ارشيف من :أخبار لبنانية
في ظلّ الحكومة المستقيلة: ينعقد المجلس ... لا ينعقد
نقولا ناصيف - صحيفة الاخبار
لا تكتفي استقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بتعليق السلطة الإجرائية فحسب، بل تُدخل مجلس النواب في إجازة طويلة. المانع سياسي وليس دستورياً إلا إذا طال الانتظار إلى ما بعد أيار، فيُدعى إلى تمديد ولايته. لا يمنح الدستور البرلمان امتياز الحكومة: تصريف الأعمال
إلى أن تبصر حكومة جديدة النور، يقتضي انتظار وقت طويل تتولى خلاله حكومة الرئيس نجيب ميقاتي تصريف الأعمال. في السنوات الأخيرة، درج عمر تصريف الأعمال إلى حدّ يقترب من عمر الحكومات نفسها. وكان مألوفاً الاعتقاد في حقبة ما قبل الحرب أن حكومات العهود المتعاقبة لا تعمّر طويلاً.
صرّف الرئيس فؤاد السنيورة أعمال حكومته الأولى 44 يوماً، قبل أن يتمكن من تأليف الحكومة الثانية عام 2008، وصرّف مجدداً أعمال حكومته الثانية 135 يوماً قبل أن يتمكن الرئيس سعد الحريري من تأليف حكومته عام 2010، وصرّف الحريري أعمال حكومته 139 يوماً قبل أن يتمكن ميقاتي من تأليف حكومته عام 2011. وقد يكون عليه تصريف أعمال حكومته المستقيلة مدة مماثلة، أو ربما أكثر، قبل أن يؤلف هو ـــ أو خلفه عندما يُقيّض له ذلك ـــ آخر حكومات عهد الرئيس ميشال سليمان.
عندما أُسقِطت حكومة الحريري مطلع عام 2011 أثير جدل سياسي ودستوري حيال التئام مجلس النواب في ظلّ حكومة تصريف أعمال، وتناقضت الآراء والاجتهادات بين قائل يجيزه وآخر ينكره. إلا أن المجلس لم يحتج كي يلتئم، ولا قبل ذلك في فترة تصريف الحكومة الثانية للسنيورة الأعمال. لم ينعقد أيضاً بين كانون الأول 2006 وأيار 2008 بسبب الطعن في دستورية حكومة 2005 بعد استقالة الوزراء الشيعة منها. لم تكن حكومة تصريف أعمال، وظلّت تعمل بلا طائل في السرايا من غير أن تبلغ أبواب مجلس النواب.
بيد أن سابقة لا تشبه هذه أو تلك، وقعت في 7 أيار 1973 حينما اجتمعت حكومة الرئيس أمين الحافظ برئاسة الرئيس سليمان فرنجية واتخذت بالإجماع ـــ في ليلة سمّاها الرئيس «ليلة الصواريخ» ـــ قراراً خطيراً ونادراً في لبنان هو إعلان حال الطوارئ في البلاد، قبل أن تمثل أمام مجلس النواب وتنال الثقة. بعد ذلك اجتمع مجلس الوزراء أكثر من مرة. وعندما دُعيت حكومة الحافظ إلى جلسة الثقة في 12 حزيران، غاب 16 نائباً سنّياً من 20 أبرزهم الرئيسان صائب سلام ورشيد كرامي بسبب معارضتهم إيّاها.
اكتمل نصاب الجلسة ولم تلتئم للسبب نفسه. أول المحرّضين كان الرئيس كميل شمعون كي لا تُمنح الحكومة ثقة برلمانية تحجبها عن رئيسها طائفته. سأل العميد ريمون إده عن وزرائها السنّة الذين غابوا عن الجلسة (نزيه البزري وبهيج طبّارة وزكريا النصولي). بعد يومين، في 14 حزيران، استقالت.
كذلك سئل الحافظ عام 1973 عن الوزراء السنّة فاستقال، سئل السنيورة عام 2006 عن الوزراء الشيعة فتمسّك بالحكومة. وكان رئيس المجلس نبيه برّي سيُسأل السؤال نفسه عن النواب السنّة عندما يدعو المجلس إلى الانعقاد لإقرار اقتراح اللقاء الأرثوذكسي بعدما أخبره ميقاتي ـــ أسابيع قبل استقالته ـــ أنه لن يحضر الجلسة. الآن لم يعد في الأكثرية الوهمية الحالية لقوى 8 آذار نائب سنّي سوى قاسم هاشم.
قد يصحّ القول مرة بعد أخرى: ما أشبه اليوم بالبارحة.
لا مجلس النواب قادر على الاجتماع للخوض في قانون جديد للانتخاب لأن طائفة أو أكثر ستغيب، السنّة والدروز عن اقتراح اللقاء الأرثوذكسي والشيعة عن اقتراح القانون المختلط، ولا هو قادر على إنقاذ قانون 2008 تمهيداً لإجراء انتخابات 2013 وفق أحكامه، ولا حكومة حاضرة للإشراف عليها بعدما أطاحها القانون وشلّ السلطة الإجرائية وعطّل دور رئيس الجمهورية، ولا البرلمان مستعجل الآن تمديد ولايته.
لكن، هل يسع مجلس النواب الاجتماع إذا لم يجبهه مانع سياسي؟
في 3 أيار 1988، كتب الرئيس السابق للمجلس السيّد حسين الحسيني الى العلامة إدمون رباط يسأله استشارة دستورية في جواز انعقاد مجلس النواب لممارسة صلاحياته الاشتراعية في ظل حكومة تصريف أعمال وفي ضوء جدل كان قد بدأ قبل سنة، على أثر اغتيال الرئيس رشيد كرامي في أول حزيران 1987، وكان قبل شهر ـــ في أول أيار ـــ قد أعلن استقالة حكومته أمام اللبنانيين من دون أن يتقدّم بها خطياً إلى رئيس الجمهورية أمين الجميّل بسبب مقاطعة تبادلها حينذاك أركان الحكم.
على أثر الاغتيال، صدر مرسوم غير مألوف في الحياة الدستورية اللبنانية قضى بتعيين رئيس للحكومة المستقيلة بالوكالة يتولى تصريف أعمالها إلى حين تأليف حكومة جديدة، بعدما رفض الفريق المناوئ للجميّل ـــ وسوريا أولاً بأول ـــ قبول الاستقالة وأصرّ على تعويمها. إلا أن مجلس النواب استمر يعقد جلسات عامة ويقر قوانين في ظلّ حكومة تصريف أعمال يحضر رئيسها بالوكالة سليم الحص عن رئيس قضى اغتيالاً. فإذا الوكالة عن ميت.
أخذ المجلس آنذاك بحجة أن التشريع من صلاحياته الدستورية. وسرعان ما دار جدل حول قانونية التئامه ودستورية قوانينه. تسلّح الحسيني أيضاً بسابقة انعقاد مجلس النواب في جلسة عامة سنة 1969 صوّت خلالها على مشروع قانون الموازنة في ظلّ حكومة مستقيلة تصرّف الأعمال. للمفارقة أن رئيسها هو كرامي نفسه، يقود أزمة حكومية استمرت من 23 نيسان حتى 6 كانون الأول عامذاك، انتهت بالتصويت على اتفاق القاهرة.
كانت خلاصة ردّ ربّاط في 15 أيار 1988 الآتي: «(...) ما دامت السلطة الاشتراعية قادرة على ممارسة وظائفها الدستورية وبخاصة في حقل الاشتراع، وإن لم يكن بمقدورها في الوقت الحاضر ممارسة وظيفتها البرلمانية الأخرى التي لا تقل خطورة وشأناً عن ممارستها سلطتها الاشتراعية، ألا وهي إجراء الرقابة على تصرّفات السلطة التنفيذية ومناقشة السياسة التي تتبعها، فلم يكن ذلك إلا بحكم قوة قاهرة لا تحول على كل حال دون ممارسة المجلس النيابي سلطته الاشتراعية كاملة، الأمر الذي يجعل تالياً كل أعماله الاشتراعية سليمة ليس فيها أي شائبة، ولا يمكن أن يطاولها أي نقض أو اعتراض».
لا تكتفي استقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بتعليق السلطة الإجرائية فحسب، بل تُدخل مجلس النواب في إجازة طويلة. المانع سياسي وليس دستورياً إلا إذا طال الانتظار إلى ما بعد أيار، فيُدعى إلى تمديد ولايته. لا يمنح الدستور البرلمان امتياز الحكومة: تصريف الأعمال
إلى أن تبصر حكومة جديدة النور، يقتضي انتظار وقت طويل تتولى خلاله حكومة الرئيس نجيب ميقاتي تصريف الأعمال. في السنوات الأخيرة، درج عمر تصريف الأعمال إلى حدّ يقترب من عمر الحكومات نفسها. وكان مألوفاً الاعتقاد في حقبة ما قبل الحرب أن حكومات العهود المتعاقبة لا تعمّر طويلاً.
صرّف الرئيس فؤاد السنيورة أعمال حكومته الأولى 44 يوماً، قبل أن يتمكن من تأليف الحكومة الثانية عام 2008، وصرّف مجدداً أعمال حكومته الثانية 135 يوماً قبل أن يتمكن الرئيس سعد الحريري من تأليف حكومته عام 2010، وصرّف الحريري أعمال حكومته 139 يوماً قبل أن يتمكن ميقاتي من تأليف حكومته عام 2011. وقد يكون عليه تصريف أعمال حكومته المستقيلة مدة مماثلة، أو ربما أكثر، قبل أن يؤلف هو ـــ أو خلفه عندما يُقيّض له ذلك ـــ آخر حكومات عهد الرئيس ميشال سليمان.
عندما أُسقِطت حكومة الحريري مطلع عام 2011 أثير جدل سياسي ودستوري حيال التئام مجلس النواب في ظلّ حكومة تصريف أعمال، وتناقضت الآراء والاجتهادات بين قائل يجيزه وآخر ينكره. إلا أن المجلس لم يحتج كي يلتئم، ولا قبل ذلك في فترة تصريف الحكومة الثانية للسنيورة الأعمال. لم ينعقد أيضاً بين كانون الأول 2006 وأيار 2008 بسبب الطعن في دستورية حكومة 2005 بعد استقالة الوزراء الشيعة منها. لم تكن حكومة تصريف أعمال، وظلّت تعمل بلا طائل في السرايا من غير أن تبلغ أبواب مجلس النواب.
بيد أن سابقة لا تشبه هذه أو تلك، وقعت في 7 أيار 1973 حينما اجتمعت حكومة الرئيس أمين الحافظ برئاسة الرئيس سليمان فرنجية واتخذت بالإجماع ـــ في ليلة سمّاها الرئيس «ليلة الصواريخ» ـــ قراراً خطيراً ونادراً في لبنان هو إعلان حال الطوارئ في البلاد، قبل أن تمثل أمام مجلس النواب وتنال الثقة. بعد ذلك اجتمع مجلس الوزراء أكثر من مرة. وعندما دُعيت حكومة الحافظ إلى جلسة الثقة في 12 حزيران، غاب 16 نائباً سنّياً من 20 أبرزهم الرئيسان صائب سلام ورشيد كرامي بسبب معارضتهم إيّاها.
اكتمل نصاب الجلسة ولم تلتئم للسبب نفسه. أول المحرّضين كان الرئيس كميل شمعون كي لا تُمنح الحكومة ثقة برلمانية تحجبها عن رئيسها طائفته. سأل العميد ريمون إده عن وزرائها السنّة الذين غابوا عن الجلسة (نزيه البزري وبهيج طبّارة وزكريا النصولي). بعد يومين، في 14 حزيران، استقالت.
كذلك سئل الحافظ عام 1973 عن الوزراء السنّة فاستقال، سئل السنيورة عام 2006 عن الوزراء الشيعة فتمسّك بالحكومة. وكان رئيس المجلس نبيه برّي سيُسأل السؤال نفسه عن النواب السنّة عندما يدعو المجلس إلى الانعقاد لإقرار اقتراح اللقاء الأرثوذكسي بعدما أخبره ميقاتي ـــ أسابيع قبل استقالته ـــ أنه لن يحضر الجلسة. الآن لم يعد في الأكثرية الوهمية الحالية لقوى 8 آذار نائب سنّي سوى قاسم هاشم.
قد يصحّ القول مرة بعد أخرى: ما أشبه اليوم بالبارحة.
لا مجلس النواب قادر على الاجتماع للخوض في قانون جديد للانتخاب لأن طائفة أو أكثر ستغيب، السنّة والدروز عن اقتراح اللقاء الأرثوذكسي والشيعة عن اقتراح القانون المختلط، ولا هو قادر على إنقاذ قانون 2008 تمهيداً لإجراء انتخابات 2013 وفق أحكامه، ولا حكومة حاضرة للإشراف عليها بعدما أطاحها القانون وشلّ السلطة الإجرائية وعطّل دور رئيس الجمهورية، ولا البرلمان مستعجل الآن تمديد ولايته.
لكن، هل يسع مجلس النواب الاجتماع إذا لم يجبهه مانع سياسي؟
في 3 أيار 1988، كتب الرئيس السابق للمجلس السيّد حسين الحسيني الى العلامة إدمون رباط يسأله استشارة دستورية في جواز انعقاد مجلس النواب لممارسة صلاحياته الاشتراعية في ظل حكومة تصريف أعمال وفي ضوء جدل كان قد بدأ قبل سنة، على أثر اغتيال الرئيس رشيد كرامي في أول حزيران 1987، وكان قبل شهر ـــ في أول أيار ـــ قد أعلن استقالة حكومته أمام اللبنانيين من دون أن يتقدّم بها خطياً إلى رئيس الجمهورية أمين الجميّل بسبب مقاطعة تبادلها حينذاك أركان الحكم.
على أثر الاغتيال، صدر مرسوم غير مألوف في الحياة الدستورية اللبنانية قضى بتعيين رئيس للحكومة المستقيلة بالوكالة يتولى تصريف أعمالها إلى حين تأليف حكومة جديدة، بعدما رفض الفريق المناوئ للجميّل ـــ وسوريا أولاً بأول ـــ قبول الاستقالة وأصرّ على تعويمها. إلا أن مجلس النواب استمر يعقد جلسات عامة ويقر قوانين في ظلّ حكومة تصريف أعمال يحضر رئيسها بالوكالة سليم الحص عن رئيس قضى اغتيالاً. فإذا الوكالة عن ميت.
أخذ المجلس آنذاك بحجة أن التشريع من صلاحياته الدستورية. وسرعان ما دار جدل حول قانونية التئامه ودستورية قوانينه. تسلّح الحسيني أيضاً بسابقة انعقاد مجلس النواب في جلسة عامة سنة 1969 صوّت خلالها على مشروع قانون الموازنة في ظلّ حكومة مستقيلة تصرّف الأعمال. للمفارقة أن رئيسها هو كرامي نفسه، يقود أزمة حكومية استمرت من 23 نيسان حتى 6 كانون الأول عامذاك، انتهت بالتصويت على اتفاق القاهرة.
كانت خلاصة ردّ ربّاط في 15 أيار 1988 الآتي: «(...) ما دامت السلطة الاشتراعية قادرة على ممارسة وظائفها الدستورية وبخاصة في حقل الاشتراع، وإن لم يكن بمقدورها في الوقت الحاضر ممارسة وظيفتها البرلمانية الأخرى التي لا تقل خطورة وشأناً عن ممارستها سلطتها الاشتراعية، ألا وهي إجراء الرقابة على تصرّفات السلطة التنفيذية ومناقشة السياسة التي تتبعها، فلم يكن ذلك إلا بحكم قوة قاهرة لا تحول على كل حال دون ممارسة المجلس النيابي سلطته الاشتراعية كاملة، الأمر الذي يجعل تالياً كل أعماله الاشتراعية سليمة ليس فيها أي شائبة، ولا يمكن أن يطاولها أي نقض أو اعتراض».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018