ارشيف من :أخبار لبنانية
معادلة «المستقبل»: فراغ نيابي أو حكومة جديدة
جوني منير- جريدة الجمهورية
ارتفعت درجة المخاطر في المنطقة عشية وصول الرئيس الاميركي باراك اوباما في زيارته الرسمية الاولى الى اسرائيل. زيارة تأتي وسط استمرار حال التنافر الشديد ما بين الرئيس الاميركي ورئيس الوزراء الاسرائيلي نتيجة تصادم المشاريع فيما بينهما، وهو ما دفع بالبيت الابيض للترويج بأنها زيارة فارغة من اي محتوى سياسي لتصبح اقرب الى زيارة سياحية منها الى سياسية.
طبعاً، الهدف من ذلك تهدئة نتايناهو الذي نجح في تشكيل حكومة تعارض التنازلات التي تطلبها واشنطن تجاه الفلسطينيين على امل ان يشكل اي تقدم على مستوى التسوية الاسرائيلية - الفلسطينية مدخلاً لمفاوضات ناجحة مع ايران. وقبيل وصول اوباما ارتفعت ألسنة اللهب أكثر من ساحات المنطقة المشتعلة.
ففي سوريا حيث تدور معارك لها طابع تركيب خارطة جديدة، فشلت المعارضة في تأمين طريق آمن يربط بين ريف دمشق ومحافظة حمص بعدما كان النظام قد نجح في اعادة تأمين تواصل آمن بين حلب وحمص. وبعد ساعات على اعلان رئيس الحكومة الانتقالية، ظهر السلاح الكيميائي في معارك حلب، ما ضاعف من قلق العواصم الغربية حول تسرب هذا السلاح الى المجموعات المتطرفة والتي باتت الاكثر تأثيراً على جبهات القتال.
وفي العراق اشتعلت المناطق الشيعية بتفجيرات دموية، في وقت تغلب فيه القناعة بأن العراقيين على قاب قوسين او ادنى من الحرب الاهلية، بعد عشر سنوات على الاجتياح العسكري الاميركي.
وفي تركيا مصالحة مع عبدالله اوجلان كمدخل لتسوية تاريخية مع الاكراد، فرضتها ظروف المنطقة والنزاع الذي يهدد الجنوب التركي، وقد تكون خطوة حماية استباقية لاحتمالات تطور النزاع في سوريا والعراق وربما لبنان.
وفي الاردن، استعدادات متجددة للاخوان المسلمين لاستعادة زمام الامور في الشارع بعدما نجح الملك الاردني في حمل "تطهير" الجيش والقوى الامنية من نفوذ الاسلاميين.
الّا ان العرش الاردني القلق حتى العظم من تداعيات الازمة السورية، يدرك ان معالجاته لا تضمن استقرار الشارع حيث يقتطع الاسلاميون مساحة واسعة منه معززين هذه المرة بإسلاميي النازحين السوريين الذين لم يعد لديهم شيء ليخسروه، ما يشبه تكراراً للازمة مع النازحين الفلسطينيين في ستينيات القرن الماضي.
وفي لبنان ارتفاع منسوب الاحتقان المذهبي الى درجة الخطورة من تشنجات صيدا، وتعزز مع توترات باب التبانة وجبل محسن، وكاد ان ينفجر في ازقة بيروت. كل ذلك وسط تفاقم الازمة السياسية الداخلية وانسداد كل المخارج الممكنة، في موازاة التلويح العربي من خلال إزالة الغام عند اجزاء من الحدود الشمالية، او من خلال الغارة الجوية التي سبقتها، فيما قنبلة النازحين السوريين تكبر وتكاد تنفجر في خضم الازمات المستعرة.
وتكفي الاشارة الى ان الخدمة العسكرية الزامية في سوريا وتصل الى حدود الثلاث سنوات. ما يعني ان معظم الرجال النازحين لديهم خبرة عسكرية وقتالية، وفي ظل تنامي الفوضى في لبنان وغياب هيبة الدولة وتصاعد التعبئة المذهبية، فإن النتائج لن تكون في صالح الاستقرار الداخلي.
هذا مع العلم ان مصدراً امنياً رفيعاً كشف بأن نسبة المخلين بالقانون بلغت 75% من غير اللبنانيين. الّا انه وعلى رغم خطورة الاحداث التي حصلت والتي تؤسس لمستقبل مخيف، هناك ملاحظتان ايجابيتان:
الاولى: مسارعة القيادات السياسية الشيعية والسنية على السواء لوأد الفتنة بعدما وصلت الامور الى مرحلة الخطر الداهم. مثال على ذلك، سُجل تعاون كامل من قبل حركة امل مع الجيش اللبناني لكشف هويات الذين تسببوا بالاعتداء على رجال الدين والعمل على القبض عليهم في منازلهم وأماكن تواجدهم.
اما الثانية، فهي بقاء التشنجات تحت سقف عدم الانزلاق نحو المواجهة. وفي الأساس، فإن جبهة باب التبانة - جبل محسن كانت قد شهدت "انضباطاً" مماثلاً رغم الخروق الامنية الحاصلة. وبدا ان قراراً صارماً قضى بعدم اشتعال الجبهة ربما بسبب التهديدات السورية والاشارات الصادرة عن القوات السورية المرابضة على الحدود.
لذلك بقيت ابواب المخازن مقفلة وغابت سيارات "الرينو رابيد" التي كانت تتولى توزيع الذخائر لإشعال الجبهة. لكنّ هذا "التفاؤل" اذا صح التعبير، يبقى محدوداً لأن الاستقرار الامني شيء، وانتظار التوقيت المطلوب للتفجير شيء آخر تماماً. اضف الى ذلك ان الازمة السياسية الناتجة عن قانون جديد للانتخابات تبدو امام حائط مسدود، وهو ما يعني ان البلاد تقف فعلاً امام المجهول.
وبعيداً عن المناورات السياسية والتي تهدف الى تحميل كل فريق لغيره مسؤولية التعثر، فإن لا وجود لأي توافق حول مشروع انتخابي واضح حتى ان لقاءات روما والتي شهدت عرضاً سريعاً لمختلف المشاريع، لم تقف جدياً حول اي مشروع فعلي. قيل إن المشروع الافضل يبقى المختلط، وقيل إن التصويت للنسبية ممكن ان يتراوح ما بين 40 الى 60%.
لكن احداً لم يبحث في التفاصيل، وهنا في الاساس تقع المشكلة. الّا ان وجه الحقيقة في مشاورات روما لحظ الكلام حول تجنب الوصول الى الفراغ على مستوى مجلس النواب والبدء منذ الآن التحضير للتمديد، وذلك من دون ذكر اي مدة، ولو ان الانطباع الضمني لدى الجميع ان المدة ستكون سنتين في اقل تقدير.
في المقابل، رشح عن تيار المستقبل وبشكل غير رسمي معارضته المطلقة التجديد لمجلس النواب من دون ان يترافق ذلك مع حكومة جديدة تضم جميع الفرقاء او لا تضم احداً، لدرجة ان البعض اختصر معادلة "المستقبل" بالقول: إما الفراغ وإما حكومة جديدة.
ويبدو تيار المستقبل اكثر ارتياحاً من الاسابيع الماضية، بعدما تبلّغ من المصادر الاميركية ان الرئيس امين الجميل والدكتور سمير جعجع التزما امام ديبلوماسيين اميركيين بعدم السير بمشروع اللقاء الارثوذكسي في الهيئة العامة في مجلس النواب، على ان يُترك لهما الاسلوب الواجب اتخاذه في هذا المجال.
لذلك انتقل "المستقبل" الى الهجوم، فيما بدا الرئيس نبيه بري محرجاً من الدعوة لانعقاد الهيئة العامة لادراكه ضمناً ان ورقة "الارثوذكسي" باتت ضعيفة في يده. انما الخطورة في كل ذلك ان الازمة السياسية الحاصلة والتي تضغط بقوة على الشارع المعبّأ مذهبياً، في ظل تطورات سورية مخيفة، ومشاريع تسويات في المنطقة واندفاع اسرائيل لاجهاضها، كل ذلك يجعل الساحة اللبنانية مكشوفة بالكامل، ومفتوحة امام عواصف عنيفة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018