ارشيف من :أخبار لبنانية
دلالات من واشنطن.. وخلفيات التصعيد البريطاني الفرنسي والرد الروسي
حسن حردان - صحيفة "الوطن" السورية
شهدت الأزمة السورية جملة من التطورات المهمة التي تؤشر إلى دخولها مرحلة جديدة، فإما أن يحصل اختلال كبير في موازين القوى لمصلحة السير في التسوية بقيادة الرئيس بشار الأسد، كما تشير إليه المعطيات، وأما أن تنجح الدول والقوى المتضررة من ذلك، فيما تبقى لديها من هامش مناورة، في إحداث تعديل في ميزان القوى في الميدان يحسن شروطها التفاوضية، وهو ما تؤشر الوقائع إلى صعوبة تحقيقه.
وتتجسد هذه التطورات بـأربعة:
التطور الأول: دعوة وزير الخارجية الأميركي جون كيري، لأول مرة منذ توقيع بيان جنيف، والتباين في تفسيره، المعارضة السورية إلى الحوار مع الرئيس بشار الأسد.
التطور الثاني: تزامن هذا الموقف الأميركي التراجعي مع قرار فرنسي بريطاني مناقض له تماماً، بتسليح المعارضة السورية، مع تواتر المعلومات عن إرسال أسلحة من أوكرانيا وليبيا إلى المسلحين في سورية، وعن تدريبات لمئات المسلحين في الأردن على أيدي ضباط أميركيين ودخولهم إلى سورية، وهم مزودون بصواريخ مضادة للدروع والطائرات.
التطور الثالث: الرد الروسي السريع والقوي، عبر وزير الخارجية لافروف، على القرار الفرنسي البريطاني، واعتباره يمثل خرقاً للقانون الدولي.
التطور الرابع: ترافق هذه التطورات في المواقف الدولية مع تطورات ميدانية تؤكد التقدم المتواصل للجيش العربي السوري في بسط سيطرته على مزيد من المناطق، كانت تحت سيطرة المسلحين في ريف دمشق وحلب، وفي حمص، ثم إخفاق الجماعات المسلحة في إحداث أي تقدم حقيقي في الميدان يخل بميزان القوى لمصلحتها، وهو ما أقر به التقرير الأخير لوكالة الصحافة الفرنسية ونشرته صحيفة الحياة عن الواقع الميداني في جميع المناطق السورية، الذي يؤكد أن توازن القوى مختل بنسبة كبيرة جداً، وبما لا يقاس لمصلحة الدولة الوطنية السورية.
- على أن الأسئلة التي تطرح على ضوء ما تقدم هي:
- ما دلالات الموقف الأميركي؟
- وهل يشكل الموقف الفرنسي البريطاني تعارضاً معه، أم إنه يصب في خدمته، ويندرج في سياق توزيع للأدوار؟
- وما المغزى من تصريحات لافروف؟
أولاً: يشكل موقف كيري تحولاً نوعياً في الموقف الأميركي، فهي المرة الأولى منذ توقيع اتفاق جنيف، يعلن فيها مسؤول بهذا المستوى ودون أي لبس، أن على المعارضة السورية التفاوض مع الرئيس الأسد، ما يعني إقرار واشنطن بالتفسير الروسي لإعلان جنيف، وطي شعارها الداعي إلى تنحية الرئيس الأسد، والتسليم بالحوار معه.
ومثل هذا التطور في الموقف الأميركي جاء بعد أن أدركت واشنطن استحالة الاستمرار بالمراهنة على إسقاط الرئيس الأسد من ناحية، وعدم قدرتها على مواصلة التملص من الالتزامات التي أعطاها الرئيس باراك أوباما لنظيره الروسي فلاديمير بوتين من ناحية ثانية.
ثانياً: أن الإقرار الأميركي بالتفسير الروسي لتفاهمات جنيف، وتمرير هذه الخطوة الأميركية التراجعية، يحتاج إلى تغطية وإثارة ضجة بحجمها، ولذلك فالتصريحات البريطانية الفرنسية التصعيدية تحقق هذا الهدف الأميركي، وتبدو منسقة مع واشنطن في سياق توفير التغطية لإقلاع مسار التفاوض، وفي الوقت نفسه تصعيد الضغط على الرئيس بشار الأسد، في إطار توزيع للأدوار قبيل بدء مسار التفاوض، بهدف تعديل ميزان القوى الميداني لتحسين شروط التفاوض، لأن الدخول في المفاوضات في ظل موازين القوى الحالية يجعل موقف واشنطن ضعيفاً، والنتيجة ستكون هزيمة كبرى لها.
ثالثاً: أما تصريح وزير الخارجية الروسي لافروف فإنه يعتبر موقفاً تصعيدياً، ويمكن إدراجه في اتجاهين:
الأول: توجيه رسالة حازمة لكل من أميركا وفرنسا وبريطانيا بالكف عن المناورة، وأن روسيا لن تسمح بتكرار السيناريو الليبي، وخرق القانون الدولي.
الثاني: تهيئة المناخ المواتي لقيام واشنطن بممارسة الضغوط على الدول المعرقلة للتسوية، كي تخضع وتسلم بعدم إمكان مواصلة طريق العنف لعدم جدواه.
رابعاً: من الواضح أن صمود سورية، وفشل قوى الإرهاب المدعومة من الغرب والدول العميلة له، في تحقيق أي تقدم في الميدان، واحتفاظ الدولة الوطنية السورية بزمام الأمور والمبادرة، هو الذي دفع واشنطن إلى التراجع، والإقرار بالتفسير الروسي لبيان جنيف.
غير أنه من الواضح أيضاً أن واشنطن، وقبل الانخراط عملياً في المسار التفاوضي لتنفيذ بنود بيان جنيف، التي تبدأ بوقف العنف، وإقفال المسارب الحدودية التي يدخل منها السلاح والمسلحون كشرط يسبق الشروع في المرحلة الانتقالية، ستبذل محاولة أخيرة لتعديل موازين القوى على الأرض، ولهذا فإن واشنطن وضعت قدمها في التسوية وحسمت قرارها بالحوار مع الرئيس الأسد، وقررت في الوقت نفسه العمل على محاولة تحسين موقفها التفاوضي، ما يعني أننا دخلنا في مرحلة انتقالية سيجري خلالها اختبار إمكانية تعديل ميزان القوى في الميدان قبل البدء بالمفاوضات وانتهاء المجال المتاح للمناورة حالياً أمام أميركا وحلفائها، وذلك بعد سنتين من الحرب، أخفقت خلالها في تحقيق أحلامها بإسقاط الرئيس الأسد وإخضاع سورية لهيمنتها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018