ارشيف من :أخبار لبنانية

لبنان يسقط في الفوضى: أزمة سياسية طويلة

لبنان يسقط في الفوضى: أزمة سياسية طويلة
جوني منير-الجمهورية

وسط الفوضى المتصاعدة التي تعمّ المنطقة، جاءت استقالة الحكومة لتضاعف من الفوضى التي يعاني منها لبنان أصلاً. ففي المنطقة، تزداد الصورة غموضاً بسبب الحرب الباردة الدائرة ما بين الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا من جهة وروسيا والصين وإيران من جهة أخرى. ذلك أنّ العالم كان قد اعتاد طوال العقدين الماضيين على أحادية القرار الأميركي ونسيَ قواعد لعبة الحرب الباردة التي كانت سائدة بين المسارين الأميركي والسوفياتي.
 
والأسوأ من ذلك أنّ قواعد الحرب الباردة الجديدة تطلّ برؤوس عدّة بسبب تعدّد الأطراف وتنوّع المصالح التي تنفجر صراعاً دمويّاً مستمرّاً على الساحة السورية، يُهدّد بالانتقال إلى البلدان المجاورة. هذه المصالح المتنوّعة لا بل المتضاربة شلّعت قيادات المعارضة السورية وابتلعت قائد "الجيش السوري الحر" وضاعفت الفرز الميداني والتسابق على اكتساب نفوذ الشارع. والتناقض في هذه المصالح أفشلَ سعي الرئيس الاميركي باراك اوباما إلى إنجاز تقدّم ما على مستوى الملفّ الإسرائيلي - الفلسطيني. فأوباما، الأضعف شعبية في الشارع الإسرائيلي (نحو 10 % فقط)، سعى إلى مخاطبة الرأي العام الإسرائيلي من دون أن ينجح في فتح كوّة في الجدار الإسرائيلي حيال الفلسطينيين. فالرؤية الأميركية عبّر عنها أكثر من مسؤول أميركي منهم وزير الخارجية الساعي إلى تسوية سلمية مع إيران حول مجمل الملفّات الساخنة، ومنها الملف السوري.
 
وعلى رغم نتائج زيارة أوباما الرسمية الأولى إلى إسرائيل إلّا أنّ الأوساط الديبلوماسية المعنية تؤكّد أنّ واشنطن جادة جدّاً في إنجاز الصفقة الكبرى مع إيران.

في أيّ حال، فإنّ التعقيدات ازدادت. فقطر والسعودية وتركيا تحضر الأرض لمعركة دمشق الكبرى القادرة على قلب موازين القوى كما يجري الترويج لها، على رغم عدم قناعة الغرب بجدواها. إلّا أنّ واشنطن التي تدرك جيّداً مدى الضعف الذي أصاب البلدان المتحالفة معها فتحت أبواب دعمها للأردن إن من الناحية الاقتصادية أو حتى الأمنية عبر إيفاد خبراء للمساعدة على احتواء المعارضة، وشجّعت تركيا على إنجاز تسوية تاريخية مع الأكراد لتحصين وضعها جنوب البلاد.
 
في المقابل تقدّمت روسيا في اتجاه لبنان وقبرص، حيث تشكّل الأزمة المصرفية فرصة لتعزيز حضورها في هذه البقعة من العالم، وقد ردّ الرئيس الأميركي بإنجاح المصالحة بين تركيا وإسرائيل. لا بل أكثر، فإنّ الكثير من المراقبين يعتقدون أنّ الغارات الجوّية السورية التي طاولت مناطق متنازع عليها بين لبنان وسوريا قبيل وصول أوباما إلى إسرائيل ما كانت لتحصل لولا الضوء الأخضر الروسي، وعلى أساس توجيه رسالة إلى واشنطن بأنّ الذراع العسكرية للنظام السوري ما تزال قوية وقادرة على التزام المجموعات المتطرّفة ولو في لبنان. وتزامن ذلك مع نصب مدفعية عند الحدود المحاذية لشمال لبنان وإزالة الألغام التي كانت مزروعة.

وسط هذه الفوضى القائمة، سقطت حكومة نجيب ميقاتي التي يحظى "حزب الله" فيها بنفوذ قوي، بعدما كان إجراء الانتخابات النيابية على أساس قانون الستّين المعروفة نتائجه لصالح تيار "المستقبل" قد تأكّد سقوطه. ما يعني في الاستنتاج السريع بأنّ التنازع الجاري على الرقعة اللبنانية يأتي في إطار التأثير على الصراع السوري أو من زاوية أوسع في إطار الصراع البارد الحاصل في المنطقة ولعبة تسجيل النقاط.

من أجل ذلك، لا بدّ من وضع الحسابات على أساس أنّ الانتخابات النيابية بعيدة جدّاً. فلهذه العملية نتائج مباشرة على القرار اللبناني بتداخلاته الإقليمية، ومن أجل ذلك يصبح "الضرب تحت الزنّار" مسموح لا بل مطلوب من كلا الفريقين. أمّا صيانةُ قانونٍ يؤدّي إلى مجلس نيابي خارج الاصطفافات الإقليمية، فهذا "تذاكٍ سخيف" لن يغامر به أحد. ولأنّ المبادرة الأمنية ستعزّز عاجلاً أم آجلا من موقع "حزب الله" وقدرة النظام السوري في اللعبة اللبنانية، فإنّ واشنطن متفقة مع حلفائها في المنطقة على عدم الانزلاق ناحية الفوضى الأمنية الشاملة، ولو أنّ تعزيز الاحتقان المذهبي في وجه الحزب يبقى مطلوباً بهدف محاصرته سياسيّاً وللتقييد قدر الإمكان من حرّية حركته. لذلك مثلاً جاءت اشتباكات طرابلس في جولتها الأخيرة خفيفة نسبيّاً من حيث المقارنة مع الجولات السابقة. لا بل إنّ هذه الجولة جاءت وفق عناوين محلّية وأوقِفت بسبب العناوين الإقليمية.

ذلك أنّ الأوساط الديبلوماسية الأوروبية التي تبدو منشغلة كثيراً في تتبُّع حركة العناصر المتطرّفة الوافدة إلى لبنان، تؤكّد أنّ السلفيّين لم يشتركوا في هذه الجولة القتالية.

فالتصعيد قرأه كثيرون على أنّه مرتبط ببند التمديد للّواء أشرف ريفي، وهو ما دفع المجموعات السلفية إلى اعتبار أهداف المعركة بعيدة عنها. لذلك بقيت هذه المعارك تحت سقف ثابت لم تتجاوزه، ولو أنّ التحرّكات السورية عند الحدود لعبت لصالح وقف إطلاق النار. لكنّ اللافت ما وصل إلى هذه الأوساط من معلومات عن استقدام بنادق قنّاصة متطوّرة أصبحت في يد السلفيين في طرابلس، والتي يناهز ثمن الواحدة منها نحو 25 ألف دولار أميركي. والأكثر خطورة وسط الفوضى المحلّية الحاصلة هو بدء تأمين "زعماء الأحياء" تمويلهم الخاص من خلال "الخوّات".

فبعدما شكّل إحراق صهاريج المازوت عنواناً له علاقة بمحاصرة النظام، باشرَ بعض "القبضايات" في غضّ النظر عن مرور هذه الصهاريج مقابل مبالغ ماليّة. والأسوأ أنّ الدولة التي تعرف بذلك تقف عاجزة عن فعل أيّ شيء. وتبدو هذه الفوضى الداخلية مرشّحة للتصاعد في ظلّ ارتباك أمنيّ وتحلُّل مؤسّساتي وأزمة سياسية حادّة.

وتبدو صورة المجلس النيابي منذ الآن صعبة في تجاوز الألغام المزروعة أمامه، لذلك يفكّر الرئيس نبيه برّي مثلاً في القفز فوق كلّ نقاط جدول الأعمال والانتقال فوراً للبحث في قانون جديد للانتخابات، مع الإشارة سلفاً إلى أنّ هذا "الدرس" سيطول ويطول جدّاً. وبات معروفاً أنّ التمديد للمجلس النيابي سيصل إلى سنتين في أقلّ تعديل، وقد يحصل دفعة واحدة أو ربّما بالتقسيط (كلّ ستة أشهر). لكنّ الخلاصة واحدة، أزمة سياسية طويلة مع إصرار البعض على الانخراط في اللعبة الإقليمية من خلال الأزمة السورية القاتلة، انصياعاً لأحلام تختصر شهوة السلطة اللامحدودة.
2013-03-28