ارشيف من :أخبار لبنانية
القمّة العربية... العرض الأخير
القمّة العربية... العرض الأخير - "صحيفة الوطن" السورية
متى سيفهمُ الأعرابُ أنه لا محلَّ لهم من الإِعراب، متى سيفهمون أنهم لَيسوا أكثرَ من راكبي جمَالٍ وضاربي أطناب. متى سيصلُون لحقيقةٍ واحدةٍ، أن أجدادهم رضعوا الحقدَ من تلكَ الحمراء، ودماءهم دماءَ زوجِ حمّالة الأحطاب. متى سيدركونَ أن العينَ يُحجب عنها النور بالجفنِ لا بصغائِرِ الأهداب. من ضحِكَ عليهِم ومن ورَّطهم، من جعل لهم قَدْراً ليتطاولوا ويقرروا ويتوعدوا وهم مجرد أذناب. كما جرت العادة في السنوات الأخيرة وفي نهاية شهر آذار نحن على موعدٍ مع اجتماعٍ جديدٍ لما يسمى جامعة الدول العربية. إذن ومن نِعم الله علينا أننا بتنا نشاهد القمم العربية سنوية، لأن ما كنا ننتظر حصوله كل أربع أو خمس سنواتٍ من إجماعٍ للعرب على أن يجتمعوا، بتنا نحصل عليهِ في كل عامٍ وتحديداً مع بداية الربيع، حيث إن هذه القمم الربيعية المتلاحقة وخلال أقل من 7 سنواتٍ أنتجت ربيعاً عربياً كاملاً سيذكره التاريخ العربي مطوَّلاً، تماماً كما نتذكر تاريخنا المرير ونتباكى عليه في أيامنا هذه. فما حكاية هذه الجامعة ولماذا فوجئ المواطن السوري بما حصل، هل هو محقٌ بتحميل قيادته بعضاً من المسؤولية دفعت الأعرابَ للتمادي الذي لم يعد محتملاً على حاضن العروبة الأول، الجمهورية العربية السورية؟ القمة والمثل الفرنسي الشهير : "من يعط يقرر".
القمّة العربية... العرض الأخير
يقول المثل الفرنسي الشهير (qui donne ordonne)، أي من يعط يقرر. يُقال هذا المثل للدلالةِ على أمرين:
الأول، هو سطوةُ المال على كلِّ شي. الثاني هو حتمية وجود الرخيصين في هذا العالم وفي كل زمان، يقبلون بأن يكونوا سلعةً قابلةً للبيع والشراء في كل وقت. هذا ما ينطبق تماماً على الحال التي وصلت إليه هذه الجامعة العربية. لم يكن المال النفطي الخسيس ليحقِّقَ ما يحقق من سطوةٍ واختصارٍ للإرادة العربيةِ لو لم تعمَّ الفوضى «الخلاّقة» من المحيط إلى الخليج حتى تصل الدول بأسرها إلى واقعٍ مؤلمٍ يحتِّم عليها التسوُّل عند حكام النفط لكي يتمكنوا من إغاثة شعوبهم. هذا الأمر تجلّى في هذه القمة بأبهى صوره. بنظرةٍ شاملةٍ وسريعةٍ، أين الرئيس العربي أو رئيس أي مجلسٍ انتقالي حضر هذه القمة ويستطيع أن يقرِّر حتى في دولته؟ فالجميع من هؤلاء المعيَّنين جاء ليتسوَّل ومن غاب هو الوحيد الذي لا يسبِّح بحمد هذه الأسرة الحاكمة أو تلك (هذا دون أن نتطرق للممالك التي لا تحتاج تبعيتها للمال الخليجي شرحاً مسهباً). راعي المصالح القطرية في مصر جاء ليحدِّثنا عن الديمقراطية والدماء المصرية الطاهرة تسيل كل يوم، ولا نعلم لماذا لم يتحدث عن آلية تأجير قناة السويس أو الآثار المصرية لحكومة قطر. الرئيس التونسي «ضيف قناة الجزيرة الدائم» تقوم حكومته وبتمويل قطري وعبر منظمات تونسية بإرسال المجاهدين حيث يقرِّر «آل ثاني» نشر الديمقراطية (ليس صحيحاً أنهم يُرسَلون إلى سورية فقط فهم يُرسَلون إلى الجزائر أيضاً وشاركوا في الحرب ضد القذافي)، فأيُ قرارٍ حر وأيَّ شعبٍ جاء يمثل هذا الرئيس. أما ميشيل سليمان (رئيس كل لبنان) فهو لم يوفِّر فرصة إلا وتسوّل فيها بحجة النازحين السوريين تماماً كما لم يوفر أي فرصةٍ ليتحدث فيها أن (لبنان لن يكون منطلقاً للإرهاب ضد سورية) ولا نعلم عن أي لبنانٍ يتحدث...
إذن إفراغ المنطقة من زعيمٍ يمتلك القدرة على قول الحق وإحراج تلك الأمعات التي تسيطر بمالها على كل شيء كان هدفاً، وهو تحقق للأسف رويداً رويداً وعبر دماء الشرفاء في هذه الأمة. بالتالي فإن الزعامات الخليجية اعتمدت نظرية وقحة أساسها (عندما لا تستطيع أن تجاري تطوّر شخصٍ فعليك أن تسحبه إلى تخلّفك)، وهذا ما فعلوه بهذه الدول عندما لم يستطيعوا أن يجاروها بمواقف الكرامة، حاولوا أن يسحبوها إلى حيث هم من الخزي والعار وكان لهم ما أرادوا، ولعلّ ليبيا هي المثال الصارخ عن ذلك.
بعد عقودٍ من انتظار الشعب العربي رؤية جامعتهِ مجتمعةً لإعلان الحرب ضد الكيان الغاصب، أو تكحيل ناظريه برؤية العرب مجتمعين لما فيه خيرهم، رأى هذا المواطن اليوم ولاة أمره في مزارع «طويلي العمر» يجتمعون وبصوتٍ واحدٍ يقررون إعلان الحرب ليس على الكيان الصهيوني ولكن على سورية. إن كان بإقرار تسليح العصابات المسلحة أو بدعم المعارضة الإرهابية التي تغطي عمل هذه العصابات المسلحة. هذا الأمر كان متوقعاً فمنذ عامٍ تقريباً انتقد وزير الخارجية الصهيوني «افيغدور ليبرلمان» الدول العربية التي عارضت تطبيق السيناريو الليبي في سورية، ومنذ أسابيع قليلة فقط طالب الرئيس الصهيوني «شيمون بيريز» جامعة «آل ثاني» العربية باتخاذ قرارٍ بإرسال قواتٍ عربيةٍ لإسقاط «النظام» في سورية (ذات الدعوة التي وجهها منذ عام أمير مشيخة قطر). اليوم يبدو أن التعليمات قد نُفِّذت تماماً، ومن يقرأ البيان الختامي فهو أشبه بإعلان حربٍ بطريقةٍ لا تحتاج لتأويلٍ، وسط صمت جميع الدول العربية وهو ما يذكرنا بما قالته ابنة «بزرجهمر» عندما جرَّ السجانون والدها من أجل إعدامه وسط المدينة (ما كانت الحسناء ترفع سترها لو أن في هذي الجموع رجالاً) وهنا نقتبس ونقول ماكان «شيمون بيريز» يتجرأ ويطلب، وما كان مستعربو مال النفط تجرؤوا ونفّذوا لو بقي في هذه الجامعة رجالاً.
مقعد سورية في الجامعة العربية
إن عملية تجميد عضوية سورية في الجامعة العربية منذ أكثرَ من عامٍ ونصف العام كانت تمهيداً لكل ما يجري الآن. مما لاشك فيه أن هذا التجميد تبعه عدةَ محاولاتٍ من أجل تسليم مقعد سورية للمعارضة بعد أن أَفشلوا مهمةَ المراقبين العرب في سورية، وإصرارهم على الذهاب إلى مجلس الأمن لاستنساخ السيناريو الليبي. لكنهم كانوا يفشلون في محاولاتهم وللأسف كان هناك من يحاول إرجاع هذا الفشل إلى أمرين:
الأول: هو رفض بعض الدول العربية لهذه الخطوة، وغياب التوافق على ذلك. هذا الأمر ليس صحيحاً لأن جميع القرارات التي اتُخذت ضد سورية حتى الآن لا يوجد هناك من يرفضها، هناك من يتحفّظ فقط، أضف إلى ذلك إذا كان هذا الرفض له مفعوله فلماذا عُلِّقت عضوية سورية في الجامعة (القرار الذي أفرح السوريين كثيراً واعتبروه أفضل قرار بتاريخ الجامعة)، ولماذا حُوصرت اقتصادياً دون أي ردة فعل «ملموسة» من هذه الدول.
الثاني: هو حديث البعض عن تأجيل النقاش بهذا الأمر من الدول العربية من أجل إتاحة الفرصة للتفاوض الدولي. هذا الأمر ليس صحيحاً أيضاً لأن هذه الدول أساساً لا تملك أن تقرِّر أو تنفِّذ أو تؤجِّل، ولأن موضوع التفاوض الدولي أثبت أنه خدعة وكذبة تدفع ثمنها سورية، الدولة والشعب.
إن السبب الحقيقي لعدم منح المقعد حتى الآن هو عدم نضوج المعارضة السورية المتفيئة بظلالِ النخيل في صحراء النفط الخليجي. كلما حاولوا التسويقَ لشخصٍ، اضطروا لاستبدالهِ لأنه يثبتُ إخفاقه ولا ينجح بتشكيل حالةٍ جاذبةٍ، أو ما يسمونه (كاريزما القائد)، باعتبار أن أفضل من جاؤوا به لا تتعدى (الكاريزما) لديه (كاريزما) وزير الخارجية الإماراتي (المحنّك جداً). كانت الفكرة عند نضوج فكرة انطلاق ما يسمى «الائتلاف الوطني السوري» المجيء له برئيسٍ شخصيته أقرب للدينية بشرط أن لا يكون معروفاً، عندها وقع الاختيار على «معاذ الخطيب»، الذي شكّل انتخابه يومها مفاجأة للكثيرين باعتبارِ أنه لم يكن وجهاً متداولاً، أي إنه «كرتٌ» غير محروق كغيره. الأمر ذاته اتبعه العثماني «أردوغان»، عندما قرَّر إجراء انتخاباتٍ لرئيس حكومةٍ انتقالية سوريّة في تركيا، فوقع الاختيار على شخصيةٍ مغمورة أو بمعنى أصح غير مستهلكة هي «غسان هيتو» أملاً في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من هيبةٍ للمعارضة «الثائرة». حاولت الدول الراعية لهذا التوجه إعطاء الخطيب مساحةً من الحرية بهدف تلميع صورته عند المواطن السوري، وإخراجه بمظهر الحريص على استقلالية القرار عند المعارضة السورية. مع اقتراب موعد القمة العربية أدركوا أن لحظة الحقيقة قد حانت، ومنح الخطيب المقعد السوري يستوجب الكثير من العمل من أجل إثبات أحقية هذا الشخص وتحريره من القيود، من هنا جاءت مسرحية الاستقالة (التي اضطر للأسف أن يبيّت لها استخارة ويستشير أصحاب الكرامات)، ثم جاء حديثه عشيةَ القمة عن رفضه التدخل بالشؤون السورية ومطالبته الدول التي ترسل إرهابيين إلى سورية بالكف عن ذلك. هم حاولوا هنا أن يتعاملوا بذكاءٍ مع الحدث لأن حادث اغتيال «شيخ الشهداء» العلامة البوطي رحمه الله كان لابدّ مقابله من حدثٍ ما يصرف نظر المواطن السوري «المحايد على الأقل» عن الاغتيال.
كل هذه المساعي باءت بالفشل لأن كلمة الخطيب «الغبية» كشفت الكثير من هذه الأكاذيب فكيف لشخص يرفض التدخل الخارجي ومن ثم يطالب بنشر الباتريوت وفرض الحظر الجوي، وكيف لشخص يوهمنا بأن قراره مستقل ويطالب (تبدو مضحكة كلمة الخطيب... أُطالب) الولايات المتحدة بأن يكون دورها أوسع من إرسال المساعدات. الأهم من ذلك هو شكر كل حكومات العالم التي وصفها بأنها (تساعد المعارضة السورية)، إذاً إذا ما عُدنا لمطالب بيريز وأسقطناه على استضافة الكيان الصهيوني لجرحى العصابات المسلحة في مستشفياتها فإن هذه القمة شهدت ولأول مرة بتاريخ الجامعة العربية شكراً من أحد الوفود المشاركة لما يسمى دولة «إسرائيل»!.
ماذا عن القيادة السورية
يسأل البعض هل أن القيادة السورية أخطأت في طريقة تعاملها مع الجامعة العربية؟ ربما أن المواطن السوري كان ينتظرُ طريقةً أكثر صلابة في التعامل مع ملف الجامعة العربية. مما لاشك فيه أن التجاهل هو أسهل طريقةٍ للاحتقار. يبدو أن تجاهل القيادة السورية لهذه الجامعة هو نوعٌ من إظهار احتقارٍ لما باتت تشكله هذه الجامعة كأداة بيد الغرب من أجل إسقاط الدول العربية الواحدة تلو الأخرى. هذا الأمر لا يمكن تطبيقه عندما يكون من ورائنا شعبٌ شعر بأن إهانةً لحقت بهِ جرّاء تسليم مقعد سورية (المدافع الأول والأخير عن فكرة العروبة)، إلى أشخاصٍ لايمثلون حتى أنفسهم في المعادلةِ السورية. في المقابل يبدو أن حالة الانزعاج الشعبي تلك ليست متجانسةً أساساً مع النظرة التي ينظرها المواطن السوري للجامعة العربية، فقممها كانت دائما محطّ سخريةٍ وهو كان يعلم تماماً أن هذه الجامعة وجدت أصلاً من أجل حماية الأنظمة، ليس من أجل حماية مصالح الشعوب، حتى إن الرئيس الأسد قالها يوماً صراحةً أننا كنا نذهب إلى القمم ونحن نعلم أن شيئاً لن يتغير. إذاً لماذا شعر المواطن السوري بالانتقاص حالياً عندما تم إخراجه من جامعةٍ ساقطةٍ؟
القيادة السورية تعاملت بموضوع الجامعة على مبدأ سيدنا يوسف عليه السلام الذي غدر به أخوته، في حين الشعب السوري يرى أنه لا يمكن أن يمنح هؤلاء المستعربون شرف أن يكونوا أخوةً لسيدنا يوسف، باعتبار أن سيدنا يعقوب عليه السلام قد سامحهم واستغفر لهم، أما الشعب السوري فلن يغفر ولن يسامح.
القيادة السورية كذلك الأمر تعاملت بموضوع الجامعة عملاً بقول السيد المسيح عليه السلام «يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون»، أما الشعب السوري فهو يتعامل معهم بأنهم يعلمون تماماً ماذا يفعلون لذلك فلن يغفر ولن يسامح.
الجامعة تسقط بـ «الضربة القاضية»
بالتأكيد أن هذه الجامعة لن تبقى وهي سقطت بالضربة القاضية ليس لأن سورية خرجت منها وحسب، لكن لأن المنطقة برمتها لن تبقى كما هي. من هذا المنطلق لابد من طرح هذه الأسئلة، لماذا صمتنا كثيراً حتى أعطينا أولئك المستعربين فرصة تحقيق نصرٍ معنوي، كان بإمكاننا إعلان الخروج من الجامعة، تحديداً أن الجميع كان يعلم بما سيحدث وخروجنا من الجامعة مسبقاً كان سيخفِّف من وطأة الحدث على المواطن السوري. لا يمكن تبرير هذا التريُّث بأنه حرصٌ على العروبة لأن الجامعة لم تمثل العروبة يوماً أما سورية فبحد ذاتها جامعةٌ للعروبة، بل وكان علينا الخروج منها منذ أن ساهمت في إسقاط ليبيا وإدخالها في أتون حرب قبائليةٍ لن تنتهي مهما حاول الإعلام إخفاءها. كما لا يمكن تبرير الأمر بحجة الحفاظ على العمل العربي المشترك لأن هذا العمل سقط وبفرض انتهت الحرب على سورية غداً فمع من سنقيم العمل العربي المشترك؟ مع من صدَّر الإرهاب وفتاوى القتل أم مع من حاصرنا بلقمة عيشنا؟ للأسف تعاملنا بشيء من الاستخفاف مع توجهات المستعربين، حتى إننا لم نعلن حتى الآن انسحابنا من ما يسمى «مبادرة السلام العربية» فهل هناك جدوى بعد اليوم لإعلان انسحابنا منها؟ علماً أنه وفي قمة «فاس» في المغرب عام 1981 أسقطت سورية القمة بعد 5 ساعات فقط من بدء أعمالها لأنها رفضت يومها أي فكرةٍ لنقاش مشاريعَ استسلامية تستخفُّ بالقدراتِ العربية وتفرِّط بحقوقها، وهي تجسدت بخطةٍ أعدها «فهد بن عبد العزيز» لا تختلف كثيراً بمضمونها عن مبادرة السلام العربية. لماذا لم نسع خلال الفترة الماضية لتفكيك الجامعة وتشكيل تجمعٍ جديدٍ وفقَ المتغيرات الجديدة.
نرفض أن نرى حالة من التباعد بين الغضب الشعبي، وطريقة امتصاصه من قبل القيادة، والرهان الدائم على تفهّم الشعب الصامد للأمور ربما لا يكون بمحلّه لأن الشعب أيضاً بحاجة لضربةٍ ما تشعره بأن هذا الصمود يقابله انجازات، هنا يكمن دور الإعلام الذي لا يزال بعيداً عن السير مع الحالة الشعبية للمواطن.
إذاً قمّةٌ حملَت بمفهوم القِوادة المستعربة كلَّ جديد، نقلت وبصفاقةٍ كلَّ ما يريد الأميركي و«الإسرائيلي» إيصاله من رسائلَ وإنذارات ووعدٍ ووعيد، لأنهم طُغمةٌ اعتادت أن يُراد لها، ولم تعرف يوماً أن تريد. فُرض عليها أن تبدأ، لكنها لا تعرف كيف ستُنهي هذا التصعيد، وضد من؟ ضد سورية، مرضعةَ المجد التليد، وتَنَاسَوا أن شمعةً لا تذيبُ جبلاً من الجليد، وفي خيارات الحرب المفتوحة ستعلمونَ أيّ دماءٍ يحملُ ذاك الوريد، فالحكمة تقول لا يفلّ الحديدَ إلاَّ الحديدْ.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018