ارشيف من :أخبار لبنانية
بين حرب لبنان الثانية وعملية «الرصاص المسكوب» إسرائيل قلقة من «نموذج حزب الله»
صحيفة "السفير" - حلمي موسى
رغم أن إسرائيل تعتبر إيران التهديد الاستراتيجي الأول الذي يواجهها في السنوات المقبلة وتحاول تحشيد الأسرة الدولية ضده إلا أنها لا تخفي قلقها من التهديد الذي تمثله المقاومة في كل من لبنان وفلسطين. وربما لهذا السبب رأى مركز دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب أن يخصص العدد الأول من نشرته الجديدة, «الجيش والاستراتيجيا» للبحث في ماهية التهديد الذي يشكله حزب الله وحماس على الدولة العبرية.
وبدا أن العدد الأول يركز من خلال عناوينه على ما يسمّيه «نموذج حزب الله» في القتال وهو نموذج يعتمد على منظومتي دفاع بري لعرقلة القوات الإسرائيلية وتكبيدها خسائر وإطلاق صاروخي لشل الجبهة الداخلية الإسرائيلية ولنقل الحرب إليها. ويناقش هذا العدد في مجموعة من المقالات واقع الوضعين الفلسطيني واللبناني والفوارق بينهما وإثر معركتهما على الجيش الإسرائيلي، وبالتالي على قدرة هذا الجيش في مواجهة الجيوش العربية.
ولا ريب في أن «نموذج حزب الله» الذي أفلح في طرد الاحتلال من الجنوب اللبناني في العام 2000 بات نموذجاً يُحتذى به على الصعيد الفلسطيني، خصوصاً من جانب حركة حماس في قطاع غزة. ويجمع هذا النموذج, كما سلف, بين مبادئ عمل حربي معهودة في الجيش النظامي وأخرى من عمل المجموعات العصابية. ولكن «نموذج حزب الله» في جوهره كان نتاجاً لواقع لبناني خاص يجعل من الصعب تبنيه بشكل تام من جانب أي مجموعات أخرى. فالربط فيه بين المحلي والوطني جعل من المقاومة ليس فقط مجرد فعل عسكري يحتاج إلى إسناد، وإنما «حالة مجتمعية» متكافلة. وقد وفر «نموذج حزب الله» لمحيطه فرصة اعتداد وتفاخر جعلت منه موضع لقاء لا اختلاف، وهو ما لم يتوفر لمجموعات مقاومة أخرى. وأسهم في ذلك إلى حد كبير الإقرار القائم في لبنان بالتعددية الدينية والمذهبية والسياسية وهو ما لا يتوفر, على الأقل بالدرجة نفسها, في فلسطين مثلاً.
والواقع أن التجربة النضالية الطويلة في لبنان، والتي توّجت بـ«نموذج حزب الله» عبرت عن واقع عجز القوى الرسمية عن فرض نظرتها إلى الصراع الإقليمي مع إسرائيل. ومن الجائز أن هذا ما قاد في حينه إلى الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني من طرف واحد ودون أية اشتراطات. وهو ما قاد لاحقاً إلى تسجيل الجيش الإسرائيلي لواحدة من أبرز كبواته العسكرية في تاريخه، وهي ما حاول القفز عنها بإقدامه على شن حربه التدميرية ضد قطاع غزة.
ورغم إيمان الإسرائيليين بأن «المكاسب العسكرية» في غزة لم تحقق لهم أغراضهم السياسية, حيث إن الخطر لم يزل قائماً على مستوطنات الجنوب, فإنهم لا يتورعون عن التنقل في التبرير بين «مبادئ الرصاص المسكوب» و«نظرية الضاحية». فيهددون لبنان بما جرى لغزة في «الرصاص المسكوب» بالقدر نفسه، الذي هددوا فيه غزة بـ«نظرية الضاحية» التي تقوم على أساس أنه مقابل كل صاروخ يسقط في إحدى البلدات الإسرائيلية يتم تدمير عشرة مبانٍ في الضاحية الجنوبية لبيروت.
ومن الواضح أنه بقدر ما تشعر إسرائيل أن مكانتها الاستراتيجية على الصعيد القريب «مريحة» بقدر ما يتعاظم في نفوس قادتها الخطر على المدى الأبعد. وإسرائيل تراقب بقلق شديد الإرهاصات في المجتمعات العربية لجهة رفض وجودها وتتخوّف من الآتي. ومن الجائز أن الموقف الذي عبّرت عنه أغلبية الجمهور الفلسطيني من مواطني الدولة العبرية تجاه المحرقة النازية وتجاه حق إسرائيل في البقاء أكبر دليل على ما يتخوفون منه على الصعيد الشعبي العربي والإسلامي عموماً.
فالقوة العسكرية الإسرائيلية لم تفلح في خلق قناعات لدى الجمهور العربي بأن الدولة اليهودية حقيقة قائمة إلى الأبد. بل على العكس تزيد هذه القوة من ميل الإسرائيلي لابتداع أساليب جديدة في التدمير تغذي الفكرة الأصلية لدى الجمهور العربي بضرورة زوال الدولة اليهودية، لأنها مصدر الشرور في المنطقة.
إن الجيش الإسرائيلي الذي يعتبر نفسه الأقوى في دائرة ألف وخمسمئة كيلو متر يجد نفسه غارزاً في كثبان غزة ومحيط مخيماتها مثلما يجد نفسه عاجزاً عن اجتياز الحدود مع لبنان. فهذه القوة التي نجحت في ردع النظام الرسمي العربي تقف عاجزة عن ردع روح المقاومة التي تتعزز يومياً بفضل الإيمان بأن إسرائيل باطل. ورغم كل إنجازات القوة العسكرية الإسرائيلية فإن زكي شالوم في مقالة في نشرة «الجيش والاستراتيجيا» سبق وعرضت في هذه الصفحة، يطالب بإعادة النظر في نظرية الأمن القومي الإسرائيلية. ويقول في مقالته إنه «أمام عيوننا ينشأ واقع أمني قاسٍ وخطير من المشكوك فيه أن لإسرائيل, على أساس انتشارها الأمني الحالي, رداً مناسباً له. وهناك علامة استفهام أكبر تحوم فوق احتمال أن تخرج إسرائيل من مواجهة كهذه، ويدها هي العليا. إن صورة الوضع هذا تلزم إسرائيل حسب تقديري بأن تعيد النظر من جديد وبشكل ثاقب في عقيدتها الأمنية».
صحيح أن إسرائيل تستعد هذه الأيام للمناورة الأكبر في تاريخ جبهتها الداخلية, وصحيح أنها بعد حرب لبنان الثانية أعادت جيشها للتعلم من جديد في المدرسة الابتدائية للعسكرية لتحريره من الكثير من التهور الذي لحق به. ولكن إسرائيل نفسها لا تستطيع منع التغييرات التي طرأت عليها, وهي تغييرات اجتماعية واقتصادية, تترك آثارها على الجيش. كما أنها, وهذا هو الأهم, لا تستطيع منع التغييرات التي تطرأ في المحيط العربي والإسلامي, بل وفي العالم بأسره، وهي تغييرات ليست في الغالب في مصلحتها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018