ارشيف من :أخبار لبنانية

تقرير «دير شبيغل»: المصدر بيروت والهدف سلاح المقاومة

تقرير «دير شبيغل»: المصدر بيروت والهدف سلاح المقاومة

صحيفة "الاخبار" - ابراهيم الامين

عود على بدء!.
يبدو أن في لبنان وخارجه من لم يكتف من لعبة حافة الهاوية، وفي مناخ كشف شبكات كثيرة من العملاء وبين عناصرها من هم في مواقع حساسة ورفيعة المستوى، وسوف تظهر الاسماء قريباً، فإن السؤال حول من يدير ملف التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ليس مجرد غبي، بل هو يلامس حدود المواصفات التخريبية الي يتحلى بها العملاء، على الاقل بحسب ما ورد في اعترافات غالبيتهم.

ما نشرته مجلة «دير شبيغل» الالمانية أول من أمس عن وجود تقرير في ملفات التحقيق الدولي يشير الى ضلوع قوات خاصة من حزب الله في جريمة اغتيال الحريري، لم يكن وليد الأمس، ولا هو خرج الى العلن بسبب وصول تقرير من مصادر لاهاي الى صحافي ألماني تحوم الشكوك حول علاقاته اللبنانية والاسرائيلية والاستخبارية ولا سيما الالمانية، بل إن للملف حكايته، وله موقعه في سياق سياسي وأمني يعود الى خمس سنوات، وله تتمته التي يتوقع أن يظهرها الفريق المسؤول عن التسريب تباعاً، مستفيداً من تجربته الفاشلة في التسريب سابقاً، وذاهباً نحو الهدف ذاته: الفتنة وتحويل حزب الله الى منظمة إرهابية!

بعد وقت قصير على بدء ديتليف ميليس تحقيقاته في الجريمة في بيروت، وقبل توقيف الضباط الاربعة، سرت معلومات مصدرها لجنة التحقيق نفسها، وبعض الشهود الذين استمع إليهم في المونتيفردي، عن اسئلة مباشرة حول تركيبة القيادة الامنية والعسكرية لحزب الله، وحول قدرات الحزب في القيام بأعمال شبيهة. ثم تكرر الأمر بعد توقيف الضباط وسؤال بعضهم عن الامر من زاوية الاشارة الى أسماء قيادات غير معلومة نُسبت إليها أدوار في المهام الخاصة، ولكن مسار التحقيق كان يتركز على كيفية إدانة سوريا من خلال الضباط الاربعة، ومحاولة تحييد حزب الله من خلال الضغوط المباشرة عليه بأن أي محاولة منه لنصرة الضباط أو الدفاع عن سوريا سوف تكلفه حملة مباشرة على سلاح المقاومة. ولم يمض وقت طويل حتى جاء التحذير من أن موقف الحزب الرافض الاخذ بنتائج التحقيقات التي يقوم بها فريق التحقيق سوف يرفع سقف المواجهة معه الى حدود تناول السيد حسن نصر الله شخصياً. وهو الامر الذي بدأ سريعاً وتصدى النائب وليد جنبلاط لحملة «نزع القدسية عن نصر الله وعن سلاح المقاومة».

ومع أن الاستعدادات للحرب الاسرائيلية في تموز عام 2006 لم تكن تخلو من محاولة إقحام الحزب في ملفات عدة بينها ملف اغتيال الرئيس الحريري، فقد كانت البداية من خلال العمل على شبكة الاتصالات، وبات معروفاً لعدد ولو قليل من الاجهزة الامنية، أن فرع المعلومات في قوى الامن الداخلي، عمل على وضع خريطة لاتصالات قيل إنها كانت تعمل بطريقة لافتة وتثير الريبة، وقد حصل تواصل بين الفرع وقيادة حزب الله، ووُضّحت الكثير من النقاط التي بيّنت لفرع المعلومات أن هذه الاتصالات وهذه الهواتف كانت تعمل في نطاق متصل بعمل أمني يتصل بمكافحة التجسس الاسرائيلي، وحصل فرع المعلومات على ما يكفيه من توضيحات في هذا الشأن، لكن العمل استمر، وخلال العام الاخير، بدا أن هناك الكثير مما تبدل:

اولاً: فشل التحقيق اللبناني والدولي في التوصل الى نقاط تورّط الضباط الاربعة، ومع ذلك تقرر الاستمرار بتوقيفهم الى حين بروز لحظة سياسية وقضائية مناسبة.

ثانياً: فشل التحقيق اللبناني والدولي في التوصل الى نتائج تقود الى توريط سوريا على مستويات عدة في الجريمة، وخصوصاً بعدما تبيّن أن هناك فشلاً غير مسبوق في تركيب الأدلة وفي تركيب شهود الزور.

ثالثاً: إن فشل العدوان الاسرائيلي بمستوياته المختلفة لضرب حزب الله، وفشل محاولات الفصل بين سوريا وإيران وبين سوريا وبين حزب الله، واتجاه الامور في لبنان نحو مرحلة جديدة، خصوصاً بعد أحداث 7 أيار عام 2008، كل ذلك قاد الفريق المشرف على التحقيقات في لبنان وفي بعض الدوائر الاستخباراتية، الى البحث عن عنوان جديد.

وبحسب ما هو واضح، فإن لجنة التحقيق الدولية خلال عهد المدعي العام للمحكمة اليوم دانيال بلمار، تعمل على البحث عن خيوط جديدة، وفجأة ومن دون سابق إنذار، تلقى بلمار تقريراً أعدّه جهاز أمني لبناني يتضمّن معلومات عن شبكة اتصالات وعن أشخاص ينتمون بحسب التقرير الامني اللبناني الى حزب الله أو هم على صلة خاصة به. وحاول فريق سياسي لبناني، وفي التدقيق يتبيّن أنه نفسه الذي شكل «الغرفة السوداء» التي أدارت تلفيقات حول الضباط الاربعة وحول دور سوريا وإعداد شهود الزور، حاول هذا الفريق العمل على إطلاق تسريبات في صحف بيروت وفي صحف غربية، من «النهار» الى «لوموند» الى مواقع الكترونية، ركزت على أن حزب الله رفض طلب لجنة التحقيق الاستماع الى عدد من قيادييه، وصار هذا الفريق يتداول بأسماء حركية لأشخاص قالوا إنهم يشكلون قيادة سرية وتقوم بمهمات خاصة، وربما لا تقع تحت سيطرة قيادة «حزب الله»، وظلت الإشارات مستمرة حتى إنها طالت في فترة ما الشهيد عماد مغنية، وقال يومها وليد جنبلاط إن مغنية هو الذي يقود الحزب، وأعطى مئات الإشارات في مجالسه، كما فعل آخرون من قيادات في فريق 14 آذار بينهم قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع وإعلاميون من الفريق نفسه وصولاً الى السفير الناشط في خدمة الفريق المذكور جوني عبدو، فيما كان القادة الامنيون في فريق 14 آذار يعطون الاشارات المرفقة بابتسامات «خبيثة» عن وجود «شكوك في دور للحزب في الجريمة وفي جرائم الاغتيالات الاخرى».

ولم يكد يمر وقت طويل على هذه الانباء، حتى تكشف للجهات المعنية بتفاصيل هذا الملف، أن هناك من اتخذ قراراً بنقل المواجهة مع حزب الله الى المستوى الاخير، الذي يستهدف وضعه في خانة ربما تفسر بعض الامور:

اولاً: قرار مصر تحويل ملف توقيف احد كوادر المقاومة الذي كان يعمل على مد المقاومة في غزة بالاسلحة الى ملف ارهابي وأنه يستهدف القيام بانشطة ارهابية، ثم انطلقت حملة تشويه للحزب ولأمينه العام خاصة.

ثانياً: نشاط استخباري غربي في اوروبا وفي الولايات المتحدة عن ان بعض الاعمال الاجرامية (تجارة مخدرات في هولندا وتدريب مقاتلين على عمليات عسكرية في العراق وإيواء وتدريب جماعات انفصالية في المغرب وفي اليمن) والتركيز على أن حزب الله له بعده الاجرامي الذي لا يتصل بعمل المقاومة.
ثالثاً: التركيز على استعادة مشهد 7 أيار لناحية أن المقاومة باتت منظمة ارهابية، وأن زعيمها يتحمل المسؤولية الشخصية عن كل ما يجري ويترافق مع حملة اعلامية تقودها وتمولها جهات عربية وغربية تعمل بإمرة الولايات المتحدة.

رابعاً: اكتشاف نشاط امني غير عادي من جانب الاستخبارات الاسرائيلية للوصول الى تثبيت صورة المنظمة الارهابية في اذهان جهات سياسية رسمية وشعبية في الغرب وتحديداً في اوروبا، بالاضافة الى نشاط شبكات التجسس التي استهدفت في مكان ما الوصول الى الأمين العام لحزب الله مباشرة.
إلا أن كل ذلك لا يجيب عن الاسئلة الاساسية التي تقف خلف هذه المحاولة الجديدة ومنها:

هل ثمة أفق لمحاولة بشعة كهذه في الوصول الى أكثر مما وصلت إليه المحاولات السابقة إذا كان هدفها هو نفسه بتعطيل سلاح المقاومة إن تعذر نزعه؟
ألم يتلقّ المعنيون في إسرائيل والغرب الرسالة القوية التي بعث بها الحزب في 7 أيار عام 2008 بأنه مستعد لقلب الطاولة على الجميع متى تعرضت المقاومة لخطر جدي؟

أم هل ثمة استعداد وإعداد لحرب شاملة جديدة، تكون المناورات الاسرائيلية إحدى إشاراتها القوية، ويكون «الشريط البوليسي» لدير شبيغل، المعد في بيروت، مقدمتها الداخلية الهادفة الى خلق فتنة يعتقد العدو أنها باتت شرطاً ملازماً لأي حملة جديدة عسكرية وأمنية على المقاومة؟

يبدو أن هناك من لم يفهم، أو لا يريد أن يفهم، لكن من المفيد، على سبيل لفت الانتباه، تذكير أصحاب هذا المنطق بأن المقاومة في لبنان باتت في موقع قوة يتجاوز قدرة هؤلاء على التخيّل!


2009-05-25