ارشيف من :أخبار لبنانية
الانتصار: انجاز تاريخي لفعل استثنائي
شكل فعل الانتصار على العدو الاسرائيلي في جنوب لبنان قطيعة سياسية وعسكرية وسيكولوجية مع السياق العام الذي حكم قضية الصراع العربي ـ الاسرائيلي منذ عام 1948، أو على نحوٍ أدق، منذ هزيمة حزيران عام 1967، حتى أيار العام 2000، كما شكل انقلاباً في الوعي العربي المأزوم في نظرته الى الكيان الاسرائيلي. هذا الى جانب التبدلات والاهتزازات العميقة والاستراتيجية التي احدثها في مواقع وعناصر، معادلات وموازين، والحسابات، المباشرة وغير المباشرة، التي تحكم خريطة الصراع العامة مع هذا الكيان.
وبهذا المعنى، فإن فعل الانتصار هو فعل تاريخي بامتياز، وكأي فعل تاريخي لا يمكن التقاط مفاعيله الا عبر حركة التاريخ نفسها التي يندرج فيها. ولذا، كان طبيعياً ان لا تأخذ مقاربة هذا الفعل ابعادها الكاملة إلا عبر الزمن المنفتحة عليه.
وأيضاً، فإن هذا الفعل، بما هو قطيعة، بالمعنى الآنف، فانه يستمد دلالاته ومغازيه وقيمته مما قبله، ومما بعده.
من المعلوم، ان المنطقة العربية، شهدت ما بين عام 1967 وعام 1990 سلسلة من الأحداث والتطورات وضعتها على منعطفات نوعية، وفي قلب دائرة من التحولات القاسية على مختلف الصعد. أما أبرز هذه التطورات التي تعنينا هنا، فتتمثل بالتالي:
أ ـ هزيمة الخامس من حزيران لعام 1967، هذه الهزيمة التي أحدثت انقلاباً في المناخ العربي السياسي والايديولوجي الخاص بقضية الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وذلك بسبب من تحويلها هذا الصراع "من صراعٍ يهدف كل طرفٍ فيه الى افناء الآخر (المعادلة الصفرية) الى صراع يجمع النزاع مع القبول بوجود الطرف الآخر (كواقع لا يمكن تغييره) من دون الاضطرار الى الدخول في علاقات سلمية معه، وما هو أهم من ذلك هو ما أحدثته الهزيمة من أثر نفسي لدى العرب دفعهم الى التسليم الاضطراري بوجود "اسرائيل" بعدما كان التصور الذهني العربي عامة لا يقبل بهذا الوجود".
كما أفضت هذه الهزيمة الى اعادة نظر جذرية في مضمون النظرة العربية الرسمية الى قضية الصراع مع الكيان الاسرائيلي، تمثلت بجملة اجراءات رئيسة أبرزها التالي:
أ ـ التفكيك التدريجي لـ"الجوانب السياسية والفكرية للنزاع التي تتطلب معالجة في الأمد القريب، عن البعد الايديولوجي لهذا النزاع". وهذا ما سيفضي لاحقاً الى وقوع العقل السياسي العربي في نوع من "البراغماتية" أو "الواقعية" السياسية المبتذلة، التي تفتقد الى أي كوابح مبدئية، وخلافية سياسية تتطلع الى المستقبل، بدل من ان تغرس نظرها فقط تحت قدميها. كما سيفضي هذا التفكيك ايضاً مع الوقت، الى تغليب النظرة والمصلحة الفطرية او الكيانية للصراع، بدلاً من النظرة "القومية" الشاملة له.
ب ـ التأكيد على ان المهمة الراهنة تتمثل في "احتواء التوسع الاسرائيلي، من خلال تحرير الاراضي العربية المحتلة منذ عام 1967"، ومن خلال القبول، أو الاستعداد للقبول بالقرارات الدولية في هذا الإطار.
والخلاصة لهذا التحول، كانت تعني الشروع بمبدأ المفاوضات مع الكيان الاسرائيلي، كمدخل لا بد منه لاسترجاع الأراضي، هذا التحول الذي سيتكرس لاحقاً، خصوصاً بعد حرب عام 1973، التي افضت بدورها الى ملابسات من نوع جديد، ستكرس مع الوقت، مبدأ عقم الصراع العسكري النظامي مع الكيان الاسرائيلي، كوسيلة لاسترجاع الأراضي المحتلة، واضعة العرب أمام خيار واحد ووحيد هو خيار المفاوضات.
والثمرات الاولى التي ستترتب على هذه التحولات الاستراتيجية في العالم العربي، ستتمثل بـ:
أ ـ اتفاقية كامب ـ دايفيد المشهورة التي ستؤدي الى خروج مصر ودورها من دائرة الصراع العربي ـ الاسرائيلي، والتي ستفضي أيضاً، الى فراغ وتجاذبات، حصيلتها، تضعضع الواقع العربي الرسمي، ودخوله في متاهات حرب باردة، لا زالت مفاعيلها قائمة حتى الآن.
ب ـ اجتياح لبنان عام 1982 وصولاً الى بيروت، والتي ستؤدي الى نتائج متعاكسة ومتباينة في الوقت: خروج (م.ت.ف) مهزومة، قيام حكم في لبنان على اكتاف الدبابات الاسرائيلية، صياغة اتفاق 17 أيار المشهور.. الا انه في الوقت نفسه، نهضت مقاومة للمحتل على كل الصعد، والتي لها تعود فضيلة الانتصار الذي نبحث في دلالاته، هذا وستشهد أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات حدثين مهمين: الأول، يتمثل بسقوط الاتحاد السوفياتي على الصعيد الدولي، هذا السقوط الذي سيكون له تداعياته الاستراتيجية على أوضاع المنطقة.
والثاني، يتمثل بحرب الخليج الثانية (عاصفة الصحراء)، التي ستفضي الى تدمير العراق وعزل موقعه ودوره العربيين، وبالتالي، ضرب وعزل أهم عمق جيواستراتيجي للجبهة الشرقية. كما ستفضي الى اطلاق مؤتمر مدريد "للسلام"، وما سيعززه لاحقاً من اتفاقيات مع الأردن (وادي عربة)، ومع السلطة الفلسطينية (أوسلو وتوابعها).
مجمل مسار الأمور هذا، كان يؤكد تكريس الكيان الاسرائيلي كقوة وحيدة مطلقة في المنطقة، على حساب تفتيت روابطها واضعافها على كل المستويات.
وضمن هذه البيئة العامة التي تفتقد الى ابسط عناصر التوازن، والمختلة معادلتها الى حد كبير، لمصلحة الكيان الاسرائيلي، كانت تتحرك المقاومة في رهانٍ مختلف، وصولاً الى انجاز الدلالات التالية:
أولاً: عدم الخلط بين الشروط الموضوعية للانتصار والعلة الفاعلة له. فالأولى، لا تغدو، في أحسن الأحوال، أكثر من عللٍ مادية للانتصار. أما العلة الفاعلة، أو العلة الغائية له، فهي التي تحدد الصورة النهائية للفعل نفسه، فإما ان نصوغ من هذه العلل نصراً، أو أن نصوغ منها هزيمة. والصياغة لا يمكن ان تنفك عن الرؤية الايديولوجية للفاعل وموازينه واعتباراته ومعاييره، فضلاً عن ارادته وتطلعاته وأهدافه.
من هنا، كان ان ردت المقاومة الاعتبار الى أمرين أساسيين، عملت الهزائم العربية الرسمية على طمسهما حتى الموت، هما:
أ ـ الانسان، باعتباره الركن الأساسي في المعركة، فهو موضوعها وغايتها، كما هو أداؤها، وفي هذا الاطار، يمكن ادراج مفهوم الشهادة، كأحد أبرز مفاهيم الصراع مع العدو الاسرائيلي.
ب ـ اعادة الاعتبار للبعد الايديولوجي للصراع، وبالتالي اعادة لأم البعدين السياسي والايديولوجي للصراع، الأمر الذي يفرض بدوره إعادة وضع الصراع مع العدو في دائرته الصحيحة، أي دائرة الصراع الاسلامي ـ الاسرائيلي، ومن ثم، اعادة رسم أفق أعلى لهذا الصراع، ووضع كوابح مبدئية لمقاربته، وشحذه بالروافع المعنوية المطلوبة، وفتح الأفق الاستراتيجي أمامه على أوسع مداه. باختصار، تحرير العقل السياسي المأزوم من احباطاته، وضيق أفقه، ورهاناته الظرفية، عبر اطلاق طاقاته وقدراته في صيرورة مواجهة مفتوحة على المستقبل، وان كانت نقطة انطلاقها الحاضر وامكاناته.
ثانياً: استرجاع قضية الصراع مع العدو الاسرائيلي من ايدي الأنظمة والحكام، وجعلها قضية شعوب، وهذا الاسترجاع تكمن أهميته في كونه يحرر هذه القضية من الحسابات السلطوية ونزوعاتها الخاصة للاستئثار والتملك بمعزل عن الكلفة والثمن.
واذا اخذنا تجربة المقاومة في لبنان خصوصاً في عقدها الأخير، يمكن الكلام عن معادلة توفيقية تخدم هذه القضية، حيث برهنت هذه التجربة عن امكانية تعايش حقيقي بين منطق الدولة ومنطق المقاومة، ومن ثم امكان اجراء توزيع أدوار حقيقي ومتكامل ومتمايز بين الاثنين، بحيث يتيح لكل منهما حرية حركة، وهامش مناورة ليس بالقليل.
ثالثاً: تحرير الواقع العربي النفسي والسياسي من ارهاصات اليأس والاحباط المعنوي بالاتجاه الذي يعيد بناء حقيقتين كبيرتين:
أ ـ ان العدو الاسرائيلي قابل للانهزام، وبالتالي كسر اسطورة "الجيش الذي لا يقهر" بكل تداعياتها، والتي منها فتح امكانات أمام العقل والعمل العربيين خارج اطار الاستسلام المذل لواقع القهر الاسرائيلي، أي في الاتجاه الذي يبحث عن كيفية مواجهته وقهره.
ب ـ اعادة ترميم ثقة الانسان العربي بنفسه وبطاقاته وامكاناته، مع التأكيد على الكيفية الضرورية لتوظيف هذه الامكانات والطاقات في الاتجاه السليم.
رابعاً: التأكيد على البعد التاريخي للصراع مع العدو. بمعنى، ان فعل المقاومة ليس فقط قصير المدى، وانما هو صيرورة تراكمية، تحتاج الى تعب وجهد وقدرة على تحمل التضحيات، وصولاً الى اللحظة المناسبة التي تحوله الى نتاج نوعي.
خامساً: الكشف عن تناقضات الكيان الاسرائيلي، ونقاط ضعفه، والتي هي ليست بالقليلة، كما انها ذات سمة نوعية وكينونية، أي نقاط ضعف ليس من السهل جبرها او تعويضها، فالستار السميك الذي رمته انتصارات هذا الكيان على نقاط ضعفه وتناقضاته، مزقته الى غير رجعة هزيمته المنكرة في لبنان.
سادساً: لقد أظهر الانتصار أيضاً حدود القوة الاسرائيلية. هذه القوة التي لم تعد مطلقة كما كان يتم تصويرها، بل لها حدود تقف عندها.
فإذا كان النصر حليف هذه القوة في الحروب الكلاسيكية، فإنه تخلى عنها في حرب العصابات، أو الحرب الشعبية، وهذا ما أفضى بدوره الى وقوع الاستراتيجية الاسرائيلية للصراع مع العرب في تناقضات لم تكن بالحسبان، أبرز نتائجها تخبطها الذي تعاني منه اليوم سواء مع الانتفاضة في فلسطين المحتلة، أم مع المقاومة.
مجمل ما تقدم يكشف حجم الانجاز الإستثنائي لفعل المقاومة، وهو فعل كما تقدم له سمته التاريخية التراكمية، ولئن أنجز ما أنجز حتى الآن، فإنه لا يزال مفتوحاً على المستقبل، الأمر الذي يعني أنه لا يزال فعلاً غير مكتمل، إلا أن اكتماله مسؤولية الجميع.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018