ارشيف من :أخبار لبنانية

ريفي ينزل عن القمة الأمنية.. لكنه لن يختبئ في العتمة

ريفي ينزل عن القمة الأمنية.. لكنه لن يختبئ في العتمة
نبيل هيثم ـ "السفير"

في الأول من نيسان 2013، يتمّم اللواء أشرف ريفي التاسعة والخمسين من عمره، وهو السن الحكمي لتقاعد المدير العام لقوى الأمن الداخلي. في هذا اليوم سيُنزل ريفي النجوم عن كتفيه، وينتقل الى الحياة المدينة، تاركاً مركز المدير العام لقوى الامن الداخلي في عهدة الوكيل العميد روجيه سالم، لأقل من ثلاثة أشهر، أي لغاية 25 حزيران المقبل تاريخ إحالة سالم على التقاعد.

فاللواء ريفي الذي صعد إلى القمة الأمنية مع تعيينه على رأس مؤسسة قوى الأمن الداخلي في نيسان 2005، ينزل عنها، كما يقول، بكل هدوء وبلا ضجيج، وبكل احترام للقانون وللمؤسسة التي خبرها وخبرته في سرائها وضرائها على مدى ثماني سنوات.
لن يتوقّف دوران دولاب الحياة في الاول من نيسان، بل سيشكّل بالنسبة الى «العسكري المتقاعد» موعداً للدخول في مرحلة جديدة عنوانها الاستمرار والذهاب ليس باتجاه العتمة والانكفاء، بل باتجاه الضوء والعمل العام..

لا يغادر ريفي متأسفاً على موقع أخذ منه وأعطاه، ولكنه يغادر آسفاً على «الوسامين» اللذين يصفهما بـ«الأحبة»، أي وسام عيد ووسام الحسن، لا سيّما أنه شكّل مع الأخير ثنائياً وحققنا جملة إنجازات بدءاً بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، الى الشبكات الاسرائيلية والعملاء وصولاً إلى ميشال سماحة. لا شكّ في أنه بعد استشهاد الحسن خسر ريفي نصفه الثاني، وصب جهده لملء الفراغ الذي أحدثه، بالرغم من أنه لم يصل إلى هذا الهدف بعد.
قبل فترة، ومع دخول عدّاد العمر مرحلة العدّ التنازلي لبلوغه السن القانونية للتقاعد، فوتح من قبل بعض السياسيين بضرورة التمديد له على رأس مديرية قوى الامن، فكان جوابه: «أنا لن أطلب التمديد لنفسي على الإطلاق، ولكن إن حصل توافق سياسي على هذا الأمر، فلن أمانع أبداً بالإبقاء على تحمّل المسؤولية». كما أن الرئيس نجيب ميقاتي سمع هذا الكلام من ريفي بشكل مباشر وصريح، قبل أن يخرج ريفي نفسه من جيبه يوم الثلثاء الماضي ورقة مرسوم التمديد للواء رفيق الحسن أربع مرات في زمن الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

بعد اغتيال وسام الحسن، طلب سعد الحريري لقاءه في الرياض، وهناك أكد رئيس «تيار المستقبل» لريفي «أننا نريدك أن تستمر على رأس قوى الأمن الداخلي»، فردّ ريفي: «أنا لن اطلب ذلك، ولو عاد الأمر لي فأنا راغب في خلف غيري»، فأجاب الحريري: «نحن نريدك أن تبقى في منصبك. فبذهابك تخسر قوى الأمن ونخسر نحن موقع قوى الامن».

ثم أبلغ الحريري ريفي بأن اقتراح قانون معجل مكرر سيعدّ قريباً حول هذا الموضوع. ولكن اللافت للانتباه أن كلام الحريري هذا جاء في ذروة تصعيد «تيار المستقبل» ضد حكومة ميقاتي ومقاطعة اي عمل او نشاط تقوم به.
وحول الموضوع نفسه، تلقّى مدير عام «قوى الأمن» كلاماً مباشراً من ميقاتي وبعض المراجع الرئاسية الأخرى حول وجود توجه للتمديد له، إلا أن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن التمديد.. وفشلت آخر محاولة للتمديد في مجلس الوزراء، واستقالت الحكومة وها هو اشرف ريفي يغادر الاثنين في الأول من نيسان في احتفال وداعي بسيط سيقام في مديرية قوى الأمن.

لا يستطيع البعض ان ينفي ان ريفي استطاع خلال ولايته، أن يحافظ على قدر من النزاهة والفكر المؤسسي، وأنه أدار مؤسسة قوى الأمن بقبضة مشددة، متجاوزاً بعض «السقطات الضرورية» لشد عصبها وتعزيز قدراتها، مدعوماً من «الظهير الأيمن» وسام الحسن قبل ان يستشهد. وبعدها انتقلت «المديرية» من البعد الإجرائي والجنائي الى البعد الامني والسياسي، لتصعد الى مستوى عالٍ من الاهمية الامنية والموقعية والاستخبارية واللوجستية والقدراتية. كما أن «فرع المعلومات» الذي سبق لريفي نفسه أن ترأسه في عهد الرئيس رفيق الحريري، أصبح الجهاز الاول بلا أي منافس، تجهيزاً وعدداً واحتضاناً عربياً ودولياً.

كما لا ينفي البعض الدور والموقع اللذين احتلتهما مؤسسة قوى الامن في عهد ريفي، فأنتجا مؤيدين وأصدقاء وحلفاء ومصفقين من تيارات سياسية ومذهبية معينة، ولكن في المقابل خلقا الكثير من الخصوم والمشككين في هذه المؤسسة، وتحديداً بعصب المؤسسة، أي «المعلومات»، خاصة بعدما ثقل وزنه وحضوره وتنامت قدراته وإمكاناته التي تفوق الإمكانات المتوافرة عادةً من التمويل الآتي من الاطار الرسمي.

لا يستطيع أحد أن ينفي أن مؤسسة قوى الأمن تحولت الى طرف في الصراع الموجود في البلد، وحُسبت بقوة على طرف بعينه أي «تيار المستقبل»، ويذهب البعض أبعد من ذلك، لاتهام ريفي أنه اعتمد المؤسساتية مظهراً، والاستزلام السياسي واقعاً، ولكن ريفي لم ينف يوما ميله إلى «تيار الحريري»، ومن يعرفه يتيقّن من أنه ليس شخصية صدامية، بل هو شخصية توحي بالاعتدال وبالرزانة والرصانة، وبالرغبة في ان يكون مؤسسياً، محافظاً على بقاء الجسور قائمة حتى مع من يعادونه، او يناقضون توجّه قوى الامن او من يعتبرون انفسهم على خصومة معها.

واستطاع في سنوات ولايته الامنية ان يبني رصيداً شخصياً وسياسياً ومعنوياً، تجاوز المديرية وصولاً إلى ارض الشمال. هذا الرصيد يستطيع أن يصرفه في المرحلة المدنية ،إذا ما قرر أن ينقل حياته نقلة نوعية في اتجاه العمل السياسي؟
يبقى أن خروج ريفي بعد اسبوع من مديرية قوى الامن الداخلي يشكل خسارة كبرى لـ«المستقبل» و«14 آذار»، لكونه لا يفقد فقط الذراع الامني الذي استند عليه على مدى ثماني سنوات، بل يفقد إحدى اهم وابرز الرمزيات المتبقية له داخل الدولة، بعدما تم إخراجه من دائرة القرار إثر «إقالة» سعد الحريري من الحكومة.

لا يخسر الحريري وفريقه السياسي بخروج ريفي بل كل المنظومة الأمنية الاقليمية والدولية التي كان هذا الجهاز يستمدّ قوته منها، والا ما معنى أن يقدّم الفرنسيون طلباً وحيداً للحكومة الميقاتية: التمديد لأشرف ريفي، وان يقول فرانسوا هولاند لميقاتي أمام الإليزيه: «اهتم بأشرف ريفي».
2013-03-25