ارشيف من :أخبار لبنانية

لبنان ـ سوريا ولعبة الأمم

لبنان ـ سوريا ولعبة الأمم

ادمون صعب -  صحيفة "السفير"

«أن نلجم النزوة نحو العنف
أصعب بكثير من أن نثيرها».


انطوني ستور
(باحث أميركي، صاحب «العدوان البشري»)

نجا لبنان من قطوع فتنوي مذهبي سني ـ شيعي، بفضل وعي مرجعياته الدينية السنية والشيعية على السواء، وإحساسها بالمسؤولية الوطنية، كذلك بفضل حزم الجيش للموقف الذي استجد اثر تعرض أربعة مشايخ للاعتداء في الخندق الغميق والشياح، ومسارعته إلى تطويق الحادثين وتوقيف المتهمين بالاعتداء على الشيخين.

ولقد أظهر الجمهوران السني والشيعي، ضبطاً للعنف وانضباطاً ملحوظاً، مدعومين بمواقف حكيمة من سياسيي الطرفين، وتعاطف أركان الطوائف الأخرى معهم في نبذ العنف، والاحتكام إلى القانون والانصياع لتدابير المؤسسة العسكرية، واعتبار السلم الأهلي خطاً أحمر لا يسمح لأحد بتجاوزه، أياً تكن الاعتبارات، وخصوصاً في ظل القلق والاضطراب الأمني في المناطق القريبة من الحدود مع سوريا في الشمال والبقاع حيث لا يمر يوم من دون حوادث يتسبب فيها الكر والفر عبر هذه الحدود بين الجيش السوري النظامي ومسلحين يشاركون المعارضة في القتال داخل الأراضي السورية.
وقد أشاع التضامن الوطني في وجه الفتنة، رغم الانقسامات والاصطفافات والخلافات السياسية حول الكثير من الملفات، وبالأخص الوضع السوري وقانون الانتخاب، ارتياحاً واطمئناناً لدى مختلف فئات الشعب اللبناني. وتمنى كثير من هؤلاء لو ينسحب هذا التلاقي تفاهماً على قانون الانتخاب الذي يكاد الخلاف حوله يعرّض البلاد لأزمة بل لقطوع، خصوصاً إذا صحّت التوقعات الإعلامية في شأن ما يمكن أن يحصل في جلسة مجلس الوزراء اليوم التي ستعقد في القصر الجمهوري في بعبدا جراء الموقف الذي اتخذه الرئيس ميشال سليمان من واقعة سقوط صواريخ سورية داخل الأراضي اللبنانية واعتباره ذلك «انتهاكاً مرفوضاً للسيادة اللبناني»، وطلبه من وزير الخارجية

عدنان منصور «توجيه رسالة احتجاج إلى الجانب السوري بهدف عدم تكرار مثل العمليات».

واعتبر موقف الرئيس تسرّعاً في تبني معلومات غير أكيدة، سبق للخارجية السورية أن نفتها واعتبرتها خبراً مختلقاً «روّجت له دول تنتهج سياسات العداء لسوريا»، كما أوضحت ملابساته مراجع أمنية لبنانية بقولها إن «الغارة السورية استهدفت منطقة ملتبسة ومتنازعاً عليها عند الحدود مع لبنان».
وقد وضع هذا الموقف الرئيس سليمان في مواجهة مع الأكثرية، وخصوصاً «حزب الله» الذي قال إن الخروق الإسرائيلية التي بلغت «حداً خطيراً»، وهي «لم تحظ بموقف حازم من الدولة، وعلى رأسها رئيس الجمهورية»، داعياً إلى «العمل لوضع حد للغطرسة الإسرائيلية».

كذلك يتوقع، بحسب تسريبات إعلامية، أن يصر الرئيس في جلسة اليوم على وضع مشروع إنشاء «هيئة الإشراف على الانتخابات» على رأس جدول الأعمال، حتى إذا رفضتها الأكثرية بالتصويت بادر الرئيس سليمان إلى تعطيل الجلسة وتعليق ترؤسه جلسات مجلس الوزراء ومشاركة وزرائه فيها، وربما تضامن معه الرئيس نجيب ميقاتي ووزراؤه وكذلك وزراء جبهة النضال الوطني، الأمر الذي يهدد بتعطيل الدولة، في مرحلة هي الأخطر في تاريخ لبنان وسوريا، وخصوصاً بعد دخول السلاح الكيميائي المعركة الدموية في سوريا، واختيار غسان هيتو رئيساً للحكومة الموقتة.

ولقد كان سقوط الصواريخ على الحدود، وظهور الكيميائي في منطقة خان العسل في حلب التي استهدفها، وأدى غاز السارين الذي نشره الصاروخ إلى مقتل 30 شخصاً، نذيراً بما يمكن أن يحصل في لبنان، لو تطورت الحرب الكيميائية وبلغت شظاياها وموادها وغازاتها القاتلة الأراضي اللبنانية، فضلاً عما إذا كانت لسوريا مخططات لتجاوز الحدود في اتجاه لبنان، في حال جن جنونها، وإرسالها قوات نظامية إلى منطقتي الشمال والبقاع على ما أشارت إحدى الرسائل النصية التي تلقاها إعلاميون لبنانيون في 17 آذار من أن «الفرقة 21 في الجيش السوري والتي تضم 80 ألف عسكري ويقودها العميد أحمد ناصر فريج قد وُضعت في حال تأهب لدخول طرابلس».

فماذا سيفعل لبنان ورئيسه وحكومته لدرء هذه الأخطار؟

هل سيلجأ مجدداً إلى سياسة النأي بالنفس بعدما وضع موقف الرئيس، من الصواريخ السورية، لبنان في عين العاصفة السورية، ولم يأبه للتحذير الذي وجهه إليه مجلس الأمن الأسبوع الماضي، في قرار اتخذ بالإجماع بضرورة «اتخاذ موقف حيادي ومراقبة الحدود، قدر الإمكان، لمنع تهريب الأسلحة وتسلل المخربين إلى الداخل السوري.

إننا أمام لعبة أمم في سوريا، هي أكبر من لبنان، على ما قال الزعيم وليد جنبلاط، وان الحكمة تقضي بأنه «عند تغيير الدول احفظ رأسك».
إنها دعوة إلى الحكمة والتعقل وتحمّل المسؤولية الوطنية، في وقت تحتاج البلاد إلى رجال دولة، أكثر من حاجتها إلى رؤساء وزعماء، يكونون سنداً لدولة خائرة القوى، منقسمة على ذاتها، منزوعة الخيار، متذكرين، ونحن ننظر إلى ما يجري في سوريا منذ أكثر من سنتين، وبعد دخول الكيميائي الميدان، «ان من شاء ان يأكل عجة لا بد له من كسر البيض»!
2013-03-21