ارشيف من :أخبار لبنانية

من ذاكرة الانتصار/ مزارع شبعا: عنوان سيادة.. وأهمية استراتيجية

من ذاكرة الانتصار/ مزارع شبعا: عنوان سيادة.. وأهمية استراتيجية

لم يكتمل الانسحاب الصهيوني من جنوب لبنان في الخامس والعشرين من ايار/ مايو من العام الماضي، اذ بقيت هناك منطقة مزارع شبعا التي احتلها العدو على دفعات..

قضية هذه المزارع مثارة بقوة الآن مع استمرار المقاومة الاسلامية في جهادها من اجل تحرير الاراضي المحتلة كافة.

كيف بدأت القضية، وما هي أهمية هذه المزارع الاستراتيجية؟


قبل الدخول في عرض معلومات هامة مباشرة عن مزارع شبعا لا بد من توطئة خاطفة تبين المخطط الصهيوني اتجاه ضم اراضي الجنوب اللبناني الى الكيان الصهيوني.

ـ اوائل سنة 1924 وبناءً على اتفاق "حسن الجوار" بين الانتدابين البريطاني والفرنسي وتحت ضغط الحركة الصهيونية، تم ضم سهل الحولة ومساحته حوالى 100 الف دونم الى فلسطين بموافقة الانتداب الفرنسي.

ـ وبين عامي 1924 و1949 أجرت الحركة الصهيونية تعديلات أخرى على الحدود اللبنانية ـ الفلسطينية وتم اقتطاع قرى وأراض جديدة.

وخلال عامي 1948 و1949 طرد الكيان الصهيوني جميع اهالي هذه القرى. وخلال الاجتماعات التمهيدية لاتفاق الهدنة سنة 1949، تم ضم عدة مزارع الى الكيان الصهيوني تبلغ مساحتها حوالى 2000 دونم.

ـ خلال حرب حزيران/ يونيو 1967، احتل الجيش الاسرائيلي مزارع شبعا في سفوح جبل حرمون بمحاذاة الجولان السوري وشمال سهل الحولة.

ـ وبعد حرب 1967 احتل الكيان الصهيوني عدة نواح في منطقة العرقوب في القطاع الشرقي وهي: البحاصير، وادي الخنساء، رويسة بيت الداس، رويسة السماق والجل الاحمر، فضلاً عن قضم 200 دونم من حرج "مشهد الطير" تعود ملكيتها للأوقاف الاسلامية.

ـ خلال حرب تشرين/ اوكتوبر 1973، اقتطع العدو الصهيوني عدة نواح لبنانية من جبل الشيخ وهي: الشحل، بركة النقار، السواقي، جورة العليق وتلة سدانة. وفي سنة 1974 اقتطع العدو شريطاً من اراضي بلدة عيترون يبلغ طوله 3 كلم وعرضه يتراوح ما بين 100 و500 متر، واقتطع حوالى 500 دونم من اراضي البلدة نفسها اواخر عام 1980.

وفي سنة 1975 اقتطع العدو جبل الشميس، ومن هذا التاريخ حتى عام 1980، اقتطع حوالى 4 آلاف دونم من القرى التالية: علما الشعب، البطيشية، تلال الضهيرة، يارين، لوطية، مروحين، رامية، عيتا الشعب، رميش، يارون، مارون الراس، عيترون، بليدا، ميس الجبل، حولا، مركبا، عديسة وكفركلا.

وخلال اجتياح عام 1978 استولى على اماكن قرب نبع الجوز في شبعا وصولاً الى جبل الصوان المطل على شويا.

وفي نيسان/ابريل 1982 أدخل العدو ضمن الشريط الشائك اكثر من 1500 دونم من اراضي بلدة حولا.

ـ إثر اجتياح حزيران/ يونيو 1982 اقتطع الكيان الصهيوني آلاف الدونمات وشق عشرات الطرقات العسكرية وقام بسرقة مياه الجنوب وتربته.


مزارع شبعا

لا بد من التوضيح بداية ان بلدة شبعا هي محررة الآن وأما مزارع شبعا فهي التي ما زالت تحت الاحتلال الاسرائيلي. وهنالك شريط اسرائيلي قريب من بلدة شبعا تقع ضمنه المزارع المحتلة.

ويشار الى أن أغلبية اهالي شبعا كانوا يقيمون شتاءً في المزارع وصيفاً في بلدة شبعا نفسها. وهنالك قسم كان يقيم بشكل دائم في المزارع.

تقع مزارع شبعا على مثلث الحدود اللبنانية السورية الفلسطينية. يحدها شرقاً بانياس ومجدل شمس في الجولان السوري، ويحدها جنوباً سهل الحولة شمال فلسطين، ومن الشمال والغرب اراضي قرى: بلدة  شبعا نفسها والمجيدية وكفرشوبا وحلتا اللبنانية. تبلغ مساحتها حوالى 200 كلم2، وكان يسكنها حوالى 10 آلاف نسمة يعيشون على الزراعة وتربية المواشي، وأهم الزراعات: الزيتون، الحبوب، الخضار والفواكه. وهي تبلغ حوالى 15 مزرعة:

1 ـ "تل القاضي" على تخوم سهل الحولة الفلسطيني ويملك هذه المزرعة آل ماضي (من كبرى العائلات في شبعا). يجري في هذه المزرعة نهر اللدان الغزير الذي ينبع من قرية المغر وكانت تقوم عليه مطحنة يديرها المدعو محيي الدين نصيف (من شبعا). ويشتهر هذا التل بالمشمش والرمان.

2 ـ ونسير شمالاً فنصل بعد تل القاضي الى مزرعة "مغر شبعا" ومن مالكيها عائلات شبعا: ماضي وسرحان وفراشة والزغبي وعبد الهادي، يجري فيها نهر بانياس حيث يلتقي بنهر اللدان ونهر الحاصباني في سهل الحولة ويتشكل نهر واحد يصب في بحيرة الحولة.

وبين مزرعة المغر وبانياس يجري نهر العسل ومصدر مياهه من ينابيع جبل الشيخ ويروي اراضي المغر حيث كانت تزرع بالحبوب والخضار.

3 ـ مزرعة "خلة غزالة" شمال المغر ويملكها آل الخطيب، الحناوي وهاشم..

4 ـ مزرعة "القرن" ومن أصحابها: آل الحناوي وناصر.

5 ـ مزرعة "جورة العقارب" ومن أصحابها الشهيد شحادة احمد موسى الذي قتله الجيش الاسرائيلي داخل منزله عند احتلال المنطقة في 14 حزيران/ يونيو 1967.

6 ـ مزرعة "فشكول" يملكها آل خوندي وحمد وكانوا قد بنوا فيها منازل جيدة لأنهم يقيمون فيها صيفاً وشتاءً.

7 ـ مزرعة "قفوة" ويملكها آل صعب، هاشم، مركيز، الخطيب وماضي، زهرة، دلّة وعواد.

8 ـ زبدبين الفوقا: يملكها آل عبد الله، نصار، شريحي، تفاحة وسرحان..

9 ـ زبدين التحتا: لآل حمدان وغياض وكحلة والسعدي ونصيف ووهبة، ومما يذكر ان العدو الصهيوني أسكن في هاتين المزرعتين يهود الفالاشا القادمين من أثيوبيا عام 1985.

10 ـ مزرعة "الرمتا" من مالكيها آل نبعة وضاهر والخوري، وهي تقع على مرتفع استراتيجي يطل على مناطق واسعة من لبنان وفلسطين وسوريا. وقد أقام الصهاينة في هذه المنطقة مركزاً رئيسياً لقواتهم.

11 ـ مزارع "بيت البراق والربعة وبرختا وكفردورة" ومن مالكيها: آل السعدي ومنصور وحمودي وابراهيم حسن. وقرب هذه المزارع وسط الغابات يوجد مقام للنبي ابراهيم يسمى بمشهد الطير.

يُذكر ان كل الغابات المحيطة بهذا المقام تابعة لأوقاف شبعا الاسلامية.

12 ـ مزرعة "مراح الملول" ويملكها آل هاشم وصعب وهم اصحاب المواشي بأعداد كبيرة. وبعد ذلك تأتي اراضي "النقار" الخصبة التي تحاذي بلدة شبعا.

ونعود للتذكير بأن الكيان الصهيوني احتل هذه المزارع بأغلبيتها في حرب عام 1967 (التي لم يشترك فيها لبنان) وأكمل احتلالها بالكامل وخاصة طرد كل سكانها المتبقين فيها وخاصة المزارع: خلة الغزال، فشكول، وقسم من بسطرة في 12/4/1989.

ونصل الى بلدة شبعا نفسها (المحررة) لنشير الى بعض النقاط الهامة عنها:

تقع بلدة شبعا على السفوح الغربية لجبل الشيخ (او حرمون) على الحدود اللبنانية ـ السورية وعلى علو 1500م عن سطح البحر. وهي تابعة لقضاء حاصبيا وعدد سكانها حوالى 45 الف نسمة. وهي كبرى قرى ما يسمى منطقة العرقوب التي تشمل بالاضافة الى شبعا قرى: كفر شوبا، والهبارية وكفر حمام.

ولشبعا أهمية استراتيجية قد لا تكون معروفة لدى الكثيرين:

أ ـ موقعها الجغرافي، حيث من مرتفعاتها في جبل الشيخ يمكن الاشراف ورصد منطقة واسعة من الوطن العربي: من العراق حتى مصر، وخاصة مناطق الجولان السوري والجنوب اللبناني وشمال فلسطين والاردن. وقد بنى الاسرائيليون في جبل الشيخ اهم مرصد لهم للإنذار المبكر. وهم ما زالوا في هذا الموقع وغيره حتى الآن لارتباط ذلك بالاشراف على الجولان والشام والجنوب اللبناني والبقاع الغربي.

وهذا ما يدلل على الاهمية الاستراتيجية القصوى لهذا الموقع.

اذاً فمنطقة شبعا هي البوابة الجنوبية ـ الشرقية للبنان.. وموقعها على مفترق الحدود بين لبنان وسوريا وفلسطين يجعلها موضع صراع.

ب ـ اتساع رقعة الاراضي التي يملكها اهل شبعا التي تبلغ حوالى 200 كلم2 حيث تمتد من حاصبيا (على علو 450م) حتى جبل الشيخ على علو 2600م والى حدود البقاع الغربي في عين عطا. وهذه الاراضي غنية بثرواتها المتنوّعة.

وثروتها المائية ذات اهمية استراتيجية كبرى حيث تقع شبعا على خط المياه الجوفية الرئيسية لجبل الشيخ، انه ثاني اكبر خزان للمياه في الشرق الاوسط بعد خزان جبل صنين ، الارز.

وما هو متفجر وظاهر الآن هو: نبع عين الجوز ونبع المغارة اللذين يمدان المنطقة بأكملها حتى مرجعيون بالمياه.

وتنبع من جبل الشيخ ايضاً ينابيع بانياس والوزاني واللدان التي تشكل الروافد الرئيسية لنهر الاردن.

ج ـ انها منطقة سياحية من الدرجة الاولى. فهي مصيف رائع لجمالها ومناخها ومركز للتزلج شتاءً هذا بالاضافة الى عذوبة مياهها والى انواع الفواكه المميزة فيها.


اشكالات الحدود عند مثلث شبعا ومزارعها:

هنالك تعتيم بريطاني ـ صهيوني لإخفاء النقطة المشتركة لالتقاء الحدود بين لبنان وسوريا وفلسطين.

ومن المعروف ان ترسيم الحدود بعد انشاء لبنان الكبير عام 1920 جرى في عام 1923 بموجب اتفاقية "بوليه ـ نيوكمب".

هذا الخط يرسم الحدود بين لبنان وسوريا في الشرق على خط تقاسم المياه الممتد من بحيرة حمص شمالاً حتى بانياس جنوباً وهذا الخط يمر بقمة جبل عنتر (في جبل حرمون) وينزل الى ما يعرف بالنقطة 39 من خط بوليه ـ نيوكمب قرب جنوب بانياس.

وعلى هذا الاساس تكون مزارع شبعا (وطبعاً شبعا) ضمن الاراضي اللبنانية بكاملها.

ومما يجدر ذكره ان "اسرائيل" وسوريا تتصارعان للتواجد في هذه المنطقة التي تعتبر الخاصرة لكل منهما (وللبنان بالطبع).

ويشار الى أن هذه المنطقة كانت نقطة انطلاق وارتكاز المقاومة الفلسطينية بعد عام 1967 في عملياتها ضد الاحتلال الصهيوني.

موقف سوريا من الموضوع واضح ولا يحتاج الى تأويل، حيث صرّح مسؤولوها إبان الاندحار الاسرائيلي من لبنان في 25 ايار/ مايو الفائت بأن مزارع شبعا لبنانية وليس من خلاف مع لبنان حول هذا الموضوع.

تبقى النقطة الاساسية وهي ان ملكية اهل شبعا لمزارع شبعا لا غبار عليها فهي ثابتة وواضحة ويوجد الكثير من سندات الملكية المصدّقة من السلطات اللبنانية التي ما زالت بحوزة المالكين من أهالي شبعا. ومما يحسم هذا الموضوع انه لا يوجد شخص واحد يدّعي ملكية اي رقعة ارض من خارج شبعا، وهنالك مستندات اضافية كشهادات الميلاد ورخص البناء.

إن اثارة موضوع مزارع شبعا لا ينبغي ان تغيّب عن الاذهان، فهنالك اراض ومراكز هامة في خراج بلدة شبعا نفسها ما زالت محتلة من قبل العدو الصهيوني وهي واضحة تماماً انها من ضمن القرار 425 الذي ادعى العدو انه نفذه.

فهناك بشكل اساسي محطة الانذار المبكر في مرتفعات شبعا التي لا يزال الصهاينة يقومون بتحصينها وتسييجها (ربما بأسلاك تسطيع تحويل اتجاه صواريخ الكاتيوشا). وهذا مما يدل على نية قوات الاحتلال العدوانية وانها لا تنسحب من موقع الا حين تعجز عن حمايته.

هذا بالاشارة الى ان الشريط الشائك الموجود حالياً بمحاذاة بلدة شبعها قد ابتلع الكثير من اراضيها (خارج مزارع شبعا).

باختصار ان معركة لبنان الدبلوماسية الآن هي في اعادة تصحيح ترسيم الحدود وليس الاكتفاء بتصحيح تنفيذ القرار 425.

ان معركة استعادة مزارع شبعها وقمم جبل حرمون المطلة على شبعا هي معركة كل اللبنانيين. انها معركة وطنية، فهذه المناطق المحتلة من الوطن هي ارض مقدسة بالاضافة الى كونها ذات أهمية استراتيجية وكنز من المياه والثروات.

غازي خوندي

2009-05-24