ارشيف من :أخبار لبنانية

الإعلام الفرنسي يتبنّى تحقيق «دير شبيغل» والأميركيّون يتجاهلونه!

الإعلام الفرنسي يتبنّى تحقيق «دير شبيغل» والأميركيّون يتجاهلونه!

المحرر المحلي + صحيفة "الاخبار"


بين الإشارة والاتهام والتغييب تأرجح الخبر اللبناني في الإعلام الغربي، أمس. رواية «دير شبيغل»، بقلم الصحافي إريك فولاث، حضرت في الصحف والمحطات التلفزيونية العالمية، وها هو لبنان يقفز مجدّداً إلى الواجهة الإعلاميّة، والحدث كلمة واحدة بالحرف العريض: حزب الله.

مشهد غريب تقاسمته المؤسّسات الإعلامية الغربية في اليومين الماضيين: فبينما اجتاح الخبر اللبناني الإعلام الفرنسي المرئي والمكتوب، غاب ـــــ بطريقة مستغربة ـــــ عن الإعلام الأميركي والبريطاني المكتوب. نشرت «دير شبيغل» إذاً تحقيقها أول من أمس، فكيف قرأت «زميلاتها» الخبر؟ وكيف وظّفته؟
الإعلام الفرنسي بدا كـ«أم الصبي»، وقدّم الخبر اللبناني على منافسه الأكبر «حفل توزيع جوائز مهرجان كان السينمائي». النبرة الفرنسية اتهامية، والعناوين توحي أنّ قرار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان قد صدر، والمتّهم الأوّل بالضلوع في جريمة اغتيال الحريري هو حزب اللّه! هكذا برزت عناوين صحف «ليبراسيون» و«لو موند» و«لو فيغارو»، أمس، تباعاً على الشكل الآتي: «التحقيق قد يشير إلى حزب الله»، «اتهامات مقلقة بحق حزب الله»، و«التحقيق يتهم حزب الله». هكذا، بكل سهولة، تبنّت العناوين الفرنسية رواية المجلة الألمانية، وأطلقت الأحكام من دون استخدام أية صيغة تساؤليّة بشأن الموضوع. أما ما جاء في مقالات تلك الصحف، فخبر وكالة «فرانس برس»، أضيف إليه بعض ردود الفعل المحلية. لم تكلّف أيّ من هذه الصحف نفسها الاطلاع على محتوى مقال «دير شبيغل» بدقّة، ومقارنته بنتائج التحقيق الدولي، والكل ركّز على الانتخابات النيابية المقبلة، مع تذكير سريع بحدث إطلاق الضباط الأربعة أواخر الشهر الفائت. وحدها مجلة «لو نوفيل أوبسرفاتور» صاغت عنوانها، على موقعها الإلكتروني، بطريقة تساؤلية: «هل حزب الله هو المسؤول عن اغتيال الحريري؟».

التلفزيون الفرنسي لم يكن أقلّ حدّة، فركّزت كلّ من «تي أف 1» و«فرانس 2» و«أورو نيوز» على «حلبة الاتهام الجديدة في قضية الحريري: حزب الله». والمشترك بين أخبار جميع تلك القنوات هو قفزها بالزمن من 2005 مباشرة إلى 2009، وانتقائيتها للأحداث وتجاهلها لنتائج التحقيق الدولي. فقد أكدت مثلاً معظم التقارير التلفزيونية أنّه «لغاية اليوم كانت الأجهزة الأمنية السورية وحلفاؤها من اللبنانيين هم المشتبه فيهم بالضلوع في الجريمة»، ناسفة بذلك نتائج 11 تقريراً رسمياً صادراً عن لجنة التحقيق الدولية! بدوره، تماشى الإعلام الفرانكوفوني مع الموجة الفرنسية الجامحة، فلم تُبعد «فرانس 24» أصابع الاتهام عن حزب الله، إذ إنه «حليف سوريا التي اتهمت في الأصل بالاغتيال»، كما ورد في نشرتها الإخبارية. تقرير «فرانس 24» (باللغتين الفرنسية والعربية) لم يورد سوى رأي سمير فرنجية معلّقاً على الحدث، قائلاً «أنا متخوّف من التوتّر الذي قد يهدّد إجراء الانتخابات النيابية برمّتها».

الحماسة الفرنسيّة التي شابها التهوّر في بعض الأحيان، قوبلت بتجاهل أميركي تام للخبر في الصحف الأساسية. غاب أي ذكر لتقرير «دير شبيغل» عن «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«لوس أنجلس تايمز». الأمر مستغرب، لكون تلك الصحف كانت تواكب الخبر اللبناني بأدق تفاصيله وتفرد له مساحة على صفحاتها الأولى وتوليه أولوية في أخبارها العالمية. لكن هذه المرة، لا شيء، إذ شُغل محرّرو الخبر العاجل في تلك الصحف، إلى حين كتابة هذه السطور، بأخبار «جوائز كان» و«هبوط المركبة الفضائية أتلنتيس». فهل هو تغيّر في السياسة التحريرية الأميركية عموماً؟ أم أن «مهنية» تلك الصحف جعلتها تتروّى لتدقق أكثر في خبر منقول عن صحيفة ولا يستند إلى أية مصادر مكشوفة؟ وحدها «سي إن إن» لم تستطع تجاهل الخبر، فأوردت تقريراً عنوانه «حزب الله ينفي أي صلة له باغتيال الحريري»، رابطة الخبر بعمليات كشف العملاء الإسرائيليين الأخيرة في لبنان.

خبر «دير شبيغل» غاب أيضاً عن الصحف البريطانية («غارديان» و«تايمز»)، ولم يُشر إليه أبداً في إذاعة «بي بي سي». لكنّ موقع «بي بي سي» العربية أورد تقريراً يمكن أن يعدّ من أكثر التقارير مهنية عن خبر أول من أمس. «حزب الله ينفي تقريراً عن «ضلوعه في اغتيال الحريري»»، هكذا عنونت «بي بي سي» الناطقة بالعربية على موقعها الإلكتروني، وتضمن تقريرها عرضاً لبيان الحزب وتعليقاً لنواف الموسوي على الخبر، إضافة إلى أبرز ما جاء في تحقيق «دير شبيغل».


2009-05-25