ارشيف من :أخبار لبنانية

لفظت واشنطن الرقم السري... فاستقال ميقاتي -جان عزيز

لفظت واشنطن الرقم السري... فاستقال ميقاتي -جان عزيز

جان عزيز -"الأخبار"


ثمة كليشيه شهيرة في سينما الثريللر. هي تلك التي تحكي قصة رجل طيب، يُنوّم مغناطيسياً، ليتحول بكلمة سر واحدة إلى «عميل نائم». كليشيه تقليدية، قوربت في الفن السابع بكل أوجهها، بين الجد والتسلية وصولاً إلى الباروديا أو «المسخرة» مع وودي ألن في «لعنة جوهرة العقرب».
 
شيء من هذا القبيل أصاب نجيب ميقاتي في تقديم استقالة حكومته يوم الجمعة الماضي، بحسب رواية قطب سياسي مناوئ لرئيس الحكومة المستقيل. يقول القطب نفسه إنه قبل أن يسافر ميقاتي إلى روما لحضور تنصيب البابا الجديد، كان على تنسيق شبه يومي مع نبيه بري، حول كل المدى الزمني المنظور. وكان الكلام بينهما حول احتمالات المرحلة كافة: إذا لم يقر قانون جديد للانتخابات، وإذا لم تجر الانتخابات نفسها، وإذا وقع الفراغ البرلماني... ولم يكن بين الطرفين أي إشارة إلى استقالة أو شيء قريب منها.

بعدها سافر «الرجل الطيب» إلى الفاتيكان. كانت كل المؤشرات حول ما حُكي عن حصار حزب الله، قد ظهرت قبل سفره. فالأمين العام لمجلس التعاون الخليجي كان قد أبلغ بيروت، في 5 آذار، فرمان «ديمقراطياته العظمى»، بأن على لبنان أن يُخرج حزب الله من مكان من اثنين: إما من سوريا وإما من الحكومة. وكان اتهام حزب الله بتفجير بلغاريا قد حصل. وكانت الإدانة في ملف قبرص قد صدرت أيضاً. وكان أوباما قد أفتى من «ديمقراطية اسرائيل النابضة» ــــ كما وصفها ــــ بأبلسة حزب الله... كل ذلك كان قد حصل قبل سفر نجيب ميقاتي إلى روما يوم الأحد في 17 آذار، ولا كلام عن استقالة أو من يستقيلون.

 فجأة، لفظت واشنطن كلمة السر التنويمية، كما يزعم القطب نفسه. إذ لم تكد طائرة نجيب ميقاتي تحط في مطار دا فينتشي، حتى كانت الأخبار تصل سريعة فورية من جرود عرسال إلى مبنى وزارة الخارجية الأميركية في فوغي بوتوم في واشنطن: غارة سورية على ذلك الثغر الاستراتيجي والحيوي بالنسبة إلى كل ابناء العام سام. وفجأة أيضاً، يتابع القطب، أصدرت خارجية القرية الكونية الأميركية بياناً شديد اللهجة يدين الغارة. لكن الغريب، أن عبارة لافتة وردت في البيان، تقول على لسان مسؤول في الخارجية الأميركية: «نحن نقف الى جانب التزامنا الطويل الأمد بقرار مجلس الأمن الدولي 1559 الذي يدعو إلى الاحترام التام لسيادة لبنان وسلامة أراضيه ووحدته واستقلاله تحت السلطة الوحيدة والحصرية للحكومة اللبنانية على جميع الأراضي اللبنانية». هكذا لفظت واشنطن كلمة السر الميقاتية. والكلمة في العبارة المذكورة ليست مفردة، بل هي رقم. إنه 1559. ففعلت فعلها كالسحر، أو كالتنويم، وبدأت آلية استقالة ميقاتي، كما يروي القطب نفسه.

 لماذا يمكن لرقم مثل 1559 أن يؤثر بهذا الشكل على رئيس حكومة؟ يجيب القطب نفسه: لأن هذا الرقم ليس مجرد أربعة أعداد. بل هو السياق السياسي الفعلي الذي جاء بنجيب ميقاتي رئيساً للحكومة سنة 2005. يومها، كانت قد مضت أشهر على صدور قرار مجلس الأمن الذي يحمل هذا الرقم. وكان قد اصبح تييري رود لارسن مسؤولاً عن متابعته وتنفيذه. وكان الشق الأول المتعلق بانسحاب الجيش السوري قد التزم به بشار الأسد في 5 آذار 2005. وكان على لارسن متابعة شقين باقيين: الرد على التمديد لإميل لحود، ونزع سلاح حزب الله. في هذا السياق بالذات، قيل إن لارسن يومها هندس وصول ميقاتي إلى رئاسة الحكومة. كان يدرك أن انقلاب موازين القوى لم يكتمل بعد. وأن إعلان انتصار جون بولتون في بيروت قد يكون خطوة متسرعة. لذا لا بد من مرحلة انتقالية. جاء نجيب ميقاتي. ووُهبت حقيبتا الداخلية والعدل للحريري. فبدأ انقلاب الأجهزة والقضاء. أُطلقت المحكمة الدولية. ذهب رؤساء الأجهزة الأمنية إلى سجن زهير الصديق. ووصل فؤاد السنيورة حاكماً مطلقاً، لا دولة رئيس وحسب، بل «رئيس الدولة» كما رُفعت له اللافتات قرب منزل ميقاتي بالذات.


 ويتابع القطب المناوئ لميقاتي راوياً، ان معرفة رجل الأعمال الطرابلسي بالدبلوماسي النروجي قديمة جداً. فهي لم تبدأ سنة 2005. ولا حتى سنة 2000 حين كُلف لارسن بترسيم الخط الأزرق. بل إنه، كما يقول القطب، منذ النصف الثاني من التسعينيات، كان نجيب ميقاتي، يتولى تعريف عدد من السياسيين والأمنيين اللبنانيين، إلى لارسن، في إطار عطلات تنظم في فندق جليدي في البلاد الاسكندينافية. وكان عنوانها الاطلاع على أوضاع المنطقة، من أحد أبرز مهندسي أوسلو. هكذا، صار رقم 1559 كلمة السر الميقاتية، بحسب القطب المناوئ. الذي يضيف أكثر، بأن لديه معلومات تفيد بأن لارسن نفسه كان في روما أيضاً، يوم تنصيب البابا... ماذا يعني هذا الكلام؟ يعتقد القطب نفسه أن ذلك يعني نهاية المرحلة الانتقالية الميقاتية الثانية، بعد مرحلة 2005، والتي بدأت في كانون الثاني 2011. تلك المرحلة التي بدأت فعلياً، يوم طلب حمد بن خليفة من بشار الأسد، في تلك النزهة الحلبية، تسمية ميقاتي رئيساً لحكومة ما بعد الحريري الابن. انتهت، لأن موازين القوى أولاً قد تغيرت.

وانتهت، ثانياً، لأن أدوات هذه المرحلة الانتقالية وصلت إلى خطين أحمرين: أولاً عجزها عن إجراء الانتخابات بقانونٍ يعيد الحريري أو السنيورة حاكماً مطلقاً كما حصل سنة 2005. وثانياً عجزها عن حماية التركيبة الأمنية المحلية، ذات الوظيفة الخارجية الإقليمية وحتى الدولية، التي أرسيت سنة 2005 أيضاً. صدرت كلمة السر التنويمية، فاستقال نجيب ميقاتي، تمهيداً لاستمرار مخطط يحمل رقماً واضحاً: 1559.

 هل ظُلم نجيب ميقاتي في قراءة القطب المناوئ؟ الحكم للآتي من الأيام، ومع الآتي معها إلى الحكم.



2013-03-28