ارشيف من :أخبار لبنانية

صورة الرئيس الباردة... حتّى في أفريقيا

صورة الرئيس الباردة... حتّى في أفريقيا
غسان سعود - "الاخبار"

فرجها الله. اصطفّ الآلاف على جانبَي الطريق حاملين صوره وهاتفين باسمه. له قرعت الطبول واهتزت أرداف السمراوات ونثرت الأوسمة وعلت الزغاريد. لخطابه، خطاب النأي بالنفس ما غيره، صفق المئات. بعيداً عن جبيل نحو سبع ساعات طيران، في أفريقيا، وجد الرئيس ميشال سليمان أخيراً نفسه، وبات منافساً للزعيم الليبي الراحل معمر القذافي على لقب «ملك ملوك أفريقيا»

 لم يتهافت المرشحون للانتخابات النيابية على وضع طائراتهم الخاصة بتصرف رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان للتجوال بها بين الدول الأفريقية كما يفعلون مع البطريرك الماروني بشارة الراعي، ولا شركة طيران الشرق الأوسط قدمت له طائرة. استأجرت رئاسة الجمهورية، على حساب اللبنانيين مرة أخرى، طائرة تتسع لـ 320 شخصاً، بدل330 التي عرضت عليه حرصاً على «توفير المال العام».

يجلس سليمان وقرينته في مقدم الطائرة، وتنطلق الرحلة: تحتم الإجراءات الأمنية جلوس قائد لواء الحرس الجمهوري العميد وديع الغفري خلف الرئيس حتى في الطائرة. أما خلف السيدة الأولى، فيجلس صهرها نبيل حواط، المرافق للوفد بصفته رجل أعمال. وبين رجال الأعمال: وجه الرئيس المصرفي (الجبيلي) فرنسوا باسيل، ورئيس مجلس إدارة جمّال ترست بنك أنور الجمال. وقد غاب الصهر الآخر للرئيس وسام بارودي، حرصاً من سليمان على عدم الظهور مظهر المفيد لأسرته سياحياً. أما السيدة الأولى، فاكتفت بمرافِقة واحدة و«مصور اللبنانية الأولى الخاص».

مقابل الثنائي اللبناني الأول، جلس نائب رئيس الحكومة سمير مقبل الذي لا يفارق النوم عينيه في الطائرة، ووزير الخارجية عدنان منصور الذي لا يفارق النوم لسانه. وخلفهما الوزير فيصل كرامي والمدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم. يقابلهما، الوزيران فادي عبود وحسين الحاج حسن الذي كان يغادر كرسيه بقرب وزير السياحة كلما استأذنه الأخير لبلّ ريقه ببعض الويسكي. وفي الصبحيات، كان عبود يحرص على تطعيم البيض في صحنه بشرحات الجانبون (لحم خنزير) لتطفيش الحاج حسن الذي نام قبل إقلاع طائرة الإياب في نيجيريا واستيقظ في بيروت، رغم توقف الطائرة في تونس.

بالعودة إلى الرئيس، بدل استفادته من الرحلة للتنقل بين الركاب وتوطيد علاقته برجال الأعمال والصحافيين وغيرهم، لم يغادر كرسيه. من شعارات الرئيس: الجليد أساس الملك. طوال الرحلة لم يفاجأ أحد المتحلقين حوله بنكتة أو خبر يضحك. لم يزد الابتسامة المقيمة في وجهه عن حفرتها الأصيلة ملّمتراً واحداً. فخامة الرئيس كما هو، أينما حلّ.

خريطة كاشفة

المحطة الأولى في الجزائر حيث ربضت الطائرة نحو ساعتين للتزود بالوقود، فحضر الرئيس الجزائريّ عبد العزيز بو تفليقة إلى صالون الشرف في المطار لتناول الغداء مع الوفد اللبناني.
اصطحب سليمان للترفيه عن نفسه في رحلته الترفيهية، ثلاثة من أصدقائه: العميد بيارو سليمان الذي سبق أن عينه مستشاراً له لشؤون الأوسمة. مستشاره العسكريّ العميد عبد المطلب الحناوي الذي كان يبلغه بالتطورات الميدانية في بلده الأم. ومستشاره للشؤون الخارجية السفير بهجت لحود الذي كان يضعه في صورة أوضاع البلد الذي يزوره في تقرير أقرب ما يكون إلى تقارير «ويكيبيديا». أما «خريطة» الوفد الإعلاميّ المرافق فتكشف طريقة عمل سليمان وتفكيره: مراسل من تلفزيون لبنان، وآخرون من Mtv وNBN والمنار. محلل سياسي من جريدة «الجمهورية» وآخر من «السفير» لم تسعفه معدته في إكمال الرحلة فعاد باكراً. وبدل دعوة الرئاسة مراسلين يسلطون بتقاريرهم الضوء على أوضاع الجالية وفرص الاستثمار، على غرار مراسلي «خاص الجديد»، اختارت الرئاسة معدة برنامج الفساد غادة عيد، آملاً ربما أن تحضر حلقات عن فساد اللبنانيين في أفريقيا. في ظل استنفار رئيس مكتب الإعلام في القصر الجمهوري أديب أبي عقل حواسه لمنع التقاط صور للرئيس خارج الكادر الرسمي الذي تبدو فيه صورة الرئيس دائماً شاحبة وجامدة وباردة.

السنغال بسرعة

في السنغال يستهل الرئيس لقاءاته بوفد من رجال الدين. ظهراً يمنحه الرئيس السنغالي وسام «الصليب الكبير لنظام الأسد الوطني». وبعد الظهر، يصعد وزوجته في مركب صغير لزيارة جزيرة غوريه التي تذكر الأفريقيين وزوارهم بسنوات العبودية، فيما قناة الرئيس التلفزيونية المفضلة في لبنان تستضيف شخصاً ينعت الأفريقيين بـ«العبيد» بلا أي تعليق من المذيعة. ولا يكاد الرئيس ووفده ينامون قليلاً حتى يستيقظوا لمغادرة السنغال باتجاه أبيدجان.

خمسة من الأمنيين الثمانية والعشرين المرافقين للغفري كانوا يسبقون الطائرة الرئاسية إلى وجهتها التالية للاطلاع على الترتيبات الأمنية. وبينت أيام الرحلة السبعة أن علاقة سليمان بالوزراء المرافقين أقل من عادية. وتخللها سجال بينه وبين وزير الخارجية بخصوص مذكرة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وسجال آخر بينه وبين الوزير فادي عبود بخصوص قانون الانتخاب. وكشفت مداخلات المستشار الاقتصادي والمالي للرئيس شادي كرم عن تحضيره ملفه جيداً في ما يتعلق باقتصاد الدول الأفريقية ومجالات الاستثمار اللبنانيّ، وتأثر سليمان الكبير بوجهة نظره رغم خروجه الدائم عن نصه لدعوة المغتربين إلى دعم لبنان بشراء زيته وزيتونه.

وسام لواتارا وآخر لزوجته

ساحل العاج: يعود الفضل بالاستقبال الشعبيّ الذي حظي به سليمان إلى «غرفة التجارة اللبنانية» في أبيدجان التي يقدر بعض الاقتصاديين أنها تهيمن على نحو 40 في المئة من اقتصاد ساحل العاج، لكن خلافات التجار اللبنانيين في ما بينهم دفعتهم إلى انتخاب طبيب جراح رئيساً لغرفة التجارة. وقد رصدت الغرفة موازنة خاصة للزيارة. وبحكم صغر المسافة بين المطار وفندق إقامة الرئيس، غزت الغرفة الألواح الإعلانية بصور سليمان، والطرقات بتلامذة المدارس الملوحين له بالأعلام اللبنانية. والأكيد أن هؤلاء تعلموا قبل يومين فقط تهجئة اسم سليمان، ولا يعرفون شيئاً عن مواقفه «التوافقية».

أما الحسن واتارا، ففتح بمناسبة الزيارة صفحة جديدة مع الجالية اللبنانية التي أحرقت بعض منازلها ومخازن تجارها، غداة مشاركة السفير اللبناني قبل عامين في احتفال المنقلبين على واتارا بانتصارهم عليه. وقد منح واتارا الرئيس مفتاح أبيدجان وألبسه الرداء التقليدي الإيفواري، فردّ سليمان جميله بأجمل منه، فلم يكتف بمنحه – لأسباب مجهولة طبعاً – وسام الاستحقاق اللبناني من الرتبة الاستثنائية، بل منح زوجة واتارا وسام الاستحقاق اللبناني من رتبة الوشاح الأكبر أيضاً.

والواضح في خطابات سليمان الأفريقية تأثره الشديد بالجو العام، فالتوافقية ببعدها السليماني، تقتضي إسماع الجمهور ما يشتهي سماعه. «نحن معنيون ومسؤولون عن منع تسلل السلاح والمسلحين عبر الحدود بين لبنان وسوريا» يقول فخامته الآن. ومحدثاً الجمهور، يتابع: «لن يكون لبنان ممراً للسلاح والمسلحين عبر حدوده، ولن تقام قواعد عسكرية أو بؤر أمنية للمسلحين على أرضه»، قبل أن ينتقل إلى إسداء الأفريقيين نصائحه: «لا بدّ من تعزيز عمليات حفظ السلام في دولكم، والحؤول دون نشوب النزاعات في منطقة الساحل كما في مجمل غرب أفريقيا».

في بلد نكروما

في غانا، تبارزت ثلاث لحظات حميمية: الأولى حين وقف الرئيس الغاني بقرب الرئيس اللبنانيّ، مردداً حرفياً أنه يتشرف بالوقوف إلى جانب الرئيس اللبنانيّ. الثانية حين زار الوزير فادي عبود المنزل الذي وُلد فيه. والثالثة حين دخل سليمان متحف مؤسس غانا الرئيس كوامي نكروما ليكتب في سجله الذهبيّ أن نكروما «سيبقى، رحمه الله، شعلة دائمة تهدي الشعوب إلى الحرية والديموقراطية والعدالة». وفي خطاباته الغانيّة، وعد سليمان اللبنانيين بـ«قانون انتخابي عصري وديموقراطي». وأعاد المطالبة بـ«حوار جدي بين الحضارات» (ربما كان يقصد بين التبانة وجبل محسن أو في قصقص). ورداً على سؤال بشأن موقف السفيرة الأميركية في بيروت من وجوب إجراء الانتخابات في موعدها، قال سليمان إنه «شخصياً لم يسمع هذا الكلام مباشرة، بل قرأه فقط في الصحف وبعض التصريحات». بدورها، لم تفوت السيدة الأولى زيارتها لغانا من دون الإدلاء بتصريح. بعد رقص أطفال غانيين ترحيباً بها، أكدت أن «أطفال غانا هم أطفال لبنان».

وإلى نيجيريا أخيراً: لا يكاد الرئيس يطأ أبوجا التي احتفلت جاليتها الطرابلسية بالوزير فيصل كرامي، حتى يناوله وزير العاصمة الفيديرالية الأول مفتاحها. يسعد سليمان ويطير إلى لاغوس. يبخل عليه حاكمها باباتوندي فشولا بالمفتاح، فيعوضه رجل الأعمال جيلبار شاغوري بزيارته لمشروعه الأبرز في نيجيريا الذي يتمثل بشبه جزيرة لا يمكن فعلياً وصفها، بعد ردم شاغوري البحر. بعد هذه الجولة، يوضب الوفد حقائبه، مغادراً لاغوس باتجاه بيروت، متوقفاً عند الثالثة فجراً في مطار قرطاج التونسي للتزود بالوقود.

يمكن الوزير فيصل كرامي الآن علاج إسهاله، والوزير سمير مقبل تناول بعض الطعام بعد صومه أسبوعاً جراء حساسيته المفرطة من الحرّ، والسيدة الأولى تغيير تسريحة شعرها بعدما لازمتها أسبوعاً، لتفضيلها المصور على مصفف الشعر حين خيّرها «حصر النفقات» بينهما.

زيارات بلا مفاعيل

في الأمن، التعليم، الضمان الاجتماعي وغيرها، لا يعيش الرئيس ميشال سليمان أي تحدٍّ. لا يبالي بخطف كورنيش المزرعة، بإطاراتها، أنفس اللبنانيين. يخرج نظارته من علبتها بهدوء استثنائي ويضعها على عينيه بهدوء أكبر لتختزل كلمته البرودة كلها. يطلب نائب علانية السلاح لإمراره إلى سوريا، فيما فخامته يردد أن «لبنان لن يكون ممراً للسلاح والمسلحين». يريد الرئيس «قانوناً انتخابياً عصرياً»، ويعمل على إجراء الانتخابات وفق قانون الستين. مهربه الوحيد: «الاهتمام بالمغتربين». كيف؟ عبر لقاء رجال أعمالهم هنا أو في دولهم، وتذوّق مازتهم اللبنانية و«مشاوي الشباب».

تنتهي مفاعيل زيارات الرئيس بانتهائها، على غرار خطاباته. والنتيجة الوحيدة لتلبية مستقبلي سليمان دعواته لزيارة لبنان، ستكون اكتشافهم أن ما يفعله اللبنانيون بهم في دولهم ليس إلا جزءاً يسيراً مما يفعلونه بهم في لبنان.
2013-03-21