ارشيف من :أخبار لبنانية
إسـرائيـل تـروّج لـروايـة ألمـانـيـة (لبـنانـيـة) تـتـهم «حـزب الـلـه» باغتـيال الحريـري
صحيفة "السفير- المحرر السياسي
من تولى «فبركة» ما قامت مجلة «دير شبيغل» الألمانية بنشره من اتهامات ضد «حزب الله» في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري؟
إذا تمت الإجابة على هذا السؤال، فإن من شأن ذلك أن يوفر الكثير من عناء الأسئلة والأجوبة، وخاصة سؤال «الفتنة الكبرى» الذي يطل هذه المرة، عبر اتهام المقاومة بارتكاب جريمة بحيث لا يمكن أن يكون المستفيد من اتهام كهذا سوى إسرائيل صاحبة المصلحة في جر لبنان ومقاومته إلى أتون الحرب الأهلية.
من المؤكد أن تقرير «دير شبيغل» لم يكن مفاجئاً للمقاومة و«حزب الله»، ذلك أنه بالتزامن مع أول الإشارات حول براءة الضباط الأربعة، قبل أكثر من شهر، كانت بعض المطابخ السياسية والأمنية في الداخل والخارج تروج، لما نشرته «دير شبيغل» ولو بمضمون مختلف جزئياً، ولكنها تخلص إلى الاستنتاجات نفســها؟
ولعل ردات الفعل الأولى، لبنانياً، قد احتوت الى حد كبير، الأهداف الاسرائيلية التي عبّر عنها عنها الإسرائيليون أنفسهم، سياسياً وإعلامياً، ولو أنه كان مطلوباً من «تيار المستقبل» وزعيمه سعد الحريري ومن رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، أن يحذوا حذو رئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنبلاط في التحذير من الفتنة والاشارة الى الأصابع الإسرائيلية التي تقف وراء هذا التسريب توقيتاً ومضموناً.
واذا كان البعض قد حاول وضع التسريب في خانة الصراع الانتخابي ومحاولة تشويه سمعة «حزب الله» بوصفه العمود الفقري للمعارضة، وبالتالي، وضعه في موقع المتهم، بعدما سقط «الاستثمار السوري» طيلة أربع سنوات، مع إطلاق سراح الضباط الأربعة وتبرئتهم، فإن فريق الرابع عشر من آذار، يدرك أن محاولة كهذه لـ«استثمار» تقرير «ديرشبيغل» قد تودي بالانتخابات لا بل تشعل البلد بالفتنة المذهبية المدمرة، وهذه هي الورقة الأخيرة التي يحاول أعداء لبنان، استخدامها للقضاء على المقاومة بعدما عجزوا عن مواجهتها سياسياً وعسكرياً.
وقد لا يختلف اثنان في لبنان، على عدم مصداقية تقرير الصحيفة الألمانية، ولكن لا بد من التوكيد على السؤال الأول، من فبرك «التقرير»؟ هل كانت اسرائيل هي مصدر «التسريبة الأولى»؟ وهل هناك جهة محلية ساعدت كما تمت من قبل فبركة شهود زور أمثال محمد زهير الصديق؟ وهل هناك شركاء يتقنون «اللغة العربية» جيداً خارج لبنان؟
السؤال التالي، هو سؤال التوقيت، لماذا الآن وفي خضم عملية كشف الشبكات الإسرائيلية في لبنان وما قد تحمله من مفاجآت على صعيد التحقيقات، وهل هناك محاولة للتعويض أو التعمية، واذا كانت البصمات الإسرائيلية واضحة لماذا ساهم بعض الإعلام العربي، ومن لون سياسي معين، في الترويج سريعاً لما نشرته المجلة الألمانية؟
وفي التوقيت أيضاً، لماذا التسريب الآن وليس قبل إطلاق سراح الضباط الأربعة؟ لماذا الآن وليس بعد الانتخابات النيابية؟ لماذا الآن في خضم ذهاب اللبنانيين نحو انتخابات هادئة وفي ظل مناخات توافقية تحت سقف اتفاق الدوحة؟ وهل هناك من يريد أن يطيح بالانتخابات موعداً ونتائج، بعدما استشعر أنها متجهة نحو نتيجة لن تكون في مصلحته نهائياً؟ هل هناك من يريد إعادة شد عصب جمهوره ومن قال إن عصب الجمهور يحتاج الى شد أكثر مما هو مشدود؟
لماذا الآن وفي هذا التوقيت الإقليمي، وبالتزامن مع وصول الحكومة الصهيونية الجديدة التي سارعت الى تلقف تقرير «ديرشبيغل» وللمطالبة من خلاله بتوقيف واعتقال السيد حسن نصرالله؟
لماذا الآن، وفي ظل الحائط المسدود، على صعيد عملية السلام، بالرغم من المقويات من هنا وهناك، وهل يكون لبنان ساحة تمويه لشيء ما يخطط للمنطقة؟ وما علاقة ذلك بالمناورات العسكرية التي ستقوم بها إسرائيل ولماذا الزج باسم إيران، بعد الوصول الى حائط مسدود في توجيه الاتهام ضد سوريا، وهل هناك من يحاول أن يعزز أوراقه التفاوضية، تماماً كما يريد الأميركيون من فوز جهات لبنانية في الانتخابات أن يكون سنداً لهم في تفاوضهم المقبل مع دمشق وطهران؟
لماذا الآن، وهل هناك من يريد أن يزج لبنان في «لعبة الأمم» كما قال النائب وليد جنبلاط؟ وهل يشك أحد من اللبنانيين أن لعبة من هذا النوع، وفتنة من هذا الصنف، لا تعني الا أمراً واحداً وهو القضاء على لبنان، فلا تبقي ولا تذر منه، لا معارضة ولا موالاة ولا مسلمين ولا مسيحيين؟
إنها أسئلة أولية ليس إلا... ولعله صار محقاً سؤال يهمس به كثيرون عما اذا كانت هناك جهات، خارجية وداخلية، تريد فعلاً الإطاحة بالانتخابات النيابية؟
المحكمة الدولية
بعد نحو أربع وعشرين ساعة، على ما نشرته مجلة «دير شبيغل»، نفت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وعلى طريقتها، ما نشر في المجلة الألمانية وأوضحت الناطقة الرسمية باسم المحكمة سوزان خان ان المحكمة لا تعرف من اين جاءت المجلة بمعلوماتها. وقالت لوكالة «فرانس برس»: لا نعرف من اين جاؤوا بهذه القصة، ومكتب المدعي العام لا يصدر أي تعليق على القضايا المتعلقة بالجوانب العملانية للتحقيق.
وأصدر مكتب المدعي العام في المحكمة الخاصة بلبنان القاضي دانيال بيلمار بياناً أوضح فيه انّ رأي المدعي العام بيلمار كان وسيظلّ يعول أهمية كبرى على دعم وحدة التحقيق، خصوصاً عنصر السرية فيه. واستناداً إلى هذه السرية، فإنّ مكتب المدعي العام لن يعلّق كمبدأ أساسي لديه، على الأوجه التنفيذية في التحقيق الذي لا يزال جارياً.
وأوضح البيان انه منذ تولي بيلمار منصبه كمدع عام في المحكمة، لم يكن يجيب على الشائعات والمزاعم التي تطلق عبر الإعلام، وشدد على أن المعلومة الوحيدة ذات المصداقية حول التحقيق، يوفرها بيلمار نفسه، أو عبر الناطقة باسمه راضية عاشوري.
وأكد البيان ان مكتب المدعي العام يعمل وفق أعلى المعايير الأخلاقية والعملية التي تستند إلى الأدلة وهي تكون موضوعية ومحايدة ونزيهة ولا تترك أيّ مجال للأحكام المسبقة.
جنبلاط: بوسطة عين الرمانة ـ2
وفي ردود الفعل اللبنانية، قال النائب وليد جنبلاط لـ«السفير» ان ما ورد في «ديرشبيغل» هو شبيه في وظيفته ببوسطة عين الرمانة، وقد يكون أخطر منها. وأضاف: بوسطة عين الرمانة كانت الشرارة التي أطلقت حربا أهلية، تبين لاحقاً أن بين اهدافها الأساسية تمرير اتفاق كمب ديفيد، وكانت كل جولة تفاوض بين مصر وإسرائيل تواكبها جولة دم داخلية لإلهاء اللبنانيين.
وتابع: اليوم، أفق التسوية يبدو مسدوداً بالكامل، وإسرائيل تريد ان تستخدم لبنان مجددًا كورقة إلهاء لتمرير الاعتراف بالدولة اليهودية بعد إتمام «الترانسفير» وتهجير الفلسطينيين وبالتالي إثارة الفوضى في شرق الأردن وغيره.
ودعا جنبلاط الى عدم الوقوع في فخ «الفتنة الكبرى»، معتبراً أن البصمات الإسرائيلية تكمن خلف ما نشرته «ديرشبيغل وخصوصاً أن اللوبي الصهيوني يملك نفوذاً واسعاً على حيز من الصحافة الالمانية، ولفت الانتباه ان السيناريو الذي سربته المجلة الالمانية والمفبرك إسرائيلياً يهدف ايضاً الى التغطية على اكتشاف شبكات التجسس في لبنان، وطالب بحركة داخلية من نوع آخر لتدارك الأخطار المستجدة، وقال إن الجميع مستغرق في الانتخابات هذه الايام، ولكن قد تصبح الانتخابات ثانوية إزاء خطورة ما يحدث.
وحذر جنبلاط من ان يُقدم أي فريق لبناني على استغلال الخبر المنشور في «ديرشبيغل»، مؤكداً انه يدين أي استغلال من أي طرف أتى.
وكان جنبلاط قد حذر خلال استقباله النائب سعد الحريري في المختارة «من لعبة الامم، بعضها على الأقل التي قد تريد لا سمح الله تحريف العدالة».
«حزب الله»: تلفيقات شريرة
وأصدر «حزب الله» بياناً اعتبر فيه ان الاتهامات التي وجهت اليه من قبل «ديرشبيغل» الالمانية، «ليست إلا فبركات بوليسية تصنعها الغرفة السوداء ذاتها، التي دأبت على مدى اربع سنوات على فبركة روايات مشابهة تتعلق بالسوريين والضباط الأربعة وغير ذلك». وأشار الحزب الى ان نشر هذه المقالة في «ديرشبيغل» والترويج لها من قبل قناة «العربية» المعروفة بمواقفها هو امر مشبوه لناحيتين: التأثير على الأجواء الانتخابية في لبنان، والتغطية على اخبار وعمليات اعتقال الشبكات التجسسية الإسرائيلية.
ورأى الحزب ان نشر هذه الاتهامات ونسبها الى مصادر مقربة من المحكمة الدولية يمس بصدقية المحكمة وسلامة عملها ويوجب عليها التصرف بحزم ووضوح تجاه ناشري هذه التلفيقات الشريرة. وخلص الحزب الى وضع هذه المقالة وتوظيفاتها في اطار الحملة المدروسة والسوداء التي تعتمدها جهات معروفة من اجل النيل من موقع «حزب الله» ودوره ومكانته.
بري: «صُنع في إسرائيل»
واعتبر الرئيس نبيه بري، من حارة صيدا، ان الدس الذي أقدمت عليه «دير شبيغل» ليس إلا محاولة جديدة لاستنبات الفتنة بين اللبنانيين، لا تنطلي على أحد، «وأضم صوتي الى صوت وليد جنبلاط للتنبيه والحذر من هذه الفتنة»، مشيراً الى إنها فبركة إعلامية لا ينقصها سوى دمغة «صنع في اسرائيل» لتمرير المناورات على الحدود ودورها الواضح في تهريب شبكة جواسيسها بعد كشفهم».
السنيورة: نثق بالمحكمة
ورفض رئيس الحكومة فؤاد السنيورة التعليق على ما نشرته «ديرشبيغل». وقال لـ«العربية»: نحن لا نعلق على كلام يصدر في الصحف. لقد اولينا المسؤولية والثقة الى المحكمة ونحن لا نتدخل في شؤونها. نحن نريد العدالة ولا نعطي وزناً لأي شائعات او لأي كلام يقال هنا وهناك.
المعلم: اتهامات مسيسة
واعتبر وزير الخارجية السوري وليد المعلم ان اتهامات المجلة الالمانية «مسيسة ومن يتهم عليه أن يأتي بالبرهان والبيّنة، وإلا فإن هذا كلام مسيّس يذكرنا بما فعله (ديتليف) ميليس».
إسرائيل تدعو لاعتقال نصر الله
وسارعت إسرائيل الى تلقف الخبر الوارد في «ديرشبيغل» واستثماره سياسياً، فدعا وزير خارجيتها افيغدور ليبرمان الى إصدار أمر اعتقال دولي ضد نصرالله ومحاكمته، «وإلا فإنه ينبغي اعتقاله بالقوة»، معتبراً ان البيان حول ضلوع نصرالله بقتل رفيق الحريري «يجب ان يشعل ضوءاً أحمر لدى المجتمع الدولي الذي عليه ان يدرك مع من يتعامل».
وأمل وزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك ان يستخلص مواطنو لبنان العبر من تقرير «دير شبيغل»، مشيراً الى ان قرار المحكمة الدولية باعتبار «حزب الله» مسؤولاً، على ما يبدو، عن قتل رئيس حكومة لبنان الأسبق يدل مجدداً على طبيعة ووظيفة «حزب الله»، ليس فقط في ما يتعلق بمحاربتنا وإنما أيضاً محاربته ضد عقلانية لبنان. وتابع: مثلما رأينا في مصر، فإن «حزب الله» يعمل ضد حكم أنظمة شرعية أخرى وهذا دليل آخر على انه ذراع للإيرانيين وعامل سلبي.
وعنونت «يديعوت احرونوت» مقالة في صفحتها الأولى بعنوان «نصرالله مسؤول عن الاغتيال». أما «معاريف» فاختارت عناوين من قبيل: «تقرير سري للأمم المتحدة: حزب الله اغتال الحريري» و«القاتل: حزب الله». وعنونت «هآرتس» تقريرها على الصفحة الأولى بـ«تقرير: حزب الله يقف خلف تصفية رفيق الحريري». أما صحيفة «اسرائيل اليوم» فاختارت العنوان الآتي «تحقيقات الامم المتحدة: نصرالله قتل الحريري».
وعلى سبيل المثال كتب الداد باك في «يديعوت» أنه «بعد اسبوعين يفترض ان تجرى الانتخابات في لبنان، والتقدير هو ان لحزب الله فرصاً طيبة للانتصار. وتوقيت الكشف من جانب «ديرشبيغل» كفيل بأن يكون له تأثير هام على الانتخابات، ومن غير المستبعد ان يكون التسريب المغطى إعلامياً هو نتيجة رغبة جهة تعارض نصرالله في إضعاف قوته. ومع ذلك، فيحتمل جداً ان تكون العاصفة السياسية في لبنان من شأنها بالذات ان تلعب في صالح حزب الله».
وقال المعلق العسكري للقناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي ألون بن دافيد أنه «إذا كان جهاز استخبارات أجنبي قد أفلح في غرس هذه المعلومة في «ديرشبيغل» فإنني أعتقد أن اختيار التوقيت يعتبر عملاً لامعاً لجهة الضرر الذي يلحقه بـ«حزب الله».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018