون درس ديني حول «أحكام الجهاد» للشيخ سالم الرافعي، متضمّناً ما عُدّ «تعبئةً وتحريضاً» ضدّ «أهل السُّنة الذين يُمكّنون لحركة أمل وحزب الله في مناطق أهل السُّنة». اعتبره المعنيون «إباحةً لدمهم»، فيما ردّ الرافعي بأنه «تحذير من باب الدفاع عن النفس».
في تشرين الأول الماضي، قُتل الشيخ عبد الرزاق الأسمر خلال هجوم مسلّحين على مركز «حركة التوحيد الإسلامي» في أبي سمراء في طرابلس. آنذاك، لم يكن الأسمر مسلّحاً، بل خرج لتهدئة المهاجمين الغاضبين الذين جاؤوا لـ«الانتقام لاغتيال اللواء وسام الحسن». لم يُعرف كيف حددوا وجهتهم. كل ما كانوا يعرفونه ان «التوحيد متحالفون مع حزب الله». وقعت الواقعة: «قُتل شيخٌ سُنّي بأيدي شُبّانٍ سُنّة». رُبما، يومها، كان قد غُرّر بهؤلاء، إلا أن ذيول الحادثة لم تنته بعدها. صحيح أن القتل في لبنان بين أبناء الطائفة الواحدة لا يأخذ الأبعاد ذاتها للقتل «العابر للطوائف»، إلا أن دَفن الأسمر، لم يدفن الفتنة معه. ورغم محاولات المتّهم الأبرز العقيد المتقاعد ع. ح. «إجراء مصالحة تحميه من الملاحقة ومنع السفر»، إلا أن السيناريو نفسه صار يُستحضر دائماً. ليس هذا فحسب، بل بات الشخص نفسه، بحسب ما يتردد، موضع شبهة التحريض الدائم. هكذا بات أبناء المنطقة نفسها يترقبون معركة يرون أنها لا ريب آتية. «الفسطاطان» واضحا المعالم السياسية: يضم أحدهما مؤيدي «الثورة السورية»، فيما يجمع الآخر من تبقى في طرابلس من حلفاء حزب الله والنظام السوري. أبرز مكونات المعسكر الثاني «حركة التوحيد الإسلامي»، علماً أن أمينها العام الشيخ بلال شعبان لم يُعلن بعد موقفه الواضح مما يجري في سوريا مكتفياً بالقول: «من المؤكد أني أقف إلى جانب شعب سوريا». أما غاية المعركة المنشودة، فتهدف إلى «طرد الخوارج عن أهل السنة والجماعة خارج المدينة، كالأحباش (جمعية المشاريع) وحركة التوحيد و(الحزب السوري) القومي».
السيناريو نفسه استُحضر خلال اليومين الماضيين. ترافق ذلك مع رسائل قصيرة تناقلها أبناء الفيحاء بواسطة «الواتساب» لـ«ملخص درس ديني حول أحكام الجهاد»، كان قد أعطاه عضو «هيئة العلماء المسلمين» الشيخ السلفي سالم الرافعي ليل أول من أمس في مسجد التقوى. الرافعي الذي يُعَدّ أبرز شخصية دينية بين إسلاميي طرابلس والشمال خصّص الدرس الأسبوعي، الذي يعقده مساء كل إثنين، للحديث عن مسألتين: الاعتداء على المشايخ الأربعة في بيروت والشياح قبل أيام، والجهاد. شرح الرافعي معاني «الجهاد»، معتبراً أن «نصرة الثورة في سوريا جهاد وواجب شرعي». لم يكن ذلك جديداً، لكن ما لفت في حديثه هو دعوته إلى «الاستعداد والجهوزية لأن المعركة الكبرى قادمة وقريبة جداً. وهي معركة الحق ضد الباطل، لإعلاء راية الإسلام». ومن هنا انطلق ليُضيف: «أقول لكم يوجد من هم أعداء أخطر من حركة أمل وحزب الله عليكم، وهم أبناء جلدتنا الذين يجلسون معنا ويأكلون من خيراتنا، وهم من أهل السنة الذين يتآمرون علينا وعلى البلد ويعدّون أنفسهم لمحاربتنا». وتضمنت الرسائل أيضاً ما مضمونه: «هل تعتقدون أن أحداً من أهل السنة يجلس مع رفعت عيد وسليمان فرنجية والقوميين السوريين، ويدّعي أنه شيخ من مشايخ أهل السنة في البلد. هل يكون فيه خير لأهل السنة؟ هؤلاء هم أعداؤنا. هؤلاء الذين يمكّنون لحركة أمل وحزب الله في مناطق أهل السنة». وذروة الحديث كانت ما نُقل عن الرافعي: «إذا بدأت المعركة، فلن نبدأها بجبل محسن ولا على حزب الله وحركة أمل، لكن سنبدأها بالذين يخونون الله ورسوله ويدّعون أنهم من مشايخ أهل السُنة».
وفي اتصال «الأخبار» بالشيخ الرافعي، أكّد معظم ما ورد في النص المنقول عنه، لافتاً إلى أنه كان يعني ذلك في معرض «دفاعنا عن أنفسنا في حال لو فكّر هؤلاء بفتح معركة». وكشف الرافعي أن «دافعي للحديث كان توجيه تحذير بعد ما سرّب عن اجتماعات لحلفاء سوريا للتآمر علينا»، مشيراً إلى أن ذلك «ترافق مع ظهور مُسلّح للأحباش في طرابلس». وذكر الشيخ أنه قال علانية ان «الجيش الحُرّ يحمينا ويقف إلى جانبنا بعدما تناقل حُلفاء سوريا أن هناك ٢٠ ألف عسكري تابعين للنظام السوري مستعدون للانقضاض علينا». وردّا على سؤال حول اعتبار ما قيل تحريضاً وحضّاً على القتل، أكد الشيخ الرافعي أن «لا نية لدينا ببدء معركة، وخير دليل أننا منعنا الفتنة بعد حادثة الاعتداء على الشيخين». وأضاف: «لو أردنا الفتنة، لتركنا الشارع يتحرك من دون أن نتدخل لضبطه». وختم داعياً «حلفاء سوريا من أهل السُنة أن يتبرأو من نظام القتل وأن يأتوا ببيان يُعلنوا توبتهم وإلا فسيتحملون التبعات».
من جهتها، اكتفت «جمعية المشاريع الإسلامية»، على لسان مسؤولها الإعلامي الشيخ عبدالقادر الفاكهاني، بالقول: «يقولون في اللغة الانكليزية No Comment، هذا هو موقفنا مما تفضل به الشيخ الرافعي». أما قيادة «حركة التوحيد»، فاعتبرت أن ما يُنسب لها محض افتراء، رافضة التعليق على ما نُشر. واكتفى المسؤولون فيها ببيان توضيحي يؤكد أن «ما جرى تناقله حول لقاء جمع حركة التوحيد الإسلامي في زغرتا عند الوزير سليمان فرنجية لا أساس له من الصحة». وأضاف البيان: «إننا نبرأ أمام الله تعالى من أي فتنة يُحاول بعض الأشخاص المشبوهين أمنياً إيقاظها لافتعال اقتتال سني ـــ سُني، علماً أننا نحن من حافظ ويُحافظ على استقرار بلدنا ولو بالدماء وخير شاهد دماء الشيخ عبد الرزاق الأسمر». وخلص البيان إلى أن «حركة التوحيد تحتفظ بحقها القانوني برفع دعوى ضد الجهة المحرضة المؤلفة للأكاذيب والافتراءات».
في موازاة ذلك، كشفت أوساط الحركة أن «الشيخ بلال شعبان لم ير الوزير فرنجية منذ العام ٢٠٠٩»، معتبرة أن ما جاء على لسان الرافعي افتراء وتحريض وفتوى بإباحة الدم. وأضافت الأوساط نفسها أن «هذا الكلام هو الذي قتل الشيخ عبدالرزاق الأسمر»، لافتة إلى أن قيادات الحركة كانت «أول من استنكر التعرض للشيخين، ليس كغيرنا الذي استثمر الحادثة».
لن تهدأ طرابلس. لا تكاد تنتهي مشكلة حتى تولد أُخرى. الجمر في عاصمة الشمال ينتظر من يحرّك الرماد من فوقه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018