ارشيف من :أخبار لبنانية
من ذاكرة الانتصار/ المقاومة الاسلامية: حرب عصابات نموذجية
رياض قهوجي(*)
قرار الحكومة الاسرائيلية الانسحاب من جنوب لبنان قبل عام لم يأت نتيجة عوامل سياسية أو ضغوط دولية بحتة، بل جاء نتيجة اقتناع على مستوى القيادة العسكرية الاسرائيلية بأنها في مواجهة عسكرية لن تستطيع كسبها. فالمواجهات العديدة التي خاضها الجيش الاسرائيلي منذ غزوه الأراضي اللبنانية عام اثنين وثمانين أتت على معنويات الجنود الاسرائيليين وأخذت بها الى أدنى مستوياتها منذ ولادة "الدولة العبرية" قبل أكثر من نصف قرن... يقول أهم الاستراتيجيين الاسرائيليين مارتن فان كريفلد في كتابه "السيف والزيتون" الذي نشر عام ستة وتسعين ان أول حالة عصيان بين الجنود الاسرائيليين ورفض أداء الخدمة العسكرية حدثت خلال الغزو الاسرائيلي للبنان. ووصف فان كريفلد الغزو بأنه "كان محكوماً بالفشل منذ بدايته". وبعد مراجعته لعمليات الجيش الاسرائيلي في جنوب لنبان حتى عناقيد الغضب عام ستة وتسعين، استنتج فان كريفلد ان القوات الاسرائيلية "حتماً لن تكسب الحرب"، اذ انها "لأول مرة تواجه حرب عصابات حقيقية".
ما هي حرب العصابات من وجهة نظر الاستراتيجيين الغربيين وما مقومات نجاحها؟ وكيف استطاع حزب الله تطبيق مبادئ حرب العصابات ودحر "اسرائيل"؟ يقول الخبير الاستراتيجي والعقيد المتقاعد في الجيش الاميركي بوب نيومان ان أساس حرب العصابات الناجحة هو وجود "مجموعة من المقاتلين الجيدين يحاربون من أجل حريتهم أو حقوقهم تحت قيادة أشخاص يؤمنون بقدسية حربهم وأهدافهم". ويضيف نيومان انه من الضروري وجود العامل "الجهادي" للمحاربين الذي يجعل من فكرة الموت أمراً مقبولاً ومشرفاً لهم. هذا الأمر كان موجوداً بقوة في صفوف مقاتلي "المقاومة الاسلامية" الذين كانوا مؤمنين بقضيتهم ويحاربون تحت راية الاسلام الذي يتحدث فيه القرآن الكريم عن الشهادة في ساحة المعركة ودرجة الشهيد السامية عند الله جل جلاله. أما على المستوى الاستراتيجي، فمن عوامل نجاح حرب العصابات هو استطاعة القيادة ادراك كيفية تفكير وتصرف العدو في المجالات التالية: السياسة الداخلية، الاستراتيجية العسكرية والتكتيكات في ميدان المعركة.
أدرك حزب الله الثغرات في السياسة الداخلية "لاسرائيل" حيث تتنافس الأحزاب على المقاعد في الكنيست ولا تتوانى عن اللجوء الى أي وسيلة للوصول الى هدفها. وهنا أتى دور الاعلام الذي استغله حزب الله لأقصى الحدود وبنجاح تام اذ ادى تصويره لعملياته الجريئة الى ايجاد حالة من الخوف والارتباك داخل المجتمع الاسرائيلي الذي انقسم على نفسه بين مؤيد ومعارض للوجود العسكري الاسرائيلي في جنوب لبنان. وباتت الأحزاب الاسرائيلية لاحقاً من اليمين واليسار تتنافس لكسب الأصوات عبر اطلاق الوعود لناخبيها بانهاء مأساة جنودهم في لبنان. نذكر هنا ان قرار الانسحاب كان قد اتخذه رئيس الوزراء اليميني بنيامين ونفذه لاحقاً رئيس الوزراء اليساري ايهودا باراك.
في مجال الاستراتيجية العسكرية الاسرائيلية أظهرت قيادة حزب الله ادراكاً واضحاً لهذه الاستراتيجية لارتباطها بعوامل خارجية مثل "عملية السلام" والضغوط الاميركية واعتمادها على التفوق النوعي بالأسلحة التقليدية وغير التقليدية لردع العرب. وتظهر العمليات إدراك حزب الله أهمية التوقيت في تحقيق المكاسب السياسية والمعنوية اذ ان شن العمليات في وقت تكون السياسة الخارجية الاسرائيلية بموقع صعب كان يؤثر على حجم رد الفعل من جانب القوات الاسرائيلية. كما ان الجيش الاسرائيلي وجد آلته العسكرية الحديثة عاجزة تماماً أمام مقاتلي حزب الله، فقد كان على "اسرائيل" ارسال أحدث مقاتلاتها وقاذفاتها لتطارد مقاتلاً واحداً من رجال المقاومة، وفي غالب الأمر كانت تعود فاشلة في أداء مهمتها. وبما ان العقيدة العسكرية الاسرائيلية مبنية على مبدأ الاعتماد على القوة النارية وتجنيب إقحام الجيش بمواجهات بشرية مباشرة فقد باتت الاستراتيجية العسكرية الاسرائيلية فاشلة أمام هجمات حزب الله التي اعتمدت على مجموعات قتالية صغيرة يستحيل صدها بالمدافع البعيدة المدى او الغارات الجوية.
التكتيكات الميدانية الاسرائيلية كانت تعمل حسب توجيهات ومبادئ الاستراتيجية العسكرية. وعليه، فإن القوات الاسرائيلية كانت تتجنب اشراك المشاة بشكل كبير وتعتمد على الفرق الخاصة وسرايا مؤللة ومدرعة بحماية جوية، هذا كله الى جانب استعمال عناصر "جيش لبنان الجنوبي" كساتر ترابي في الخطوط الأمامية. وعدم تواصل المواقع الاسرائيلية بقوى بشرية كافية مكّن حزب الله من استغلال التضاريس والتغلغل في عمق الاراضي اللبنانية المحتلة وضرب العدو من المؤخرة. كما ان الاتكال على الاسناد الناري البعيد المدى عوضاً عن ارسال فرق التدخل السريع المحمولة جواً لنجدة جنود "جيش لبنان الجنوبي" عند تعرض مواقعهم الامامية لهجمات المقاومة سهّل نجاح العديد من عمليات حزب الله على مواقع العملاء في سجد وغيرها. ويقول العقيد الاحتياط في سلاح الجو الاسرائيلي شموئيل غوردن ان افتقار القوات الاسرائيلية لمعلومات عن تحركات حزب الله كان أكبر نقاط ضعف "اسرائيل" في حربها في جنوب لبنان. ويضيف ان أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية فشلت تماماً باختراق صفوف حزب الله والحصول على معلومات ضرورية لكسب المعركة. ولم يؤد اعتماد "اسرائيل" على التكنولوجيا بشكل مطلق الى النتائج المرجوة اذ ان رجال المقاومة كانوا أيضاً يواكبون التطور التكنولوجي ويلجأون الى اجراءات مضادة. فقد حصل رجال المقاومة على اجهزة للرؤية الليلية اعطتهم المقدرة على العمل على مدار الساعة. كما انهم حصلوا على صواريخ موجهة مضادة للدروع مثل الساغر للتعامل مع قوافل العدو من مسافة بعيدة نسبياً لتجنب نيران الطائرات الاسرائيلية التي تؤمن الحماية للقوافل. وقد استعمل رجال المقاومة هذه الصواريخ لاحقاً لاقتناص جنود العدو وهم في بروج المراقبة.
واستطاع حزب الله التعامل مع التغييرات في التكتيكات الاسرائيلية طوال فترة الاحتلال الاسرائيلي، وقد تعامل حزب الله مع كل تغيير عبر دراسة دقيقة للمستجدات وسبل تطوير عملياته للاستمرار في استنزاف العدو. فكان خلال بداية كل مرحلة يغير فيها الاسرائيليون تكتيكاتهم كان حزب الله يقلص من حجم عملياته ويعمد الى امتحان ردة فعل القوات الاسرائيلية من حيث السرعة والقوة وطريقة اختيارها للاهداف. وبناءً على ما خلصت اليه تجربة كل مرحلة كان حزب الله يتمكن من قلب المعادلة على الارض مجدداً. فعلى سبيل المثال، في السنة الأخيرة للاحتلال وبعد ان قررت "اسرائيل" الاعتماد على قواتها الجوية بشكل رئيسي لمواجهة المقاومة المقاومة الاسلامية لاحظ المراقبون ان حزب الله بدأ يستعيض عن ارسال وحداته الى عمق الحزام "الأمني" لنصب كمين ضد الاسرائيليين، كما كان يفعل، باصطياد الاسرائيليين داخل معسكراتهم التي كانوا قرروا التجمع داخلها لتجنب الاصطدام بمقاتلي المقاومة. وبهذا يكون مقاتلو المقاومة طبقوا احدى مبادئ حرب العصابات التي تحدث عنها أهم كاتب عن حرب العصابات في التاريخ الحديث وهو ماوتسي تونغ، مؤسس الصين الشعبية. وتقول هذه المبادئ ان على المقاومين الانسحاب والاختباء عند قيام جيش العدو بهجوم كبير، وأخذ المبادرة ومطاردة العدو عند تشتته. وبالنسبة لماوتسي تونغ لا يمكن لحرب عصابات أن تنجح اذا لم يحظ المقاتلون بدعم الشعب الذي يمثل شريان حياة المحاربين. وهذا أمر لحظته قيادة حزب الله طوال فترة الاحتلال اذ كانت مؤسساتها الانسانية والاجتماعية تولي اهتماماً كبيراً ورعاية جيدة لأهالي جنوب لبنان وعائلات المقاومين والشهداء مما أمّن للمقاومة الاسلامية الدعم السياسي والاجتماعي والاقتصادي المطلوب للاستمرار.
اليوم وفي الذكرى الاولى للانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان، لا يزال رجال المقاومة الاسلامية يتابعون مسيرتهم لاتمام الانسحاب الاسرائيلي من مزارع شبعا، وقد أظهروا خلال هذه السنة قدرة على اختراق صفوف العدو والتوغل في عمق خطوطه الخلفية وضرب الأهداف بدقة والعودة بسلام لقواعدهم. الا ان الاوضاع السياسية تغيرت في المنطقة مع قدوم قيادات اميركية واسرائيلية جديدة ومع توسيع الحكومة الاسرائيلية لدائرة المواجهة لتشمل أهدافاً سورية داخل لبنان، مما بعث المحللين والمراقبين للتساؤل عن مدى تأثير هذه التطورات على عمليات حزب الله، لكن من تابع استراتيجية حزب الله وأسلوب عمله طوال السنين الفائتة يجد أن سر نجاحه كان في قدرته على مفاجأة الجميع، وخاصة "اسرائيل"، بشكل دائم برفضه الخضوع للتهديدات وقدرته على قلب المعادلات، فـ"اسرائيل" لا تزال ضعيفة داخلياً أمام عمليات الاستنزاف ولا تزال تحت أضواء الاعلام الدولي الذي يركز على "استعمالها المفرط للقوة" ضد الفلسطينيين في الداخل. ولا يبدو ان ضيق ساحة المواجهة المحدودة بمنطقة مزارع شبعا قد شكل عائقاً حتى الآن أمام رجال المقاومة باختيار أهداف جيدة وتحقيقها. ويقول مسؤول أمني غربي طلب عدم الكشف عن اسمه انه لو لم تكن مزارع شبعا ذات اهمية استراتيجية لارتباطها بخط الدفاع الاسرائيلي عن مرتفعات الجولان، لكانت القيادة العسكرية الاسرائيلية قد دعمت بعض مطالب السياسيين الاسرائيليين بالانسحاب منها. فالواقع هو ان "اسرائيل" تدرك ان معركتها في مزارع شبعا ستكون خاسرة كما كانت معركتها في جنوب لبنان.
(*) (كاتب في الشؤون الاستراتيجية)
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018