ارشيف من :أخبار لبنانية

لمن خانته الذاكرة في أيار..

لمن خانته الذاكرة في أيار..

كتب المحرر العبري
في ذكرى الانتصار والتحرير، لا بد من اعادة تنشيط الذاكرة والعودة الى الاشهر التي سبقت الاندحار الاسرائيلي من الاراضي اللبنانية المحتلة (باستثناء مزارع شبعا وتلال كفرشوبا) ولكن هذه المرة وفق الرواية الاسرائيلية لتوالي الاحداث من جهة العدو، وكيف كانت قيادته السياسية والعسكرية تنظر وتقدر التطورات والخيارات التي كانت امامها.

بعد أسبوع من انتخابه تحدث رئيس الوزراء ايهود باراك عن تصوره السياسي العسكري وعرضه على رئيس الأركان شاؤول موفاز، وطلب منه اعداد الجيش رسميا للانسحاب من لبنان على اساس اتفاق مع سوريا. كما طلب باراك من موفاز الاستعداد لانسحاب احادي بدون اتفاق مع سوريا، وفي ظل عدم تعاون الأمم المتحدة، واكد عليه عدم التحدث عن الانسحاب الاحادي وانما الاكتفاء بالاستعداد له.
وقبل أسبوع فقط من بداية العام 2000 عرض الجيش على باراك مشروع الانسحاب على اساس التوصل الى اتفاق سياسي تضمن عددا من النقاط الاساسية: تسليم الجيش اللبناني المواقع بشكل منظم، إنشاء جهاز ارتباط بينه وبين الجيش الاسرائيلي، تجريد حزب الله من سلاحه في الجنوب، وادخال جيش لحد في الجيش اللبناني او ان يحصل عناصره على العفو ويعودوا الى منزلهم. الا ان قائد المنطقة الشمالية انذاك اللواء غابي اشكنازي (حاليا رئيس اركان الجيش) حذر من "ان انهيار الجيش الجنوبي قد يؤدي إلى انهيار جميع الخطط". وهذا ما حصل على ارض الواقع.
مع بداية العام 2000 صعد حزب الله من عملياته ادت، خلال اسبوعين، الى مقتل سبعة جنود من الجيش الاسرائيلي وجرح عدد اخر وكان لهذه العمليات تأثيرات مباشرة على الرأي العام حيث عبر 57% من الجمهور الإسرائيلي في حينه، عن تأييده لانسحاب أحادي.

في وقت لاحق عُرضت على باراك خطتان بالنسبة لجيش لحد بعد الانسحاب: الأولى تنطلق من فرضية دفاع جنود لحد عن انفسهم وفي هذه الحالة يُقدِّم الجيش الاسرائيلي المساندة لهم بالنار والسلاح والذخائر، وهذا ما أراده انطوان لحد وأيدته القيادة الشمالية. فيما تنطلق الخطة الثانية من امكانية انهيار جيش لحد. وهنا ابدت اسرائيل استعدادها لاستيعاب من يرغب منهم باللجوء إلى إسرائيل.
في الخامس من آذار اجتمعت الحكومة لمناقشة موضوع الانسحاب، بشكل حاسم، ولم يدعُ باراك أي مندوب عسكري للمشاركة في تلك الجلسة مبررا ذلك بأن تقديرات الاستخبارات معروفة للجميع وهي ان "العمليات التخريبية سوف تتواصل بعد الانسحاب من الحزام الامني، كما تعلمون جيدا بأن رئيس الأركان يعارض انسحابا أحاديا مما يوجب عدم مشاركة أي مندوب عسكري".
وبدأت الاستعدادات في شهري اذار ونيسان عام 2000، في القيادة الشمالية وكان كل شيء لا يزال ينفذ بالخفاء في ظل مواصلة القتال وتحصين المواقع ضد الصواريخ المضادة للدبابات. وفي الوقت نفسه ازدادت في شهري نيسان أيار وتيرة الفرار من صفوف جيش لحد، الذي رفض عناصره البقاء في المواقع البعيدة عن القرى. وأبرقت القيادة الشمالية لرئيس الأركان من أن جيش لحد بدأ بالتفكك. ونتيجة لذلك تشاور رئيس الاركان شاؤول موفاز مع قائد المنطقة الشمالية اللواء غابي اشكنازي وقررا تقديم الجدول الزمني، فجاء الأمر الجديد: "جيش الدفاع يكون جاهزا للتحرك في الأول من حزيران بدلا من 7 تموز كما كان مخططا من قبل". لكن باراك لم يغير في حينه موعد الانسحاب. لأنه كان ما يزال ينتظر قرارا من مجلس الأمن يؤيد انسحاب إسرائيل وفقا للقرار 425، ووفقا للتقارير الإسرائيلية طلب كوفي انان مهلة أخرى من الوقت لتجنيد الدعم وطلب من باراك الصمود قدر المستطاع.

في الحادي عشر من أيار عقد انطوان لحد لقاء، وُصف بالحاسم، مع ايهود باراك. حذر فيه من ان ساعة الحقيقة اقتربت "وإذا لم تتحرك إسرائيل بسرعة فان جيشه سيتفكك خلال أسبوع أو أسبوعين على أكثر الأحوال".

في منتصف أيار حذر اللواء اشكنازي في رسالة رسمية الى رئيس الأركان من احتمال انهيار جيش لحد وطالب بتقديم موعد الانسحاب. وقال بأن جنود الجيش الإسرائيلي سوف يشكلون هدفا حيا لنيران حزب الله والسكان، كما حذر من التأخير في الاستعدادات الخاصة باستيعاب وتأهيل أفراد جيش لحد، كما اقترح اشكنازي بان تكون ليلة الأربعاء 31 أيار 2000 موعدا للانسحاب. إذ من المتوقع أن تكون ليلة حالكة الظلام، وبإمكان الجيش الإخلاء قبل أن يدرك حزب الله ما يحدث، على حد قوله. وكان رئيس الأركان ايضا متحمسا لتقديم موعد الانسحاب بسبب توفر معلومات جديدة عن عمليات يخطط لها حزب الله.
لكن باراك كان لا يزال يعارض انسحابا فوريا وغير متأثر بتحذيرات قائد المنطقة الشمالية. وقال لرئيس الأركان واشكنازي "ننتظر قرار مجلس الأمن الداعي إلى تطبيق القرار 425... وعندها فقط في بداية تموز ننسحب".

ونتيجة للتقديرات المتشائمة في الجيش ازاء واقع ومستقبل جيش لحد اجروا في قيادة المنطقة الشمالية في 21 أيار "لعبة الحرب" بهدف فحص استعدادات قوات الجيش لسيناريوهات مختلفة محتملة للانسحاب بما فيها انهيار جيش لحد قبل الموعد المقرر للانسحاب في ظل خوض مواجهات مع حزب الله. وبلغت التطورات مرحلة حاسمة عندما ابلغوا قائد المنطقة الشمالية بوجود مسيرة لمدنيين لبنانيين اقتحموا حاجزا لقوات الطوارئ في منطقة القنطرة متوجهين نحو قريبة الطيبة وموقع جيش لحد القريب منها. وورد في التقرير لاشكنازي أن عناصر جيش لحد في الموقع لاذوا بالفرار. وان الحزام الأمني اخذ ينهار.
- واقرت التقارير الإسرائيلية بأن كل سيناريوهات الجيش لم تتوقع ما جرى على ارض الواقع وبالتحديد المسيرات الجماهيرية وانهيار جيش لحد نهائيا. كما لم يكن هناك أي تحذير استخباري، حيث لم يلاحظ رجال الاستخبارات الميدانية لكل من الجيش الاسرائيلي وجيش لحد، المدنيين الذين مروا من أمام قوات الأمم المتحدة واقتحموا الطريق إلى المنطقة الأمنية.


- عند المساء اجتمع اشكنازي بضباطه لتقدير الاوضاع في مقر القيادة الشمالية وتركز البحث حول أمرين أساسيين: "اعادة احتلال قرية الطيبة والموقع العسكري فيها، وكيفية منع حزب الله من السيطرة على قرى ومواقع أخرى". وكان واضحا للجميع ان حزب الله أدرك الواقع لأنه سوف ينظم مسيرات مدنية أخرى صبيحة اليوم التالي. وأفادت التقارير الاستخبارية إلى أن الحزب يخطط لمسيرة تحاول الاقتحام من قرية شقرا إلى قرية حولا الواقعة مقابل مستوطنة مرغليوت (هونين). وأوصى بعض الضباط اشكنازي بإعادة احتلال الطيبة ووقف التدهور الحاصل لكنه أربك, وفي غضون ذلك أفادت تقارير الطائرات بدون طيار وعمليات المراقبة التي تبث إلى القيادة الشمالية بشكل مباشر صورا للطيبة والموقع. حيث شاهد قادة الجيش عدد كبير من أفراد حزب الله المسلحين والمدنيين هناك. وأدرك اشكنازي أن الزج بقوة للجيش يفرض تأمين غطاء مدفعي ودبابات ومروحيات مقاتلة لإسكات نيران حزب الله، وإلا ستقع خسائر فادحة... على الفور اتصل اشكنازي برئيس الأركان شارحا له اعتباراته واوصى بعدم إعادة احتلال القرية. وكان موفاز يدرك بأن المستوى السياسي، أي باراك، ليس مندهشا من إمكانية انهيار جيش الجنوبي. وانه لا جدوى من المخاطرة بخسائر وقتلى مدنيين من اجل العمل فقط على استقرار الحزام الامني المنهار لبضعة أيام وأسابيع أخرى. وهكذا وافق كل من باراك وموفاز على توصية اشكنازي: أي عدم العودة إلى الطيبة ولكن عزلها ومحاولة وقف مسيرة المدنيين المتجهين نحو قرية حولا. ولكن اصرار المواطنين على المضي في المسيرة اسقط هذه المحاولة وحاول سلاح الجو ارعاب الناس عندما قصف الطرقات واحدث حفرا كبيرة وعميقة لمنع السيارات من التقدم وقامت المدافع بقصف الوادي حيث توجهت اعداد من المواطنين واخذت بعض المروحيات المقاتلة تحلق فوق المنطقة بانتظار الأوامر.

اتصل اشكنازي برئيس الأركان قائلا له حانت لحظة الحقيقة: فأنا على وشك إصدار الأوامر للمروحيات بإطلاق النار أمام أرجل المواطنين . يجب أن يردعهم هذا وإلا فان السبيل الوحيد هو إطلاق النار عليهم. أنا لا أوصي بإطلاق النار على المدنيين ولكن الأمر يعني استمرار المسيرة واقتحام القطاع الاوسط وانهياره. لكن رئيس الأركان لم يقرر على الفور وبعد دقيقة أو اثنتين قرر عدم إطلاق النار على المدنيين بل على كل من يحمل السلاح وليس محاطا بالمواطنين.

وسارعت القيادة إلى إرسال قوات ودبابات إلى أطراف الثغرة الشمالية والجنوبية بهدف منع انتشار وتوسع آخر لحزب الله حتى لا يتم فصل الطرقات والشوارع التي يحتاجها جيش الدفاع لتنفيذ الانسحاب. قامت الدبابات بإطلاق النار وتوقف حزب الله. أما أفواج جيش الجنوبي الأخرى فكانت لا تزال صامدة.

في مرحلة لاحقة، توجه رئيس الأركان يرافقه اشكنازي إلى إحدى مقرات القيادة للقاء باراك هناك. وفي الطريق توصلا إلى استنتاج بأن الجيش الجنوبي سوف ينهار كليا خلال يومين أو ثلاثة. واثناء انتظارهما رئيس الحكومة، اجريا مشاورات مع قادة التشكيلات وقائد فرقة الحزام الامني وضباط هيئة الأركان والارتباط في جيش الجنوبي، واجمع الجميع على ضرورة تقديم توصية لباراك بانسحاب الجيش من المنطقة الأمنية في اقرب وقت ممكن.

وفاجأ اشكنازي باراك بالقول (انه لمن الخسارة فعلا أن نضحي بالأشخاص هكذا) وأطالب بالانسحاب في أقرب وقت ممكن، فسأله باراك ماذا تعني بذلك فأجاب اشكنازي أنا على استعداد للانسحاب الليلة أو ليلة الغد.

لكن باراك كان مترددا قائلا: "من المهم أن ننتظر ربما يومين أو ثلاثة بل أسبوع حتى. يجب استنفاذ الإجراءات مع الأمم المتحدة للحصول على تفويض رسمي منهم للانسحاب وفق القرار 425". أما موفاز فأوصى بتنفيذ الانسحاب خلال 24 أو 36 ساعة فقرر باراك إجراء مشاورات مع المجلس الوزاري الأمني المصغر.

ومع استمرار تقدم المقاومة والاهالي لم يجد الجيش الاسرائيلي امامه سوى خيار الانسحاب الفوري او الصدام الواسع والمباشر مع المقاومة ووقع اختيار القيادة السياسية على الخيار الاول. وتحقق الاندحار الاسرائيلي من الاراضي اللبنانية للمرة الاولى في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، في الخامس والعشرين من ايار من العام 2000، من دون اي اثمان سياسية او ترتيبات امنية.
 

استندت هذه المقالة في عرض الاحداث من الجانب الاسرائيلي على ما كتبه المعلق الامني في صحيفة يديعوت احرونوت، رون بن يشاي بتاريخ  7/11/2000، وساعده في الاعداد رئيس مجلس الامن القومي الاسبق والنائب الاسبق لرئيس اركان الجيش اللواء عوزي ديان.

2009-05-25